ٱلْحَآقَّةُ ١
التفسير
القيامة الواقعة حقًّا التي يتحقق فيها الوعد والوعيد، ما القيامة الواقعة حقًّا في صفتها وحالها؟ وأي شيء أدراك -أيها الرسول- وعَرَّفك حقيقة القيامة، وصَوَّر لك هولها وشدتها؟
«الْحَاقَّةُ» : اسم للقيامة لأنها تحقّ كلّ إنسان بعمله خيره وشرّه.
«وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ؟» : استفهام يفيد التعظيم لأمرها، والتفخيم لشأنها.
قوله جل ذكره: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ» ذكر في هذه السورة: الذين كذّبوا رسلهم من الأمم، وأصرّوا على كفرهم، ولم يقبلوا النصيحة من أنبيائهم، فأهلكهم، وانتقم لأنبيائه منهم.
والفائدة في ذكرهم: الاعتبار بهم، والتحرّر عمّا فعلوا لئلا يصيبهم ما أصابهم.
وعقوبة هذه الأمة مؤجّلة مؤخّرة إلى القيامة، ولكنّ خواصّهم عقوبتهم معجّلة فقوم من هذه الطائفة إذا أشاعوا سرّا، أو أضاعوا أدبا يعاقبهم برياح الحجبة ، فلا يبقى في قلوبهم أثر من الاحتشام للدّين، ولا ممّا كان لهم من الأوقات، ويصيرون على خطر في أحوالهم بأن يمتحنوا (بالاعتراض على التقدير) والقسمة. القشيري ٣/ ٦٢٤القشيري ٣/ ٦٢٤
وأمّا فرعون وقومه فكان عذابهم بالغرق.. كذلك من كان له وقت فارغ وهو بطاعة ربّه مشتغل، والحقّ عليه مقبل- فإذا لم يشكر النعمة، وأساء أدبه، ولم يعرف قدر ما أنعم الله به عليه ردّه الحقّ إلى أسباب التفرقة، ثم أغرقه في بحار الاشتغال فيتكدر مشربه، ويصير على خطر بأن يدركه سخط الحقّ وغضبه.
قوله جل ذكره: القشيري ٣/ ٦٢٥القشيري ٣/ ٦٢٥
الحاقةُ من أسماء يوم القيامة؛ لأن فيها يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ ولهذا عَظَّم تعالى أمرَها فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) ؟
ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) وهي الصيحة التي أسكتتهم، والزلزلة التي أسكنتهم. هكذا قال قتادة: الطاغية الصيحة. وهو اختيار ابن جرير .
وقال مجاهد: الطاغية الذنوب. وكذا قال الربيع بن أنس، وابن زيد: إنها الطغيان، وقرأ ابن زيد: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١] .
وقال السُّدِّي: (فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) قال: يعني: عاقر الناقة.
(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ) أي: باردة. قال قتادة، والربيع، والسدي، والثوري: (عاتية) أي: شديدة الهبوب. قال قتادة: عتت عليهم حتى نَقَّبت عن أفئدتهم.
وقال الضحاك: (صرصر) باردة (عاتية) عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة. وقال علي وغيره: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب.
(سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ) أي: سلطها عليهم (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) أي: كوامل متتابعات مشائيم. ابن كثير ٩/ ٢٠٨ابن كثير ٩/ ٢٠٨
قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والثوري، وغير واحد (حسوما) متتابعات.
وعن عكرمة والربيع: مشائيم عليهم، كقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال الربيع: وكان أولها الجمعة. وقال غيره الأربعاء. ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز؛ وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز؛ لأن عجوزًا من قوم عاد دخلت سَرَبا فقتلها الريح في اليوم الثامن. حكاه البغوي والله أعلم.
قال ابن عباس: (خاوية) خربة. وقال غيره: بالية، أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتًا على أم رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان.
وقد ثبت في الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضِّريس العبدي، حدثنا ابن فُضَيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم، فَمرّت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم، فجعلتهم بين السماء والأرض. فلما رأى ذلك أهل الحاضرة الريح وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا. فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة" .
وقال الثوري عن ليث، عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب.
(فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) ؟ أي: هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أنه ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خَلفَا. ابن كثير ٩/ ٢٠٩ابن كثير ٩/ ٢٠٩
لا كتاب مختار.