ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١
التفسير
الثناء على الله بصفاته التي كلّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، الذي أنشأ السموات والأرض وما فيهن، وخلق الظلمات والنور، وذلك بتعاقب الليل والنهار. وفي هذا دلالة على عظمة الله تعالى، واستحقاقه وحده العبادة، فلا يجوز لأحد أن يشرك به غيره. ومع هذا الوضوح فإن الكافرين يسوون بالله غيره، ويشركون به.
- أخرج ابْن الضريس فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن كَعْب قَالَ: فتحت التَّوْرَاة {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ} وختمت {الْحَمد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا} الى قَوْله {وَكبره تَكْبِيرا}
وَأخرج عبد بن حميد عَن الرّبيع بن أنس {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ} قَالَ: هِيَ فِي التَّوْرَاة بستمائة آيَة وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض} حمد نَفسه فأعظم خلقه السيوطي ٣/ ٢٤٦السيوطي ٣/ ٢٤٦
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَليّ
أَنه أَتَاهُ رجل من الْخَوَارِج فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ أَلَيْسَ كَذَلِك قَالَ: نعم
فَانْصَرف عَنهُ ثمَّ قَالَ: ارْجع
فَرجع فَقَالَ: أَي قل إِنَّمَا أنزلت فِي أهل الْكتاب
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزي عَن أَبِيه أَنه أَتَاهُ رجل من الْخَوَارِج فَقَرَأَ عَلَيْهِ {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور} الْآيَة
ثمَّ قَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ قَالَ: بلَى
فَانْصَرف عَنهُ الرجل فَقَالَ لَهُ رجل من الْقَوْم: يَا ابْن ابزى إِن هَذَا أَرَادَ تَفْسِير الْآيَة غير مَا ترى إِنَّه رجل من الْخَوَارِج
قَالَ: ردُّوهُ عَليّ
فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَتَدْرِي فِيمَن أنزلت هَذِه الْآيَة قَالَ: لَا
قَالَ: نزلت فِي أهل الْكتاب فَلَا تضعها فِي غير موضعهَا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي الزَّنَادِقَة {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور} قَالَ: قَالُوا: إِن الله لم يخلق الظلمَة وَلَا الخنافس وَلَا العقارب وَلَا شَيْئا قبيحاً وَإِنَّمَا خلق النُّور وكل شَيْء حسن فَأنْزل فيهم هَذِه الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد قَالَ: نزل جِبْرِيل مَعَ سبعين ألف ملك مَعَهم سُورَة الْأَنْعَام لَهُم زجل من التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير والتهليل والتحميد وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَكَانَ فِيهِ رد على ثَلَاثَة أَدْيَان مِنْهُم فَكَانَ فِيهِ رد على الدهرية لِأَن الْأَشْيَاء كلهَا دائمة ثمَّ قَالَ: {وَجعل الظُّلُمَات والنور} فَكَانَ فِيهِ رد على الْمَجُوس الَّذين زَعَمُوا أَن الظلمَة والنور هما المدبران وَقَالَ {ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ} فَكَانَ فِيهِ رد على مُشْركي الْعَرَب وَمن دَعَا دون الله إِلَهًا
وَأخرج ابْن جرير عَن أبي روق قَالَ: كل شَيْء فِي الْقُرْآن {جعل} فَهُوَ خلق
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس {وَجعل الظُّلُمَات والنور} قَالَ: الْكفْر وَالْإِيمَان
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور} قَالَ: خلق الله السَّمَوَات قبل الأَرْض والظلمة قبل النُّور وَالْجنَّة قبل النَّار {ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ} قَالَ: كذب الْعَادِلُونَ بِاللَّه فَهَؤُلَاءِ أهل الشّرك السيوطي ٣/ ٢٤٧السيوطي ٣/ ٢٤٧
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {وَجعل الظُّلُمَات والنور} قَالَ: الظُّلُمَات ظلمَة اللَّيْل والنور نور النَّهَار {ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ} قَالَ: هم الْمُشْركُونَ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ} قَالَ: يشركُونَ
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد فِي قَوْله {ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ} قَالَ: الْآلهَة الَّتِي عبدوها عدلوها بِاللَّه تَعَالَى وَلَيْسَ لله عدل وَلَا ند وَلَيْسَ مَعَه آلِهَة وَلَا اتخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا السيوطي ٣/ ٢٤٨السيوطي ٣/ ٢٤٨
يقول الله تعالى مادحًا نفسه الكريمة، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارًا لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ "الظلمات" ووحَّد لفظ "النور" ؛ لكونه أشرف، كما قال ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] ، وكما قال في آخر هذه السورة ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . ابن كثير ٤/ ٢٣٨ابن كثير ٤/ ٢٣٨
وقوله: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكًا وعدلا واتخذوا له صاحبةً وولدًا، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا، فانتشروا في المشارق والمغارب.
وقوله: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: الموت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: الآخرة.
وهكذا رُوي عن مجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسُّدِّي، ومُقاتِل بن حَيَّان، وغيرهم.
وقول الحسن - في رواية عنه: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) ما بين أن يموت إلى أن يبعث-هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، [وانتقالها] والمصير إلى الدار الآخرة.
وعن ابن عباس ومجاهد: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: مدة الدنيا (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ [يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ] ﴾ الآية [الأنعام: ٦٠] .
وقال عطية، عن ابن عباس (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: أجل موت الإنسان، وهذا قول غريب.
ومعنى قوله: (عِنْدَهُ) أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ، وكقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤] .
وقوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) قال السُّدِّي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة.
وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجَهْمِيَّة الأول القائلين بأنه -تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا-في كل مكان؛ حيث حملوا الآية على ذلك، فأصح الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رَغَبًا ورَهَبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ، أي: هو إله مَنْ في السماء وإله مَنْ في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) خبرًا أو حالا. ابن كثير ٤/ ٢٣٩ابن كثير ٤/ ٢٣٩
والقول الثاني: أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر. فيكون قوله: (يَعْلَمُ) متعلقًا بقوله: (فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ) تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون.
والقول الثالث أن قوله (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ) وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: (وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) وهذا اختيار ابن جرير.
وقوله: (وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) أي: جميع أعمالهم خيرها وشرها. ابن كثير ٤/ ٢٤٠ابن كثير ٤/ ٢٤٠
لا كتاب مختار.