القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١

سورة الأنعام، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةالكشف والبيان عن تفسير القرآنالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

الثناء على الله بصفاته التي كلّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، الذي أنشأ السموات والأرض وما فيهن، وخلق الظلمات والنور، وذلك بتعاقب الليل والنهار. وفي هذا دلالة على عظمة الله تعالى، واستحقاقه وحده العبادة، فلا يجوز لأحد أن يشرك به غيره. ومع هذا الوضوح فإن الكافرين يسوون بالله غيره، ويشركون به.

الكشف والبيان عن تفسير القرآنالثعلبي، ت ٤٢٧هـ

١ - قوله -عز وجل- : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} الآية.

قال مقاتل : قال المشركون للنبي - صلى الله عليه وسلم -: من ربك؟ قال: "الذي خلق السماوات والأرض" ، فكذَّبُوه، فأنزل الله تعالى حامدًا نفسه دالّا بصنعه على وجوده وتوحيده: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} في يوميْن: يوم الأحد ويوم الاثنين {وَالْأَرْضَ} في يَوْمَيْنِ: يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء.

{وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور}

قال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار .

وقال الواقدي: كل ما في القرآن من: الظلمات والنور، فهو: الكفر والإيمان، إلا في هذِه الآية؛ فإنه يريد بهما الليل والنهار .

وقال الحسن: {جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور} يعني: الكفر والإيمان . الثعلبي ١٢/ ٢٠الثعلبي ١٢/ ٢٠

وقال قتادة: يعنى: الجنة والنار .

وإنما جمع: الظلمات، ووحَّد النور؛ لأن النور يتعدى، والظلمة لا تتعدى . وقال أهل المعاني : (جعل) هاهنا صلة، والعرب تزيد (جعل) في الكلام .

كقول الشاعر:

وقد جعلتُ الاثنينِ أربعةً ... والواحدَ اثنينِ لَمّا هدَّني الكبرُ . الثعلبي ١٢/ ٢١الثعلبي ١٢/ ٢١

ومجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور.

وقيل: معناه: خلق السماوات والأرض، وقد جعل الظلمات والنور؛ لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض .

قال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار .

وقال وهب: أول ما خلق الله مكانًا مظلمًا، ثم خلق جوهرة فأضاءت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نَظَرَ الهيبة فصارت ماءً، فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين .

وروى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الثعلبي ١٢/ ٢٢الثعلبي ١٢/ ٢٢

"إنَّ الله تعالى خَلَقَ خلقه من ظلمةٍ، ثم ألقى عليهم من نُوره، فمن أصابه يومئذٍ من ذلك النور اهتدى، ومَن أخطأه ضلَّ" .

{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}

قال قطرب: هو مختصر - يعني: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بعد هذا البيان {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} : الأوثان - أي: يشركون، وأصله من مساواة الشيء بالشيء، يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به .

وقال النضر بن شميل: الباء في قوله: {بِرَبِّهِمْ} بمعنى عن . الثعلبي ١٢/ ٢٣الثعلبي ١٢/ ٢٣

وقوله: {يَعْدِلُونَ} من العدول - أي: يميلون وينحرفون .

وأنشد يصف السحاب :

شربنَ بماء البحر، ثم ترفعتْ ... متى لججٍ خُضْرٍ لهن نَئيُج .

أي: من ماء البحر.

وقال الله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} أي: منها .

[١٣٤٢] أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن إبراهيم (بن محمد) الأصفهاني ، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن محمش ، قال: أخبرنا علي بن حسان ، عن القاسم بن محمد البجلي، عن يوسف بن بلال ، عن محمد بن مروان ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: فتح الله الخلق بالحمد، فقال : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} وختمهم بالحمد، فقال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} : بين الخلائق {وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: ٧٥] . الثعلبي ١٢/ ٢٤الثعلبي ١٢/ ٢٤

[١٣٤٣] وأخبرنا الحسين بن محمد ، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال: (حدثنا علي) ، قال: حدثنا إسحاق ، قال: أخبرنا المؤمل بن إسماعيل ، عن حماد ، عن عبد الله بن الحارث ، عن كعب قال: فتح الله التوراة بالحمد، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} وختمها بالحمد، فقال: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} الآية [الإسراء: ١١١] . الثعلبي ١٢/ ٢٦الثعلبي ١٢/ ٢٦

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَعلى الآيات ١ إلى ٣ابن كثير ٤/ ٢٣٨ابن كثير ٤/ ٢٣٨

يقول الله تعالى مادحًا نفسه الكريمة، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارًا لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ "الظلمات" ووحَّد لفظ "النور" ؛ لكونه أشرف، كما قال ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] ، وكما قال في آخر هذه السورة ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . ابن كثير ٤/ ٢٣٨ابن كثير ٤/ ٢٣٨

وقوله: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكًا وعدلا واتخذوا له صاحبةً وولدًا، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.

وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا، فانتشروا في المشارق والمغارب.

وقوله: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: الموت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: الآخرة.

وهكذا رُوي عن مجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسُّدِّي، ومُقاتِل بن حَيَّان، وغيرهم.

وقول الحسن - في رواية عنه: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) ما بين أن يموت إلى أن يبعث-هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، [وانتقالها] والمصير إلى الدار الآخرة.

وعن ابن عباس ومجاهد: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: مدة الدنيا (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ [يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ] ﴾ الآية [الأنعام: ٦٠] .

وقال عطية، عن ابن عباس (ثُمَّ قَضَى أَجَلا) يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) يعني: أجل موت الإنسان، وهذا قول غريب.

ومعنى قوله: (عِنْدَهُ) أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ، وكقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤] .

وقوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) قال السُّدِّي وغيره: يعني تشكون في أمر الساعة.

وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجَهْمِيَّة الأول القائلين بأنه -تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا-في كل مكان؛ حيث حملوا الآية على ذلك، فأصح الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رَغَبًا ورَهَبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ، أي: هو إله مَنْ في السماء وإله مَنْ في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) خبرًا أو حالا. ابن كثير ٤/ ٢٣٩ابن كثير ٤/ ٢٣٩

والقول الثاني: أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، من سر وجهر. فيكون قوله: (يَعْلَمُ) متعلقًا بقوله: (فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ) تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون.

والقول الثالث أن قوله (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ) وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: (وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) وهذا اختيار ابن جرير.

وقوله: (وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) أي: جميع أعمالهم خيرها وشرها. ابن كثير ٤/ ٢٤٠ابن كثير ٤/ ٢٤٠