ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ١
التفسير
الذين جحدوا أن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له، وصدوا الناس عن دينه، أَذْهَبَ الله أعمالهم، وأبطلها، وأشقاهم بسببها.
{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} قوله عز وجل: {الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني كفروا بتوحيد الله. {وَصَدُّواْ عَن سَبيلِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: عن الله وهو الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه , قاله السدي. الثاني: عن بيت الله يمنع قاصديه إذا عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم - عليهم الإسلام أن يدخلوا فيه , قاله الضحاك. {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أحبط ما فعلوه من الخير بما أقاموا عليه من الكفر. الماوردي ٥/ ٢٩٠الماوردي ٥/ ٢٩٠
الثاني: أبطل ما أنفقوا ببدر لما نالهم من القتل. الثالث: أضلهم عن الهدى بما صرفهم عن التوفيق. وحكى مقاتل بن حيان أن هذه الآية نزلت في اثني عشر رجلاً من كفار مكة , ذكر النقاش أنهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عقبة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف ومنبه ونبيه ابنا الحجاج وأبو البختري وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام والحارث بن عامر بن نوفل. قوله عز وجل: {وَالَّذِينَءَامَنواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم الأنصار , قاله ابن عباس. الثاني: أنها نزلت خاصة في ناس من قريش , قاله مقاتل. وفي قوله: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فيه قولان: أحدهما: المواساة بمساكنهم وأموالهم , وهذا قول من زعم أنهم الأنصار. الثاني: الهجرة وهذا قول من زعم أنهم قريش. {وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} أي آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه من القرآن. {وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن إيمانهم هو الحق من ربهم. الثاني: أن القرآن هو الحق من ربهم. {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: سترها عليهم. الثاني: غفرها بإيمانهم. {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أصلح شأنهم , قاله مجاهد. الثاني: أصلح حالهم، قاله قتادة. الثالث: أصلح أمرهم، قاله ابن عباس، والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. الماوردي ٥/ ٢٩١الماوردي ٥/ ٢٩١
الرابع: أصلح نياتهم. حكاه النقاش، ومنه قول الشاعر:
(فإن تقبلي بالود أقبل بمثله ... وإن تدبري أذهب إلى حال باليا)
وهو على هذا التأويل محمول على إصلاح دينهم، والبال لا يجمع لأنه أبهم إخوانه من الشأن والحال والأمر. قوله عز وجل: {ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ} فيه قولان: أحدهما: أن الباطل الشيطان، قاله مجاهد. الثاني: إبليس، قاله قتادة، وسُمِّي بالباطل لأنه يدعو إلى الباطل. ويحتمل ثالثاً: أنه الهوى. {وَأَنَّ الَّذِينَءَامَنُوا اتَّبعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: اتبعوا الرسول , لأنه دعاهم إلى الحق وهو الإسلام. الثاني: يعني القرآن سمي حقاً لمجيئه بالحق. {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} قال يحيى: صفات أعمالهم , وفي الناس هنا قولان: أحدهما: أنه محمد صلى الله عليه وسلم , قاله الكلبي. الثاني: جميع الناس , قاله مقاتل. الماوردي ٥/ ٢٩٢الماوردي ٥/ ٢٩٢
يقول تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بآيات الله، (وصدوا) غيرهم (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أبطلها وأذهبها، ولم يجعل لها جزاء ولا ثوابا، كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
ثم قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم، (وَآمَنُوا بِمَا نزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) ، عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) جملة معترضة حسنة؛ ولهذا قال: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) قال ابن عباس: أي أمرهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن زيد: حالهم. والكل متقارب. وقد جاء في حديث تشميت العاطس: "يهديكم الله ويصلح بالكم" .
ثم قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ) أي: إنما أبطلنا أعمال الكفار، وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم؛ لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، أي: اختاروا الباطل على الحق، (وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) أي: يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم. ابن كثير ٨/ ٣٠٦ابن كثير ٨/ ٣٠٦
لا كتاب مختار.