حمٓ ١
التفسير
{حم} سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
أخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة} قَالَ: أنزل الْقُرْآن فِي لَيْلَة الْقدر ثمَّ نزل بِهِ جِبْرِيل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نجوماً بِجَوَاب كَلَام النَّاس وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن قَتَادَة {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة} قَالَ: هِيَ (لَيْلَة الْقدر) السيوطي ٧/ ٣٩٨السيوطي ٧/ ٣٩٨
وَأخرج عبد بن حميد عَن أبي الْجلد قَالَ: نزلت صحف إِبْرَاهِيم فِي أول لَيْلَة من رَمَضَان وَأنزل الإِنجيل لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان وَأنزل الْفرْقَان لأَرْبَع وَعشْرين
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي قَوْله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة} قَالَ: نزل الْقُرْآن جملَة على جِبْرِيل وَكَانَ جِبْرِيل يَجِيء بعد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: نزل الْقُرْآن من السَّمَاء الْعليا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا جَمِيعًا فِي (لَيْلَة الْقدر) ثمَّ فصل بعد ذَلِك فِي تِلْكَ السنين
وَأخرج مُحَمَّد بن نصر وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} قَالَ: يكْتب من (أم الْكتاب) (الرَّعْد الْآيَة ٣٩) (فِي لَيْلَة الْقدر) مَا يكون فِي السّنة من رزق أَو موت أَو حَيَاة أَو مطر حَتَّى يكْتب الْحَاج يحجّ فلَان ويحج فلَان
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عمر فِي قَوْله {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} قَالَ: أَمر السّنة إِلَى السّنة إِلَّا الشَّقَاء والسعادة فَإِنَّهُ فِي كتاب الله لَا يُبدل وَلَا يُغير
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عِكْرِمَة {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} قَالَ: يقْضِي فِي (لَيْلَة الْقدر) (كل أَمر مُحكم)
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن نصر وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق مُحَمَّد بن سوقة عَن عِكْرِمَة قَالَ: يُؤذن للْحَاج بِبَيْت الله فِي (لَيْلَة الْقدر) فيكتبون بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم فَلَا يُغَادر تِلْكَ اللَّيْلَة أحد مِمَّن كتب ثمَّ قَرَأَ {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} فَلَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم
وَأخرج سعيد وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن قَوْله {حم وَالْكتاب الْمُبين إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة إِنَّا كُنَّا منذرين} {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} قَالَ: يفرق {فِي لَيْلَة الْقدر} مَا يكون من السّنة إِلَى السّنة إِلَّا الْحَيَاة وَالْمَوْت يفرق فِيهَا المعايش والمصائب كلهَا وَأخرج عبد بن حميد وَمُحَمّد بن نصر وَابْن جرير عَن ربيعَة بن كُلْثُوم قَالَ: كنت عِنْد الْحسن فَقَالَ لَهُ رجل يَا أَبَا سعيد (لَيْلَة الْقدر) فِي كل رَمَضَان هِيَ قَالَ: أَي وَالله إِنَّهَا لفي كل رَمَضَان وَإنَّهُ لليلة {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} فِيهَا يقْضِي الله كل أجل وَعمل ورزق إِلَى مثلهَا السيوطي ٧/ ٣٩٩السيوطي ٧/ ٣٩٩
وَأخرج ابْن جرير عَن عمر مولى غفرة قَالَ: يُقَال ينْسَخ لملك الْمَوْت من يَمُوت من (لَيْلَة الْقدر) إِلَى مثلهَا وَذَلِكَ لِأَن الله يَقُول: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة} إِلَى قَوْله {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} فتجد الرجل ينْكح النِّسَاء ويفرش الْفرش واسْمه فِي الْأَمْوَات
وَأخرج ابْن جرير عَن هِلَال بن يسَاف قَالَ: كَانَ يُقَال انتظروا الْقَضَاء فِي شهر رَمَضَان
وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة} قَالَ: (لَيْلَة الْقدر)
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنَّك لترى الرجل يمشي فِي الْأَسْوَاق وَقد وَقع اسْمه فِي الْمَوْتَى ثمَّ قَرَأَ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة إِنَّا كُنَّا منذرين} {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} يَعْنِي (لَيْلَة الْقدر) قَالَ: فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة يفرق أَمر الدُّنْيَا إِلَى مثلهَا من قَابل موت أَو حَيَاة أَو رزق كل أَمر الدُّنْيَا يفرق تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَى مثلهَا من قَابل
وَأخرج عبد بن حميد وَمُحَمّد بن نصر وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي مَالك فِي قَوْله: {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} قَالَ: عمل السّنة إِلَى السّنة
وَأخرج عبد بن حميد وَمُحَمّد بن نصر وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ فِي قَوْله: {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} قَالَ: يدبر أَمر السّنة إِلَى السّنة (فِي لَيْلَة الْقدر)
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الجوزاء {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} قَالَ: هِيَ (لَيْلَة الْقدر) يجاء بالديوان الْأَعْظَم السّنة إِلَى السّنة فَيغْفر الله عز وَجل لمن يَشَاء أَلا ترى أَنه قَالَ: {رَحْمَة من رَبك}
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن نصر وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ عَن قَتَادَة فِي السيوطي ٧/ ٤٠٠السيوطي ٧/ ٤٠٠
يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم: إنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال: تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ابن كثير ٨/ ٢٤٥ابن كثير ٨/ ٢٤٥
وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في "سورة البقرة" بما أغنى عن إعادته.
ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان -كما روي عن عكرمة-فقد أبعد النَّجْعَة فإن نص القرآن أنها في رمضان. والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل عن الزهري: أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن رسول الله ﷺ قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى" فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص.
وقوله: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) أي: معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعًا، لتقوم حجة الله على عباده.
وقوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.
وقوله: (حكيم) أي: محكم لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه، (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) أي: إلى الناس رسولا يتلو عليهم آيات الله مبينات، فإن الحاجة كانت ماسة إليه؛ ولهذا قال: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: الذي أنزل هذا القرآن هو رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أي: إن كنتم متحققين.
ثم قال: (لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ) وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ] ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨] . ابن كثير ٨/ ٢٤٦ابن كثير ٨/ ٢٤٦
لا كتاب مختار.