ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ١
التفسير
الذين جحدوا أن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له، وصدوا الناس عن دينه، أَذْهَبَ الله أعمالهم، وأبطلها، وأشقاهم بسببها.
قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا الآية، إشارة إلى أهل مكة الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية إشارة إلى الأنصار أهل المدينة الذين آووه، وفي الطائفتين نزلت الآيتان، قاله ابن عباس ومجاهد، ثم هي بعد تعم كل من دخل تحت ألفاظها. وقوله: وَصَدُّوا يحتمل أن يريد الفعل المجاوز، فيكون المعنى: وَصَدُّوا غيرهم، ويحتمل أن يكون الفعل غير متعد، فيكون المعنى: وَصَدُّوا أنفسهم. و: سَبِيلِ اللَّهِ شرعه وطريقه الذي دعا إليه.
وقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي أتلفها، ولم يجعل لها غاية خير ولا نفعا، وروي أن هذه الآية نزلت بعد بدر، وأن الإشارة بقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ هي إلى الإنفاق الذي أنفقوه في سفرتهم إلى بدر، وقيل المراد بالأعمال: أعمالهم البرة في الجاهلية من صلة رحم ونحوه، واللفظ يعم ذلك.
وقرأ الناس: «نزّل» بضم النون وشد الزاي. وقرأ الأعمش: «أنزل» معدى بالهمزة وقوله تعالى:
وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال قتادة معناه: وأصلح حالهم. وقرأ ابن عباس «أمرهم» . وقال مجاهد: شأنهم.
وتحرير التفسير في اللفظة أنها بمعنى الفكر والموضع الذي فيه نظر الإنسان وهو القلب، فإذا صلح ذلك صلحت حاله، فكأن اللفظة مشيرة إلى صلاح عقيدتهم وغير ذلك من الحال تابع، فقولك: خطر في بالي كذا، وقولك: أصلح الله بالك: المراد بهما واحد، ذكره المبرد. والبال: مصدر كالحال والشأن، ولا يستعمل منها فعل، وكذلك عرفه أن لا يثنى ولا يجمع، وقد جاء مجموعا لكنه شاذ، فإنهم قالوا بآلات. ابن عطية ٥/ ١٠٩ابن عطية ٥/ ١٠٩
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الإشارة إلى هذه الأفعال التي ذكر الله أنه فعلها بالكفار وبالمؤمنين. و: الْباطِلَ الشيطان وكل ما يأمر به، قاله مجاهد. و: الْحَقَّ هنا هو الشرع ومحمد عليه السلام.
وقوله: كَذلِكَ يبين أمر كل فرقة ويجعل لها ضربها من القول وصنفها. وضرب المثل مأخوذ من الضريب والضرب الذي هو بمعنى النوع.
قوله عز وجل: ابن عطية ٥/ ١١٠ابن عطية ٥/ ١١٠
يقول تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بآيات الله، (وصدوا) غيرهم (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أبطلها وأذهبها، ولم يجعل لها جزاء ولا ثوابا، كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
ثم قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم، (وَآمَنُوا بِمَا نزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) ، عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) جملة معترضة حسنة؛ ولهذا قال: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) قال ابن عباس: أي أمرهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن زيد: حالهم. والكل متقارب. وقد جاء في حديث تشميت العاطس: "يهديكم الله ويصلح بالكم" .
ثم قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ) أي: إنما أبطلنا أعمال الكفار، وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم؛ لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، أي: اختاروا الباطل على الحق، (وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) أي: يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم. ابن كثير ٨/ ٣٠٦ابن كثير ٨/ ٣٠٦
لا كتاب مختار.