القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًۭا ١

سورة الطلاق، الآية ١مدنية
في سورتها

التفسير

المختارةالوسيط في تفسير القرآن المجيدالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

يا أيها النبي إذا أردتم -أنت والمؤمنون- أن تطلِّقوا نساءكم فطلقوهن مستقبلات لعدتهن -أي في طهر لم يقع فيه جماع، أو في حَمْل ظاهر- واحفظوا العدة؛ لتعلموا وقت الرجعة إن أردتم أن تراجعوهن، وخافوا الله ربكم، لا تخرجوا المطلقات من البيوت التي يسكنَّ فيها إلى أن تنقضي عدتهن، وهي ثلاث حيضات لغير الصغيرة والآيسة والحامل، ولا يجوز لهن الخروج منها بأنفسهن، إلا إذا فعلن فعلة منكرة ظاهرة كالزنى، وتلك أحكام الله التي شرعها لعباده، ومن يتجاوز أحكام الله فقد ظلم نفسه، وأوردها مورد الهلاك. لا تدري -أيها المطلِّق-: لعل الله يحدث بعد ذلك الطلاق أمرًا لا تتوقعه فتراجعها.

الوسيط في تفسير القرآن المجيدالواحدي، ت ٤٦٨هـ

{يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: ١] نادى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم خاطب أمته، لأنه السيد المقدم، فإذا نودي وخوطب خطاب الجمع، كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب، ومعنى: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: ١] إذا أردتم التطليق، كقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: ٦] ، {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ} [الإسراء: ٤٥] ، فطلقوهن لعدتهن نزلت في عبد الله بن عمر، لما طلق امرأته وهي حائض، فأمر الله تعالى الزوج أن يطلق امرأته إذا شاء الطلاق في طهرها، وهو قوله: لعدتهن أي: لزمان عدتهن وهو الطهر، والطلاق نوعان: سني، وبدعي، والسني: أن يقع في طهر لم يجامع فيه، فذلك هو الطلاق للعدة، لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها، وتحصل في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان العدة، والآية دلت على إيقاع الطلاق في الطهر، ودلت السنة على أن ذلك الطهر يجب أن يكون غير مجامع فيه، حتى يكون الطلاق سنيًا، وهو ما:

١٢٠٧ - أَخْبَرَنَاهُ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ الواحدي ٤/ ٣١٠الواحدي ٤/ ٣١٠

والطلاق البدعي: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جومعت فيه، وهو واقع، وصاحبه آثم.

١٢٠٨ - حَدَّثَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مَسْعُودٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ» ، قُلْتُ: يَحْتَسِبُ بِهَا، قَالَ: «فَمَهْ» .

رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْر، عَنْ شَهْرٍ كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ.

١٢٠٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَنِيعٍ، وَأَنَا أَسْمَعُ، حَدَّثَكُمْ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، نا إِدْرِيسُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: اعْتَدَدْتَ بِتِلْكَ الطَّلْقَةِ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَعْتَدُّ بِهَا، وَإِنْ كُنْتُ عَجَزْتُ وَاسْتَحْمَقْتُ

قوله: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: ١] إنما أمر بإحصاء العدة لتوزيع الطلاق على الأقراء، إذا أراد أن يطلق ثلاثًا، وهو أحسن من جمعها في قرء واحد، وللعلم ببقاء زمان الرجعة، ولمراعاة النفقة والسكنى، {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: ١] فلا تعصوه فيما أمركم به، {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق: ١] لا يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي كان يساكنها فيه قبل الطلاق. الواحدي ٤/ ٣١١الواحدي ٤/ ٣١١

{وَلا يَخْرُجْنَ} [الطلاق: ١] وعلى المرأة أيضًا ألا تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت، سواء خرجت ليلًا أو نهارًا، وقوله: {إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: ١] أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة ههنا: الزنا، وهو أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، وقال السدي، والكلبي: الفاحشة: خروجها من البيت في زمان العدة.

وقال الضحاك، وقتادة: هي النشوز، وسوء الخلق.

فهي إذا زنت، أو خرجت في عدتها، أو نشزت، كان للزوج إخراجها من البيت، وقطع سكناها، وقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [الطلاق: ١] يعني: ما ذكر من سنة الطلاق وما بعدها، {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} [الطلاق: ١] فيطلق لغير السنة، {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: ١] أثم فيما بينه وبين الله تعالى، {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١] يوقع في قلب الزوج المحبة، لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين، وهذا يدل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقًا، وأن لا يجمع بين الثلاث، قال الزجاج: وإذا طلقها ثلاثًا في وقت واحد، فلا معنى لقوله: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١] .

{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا {٢} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا {٣} } [الطلاق: ٢-٣] . الواحدي ٤/ ٣١٢الواحدي ٤/ ٣١٢

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًاابن كثير ٩/ ١٤٢ابن كثير ٩/ ١٤٢

خُوطب النبي ﷺ أولا تشريفًا وتكريما، ثم خاطب الأمة تبعًا فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله، عز وجل : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة.

ورواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة … فذكره مرسلا وقد ورد من غير وجه: أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها.

وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بُكَيْر، حدثنا الليث وعقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم: أن عبد الله بن عمر أخبره: أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمرُ لرسول الله ﷺ ، فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: "ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله، عز وجل "

هكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه في مواضع من كتابه، ومسلم، ولفظه: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"

ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعددة وألفاظ كثيرة ومواضع استقصائها كتب الأحكام. ابن كثير ٩/ ١٤٢ابن كثير ٩/ ١٤٢

وأمَسُّ لفظ يورَد ها هنا ما رواه مسلم في صحيحه، من طريق ابن جُرَيْج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن -مولى عَزة يسأل ابن عمر- وأبو الزبير يسمع ذلك: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طَلَّق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : "ليراجعها" فَردَّها، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو يمسك" . قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) .

وقال الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله في قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) قال: الطهر من غير جماع وروي عن ابن عمر وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وميمون بن مِهْران، ومقاتل بن حيان مثل ذلك، وهو رواية عن عكرمة، والضحاك.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) قال: لا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن: تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة.

وقال عكرمة: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) العدة: الطهر، والقرء الحيضة، أن يطلقها حبلى مستبينا حملها، ولا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدري حبلى هي أم لا.

ومن ها هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها. والبدعى: هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا؟ وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة والآيسة، وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وقوله (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها؛ لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج. (وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ) أي: في ذلك.

وقوله: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ) أي: في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضا الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضًا.

وقوله: (إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل الزنا، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيَّب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعِكْرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قِلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسُّدِّي، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم وتشمل ماذا نشزَت المرأة أو بَذَت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبي بن كعب، وابن عباس، وعكرمة، وغيرهم. ابن كثير ٩/ ١٤٣ابن كثير ٩/ ١٤٣

وقوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: شرائعه ومحارمه (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) أي: بفعل ذلك.

وقوله: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله في قلبه رَجْعَتَها، فيكون ذلك أيسر وأسهل.

قال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن فاطمة بنت قيس في قوله: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) قال: هي الرجعة. وكذا قال الشعبي، وعطاء، وقتادة، والضحاك، ومقاتل ابن حيان، والثوري. ومن هاهنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم، كالإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة، وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضًا على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية، حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، وكان غائبًا عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك، فأرسل إليها وكيله بشعير - [يعني] نفقة- فَتَسَخَّطته فقال: والله ليس لك علينا نفقة. فأتت رسول الله ﷺ ، فقال: "ليس لك عليه نفقة" . ولمسلم: ولا سكنى، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك" الحديث

وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر، فقال:

حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، حدثنا عامر قال: قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس، فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد النبي ﷺ ، فبعثه رسول الله ﷺ في سَرية. قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدار. فقلت: إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل. قال: لا. قالت: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن فلانا طلقني، وأن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة، [فأرسل إليه] فقال: "ما لك ولابنة آل قيس" ، قال: يا رسول الله، إن أخي طلقها ثلاثا جميعًا. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "انظري يا بنت آل قيس، إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كان له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى. اخرجي فانزلي على فلانة" . ثم قال: "إنه يُتحَدّث إليها، انزلي على ابن أم مكتوم، فإنه أعمى لا يراك" وذكر تمام الحديث

وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التُّسْتَريّ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي، حدثنا عامر الشعبي: أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى، فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئًا، ولا أوصانا به. فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي بطلاقي، فطلبت السكنى والنفقة علي، فقال: أولياؤه: لم يرسل إلينا في ذلك بشيء. فقال رسول الله ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة، فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى" . ابن كثير ٩/ ١٤٤ابن كثير ٩/ ١٤٤

وكذا رواه النسائي عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن، عن سعيد بن يزيد وهو الأحمسي البَجَلي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: وهو شيخ، يروى عنه ابن كثير ٩/ ١٤٥ابن كثير ٩/ ١٤٥