ٱلْحَآقَّةُ ١
التفسير
القيامة الواقعة حقًّا التي يتحقق فيها الوعد والوعيد، ما القيامة الواقعة حقًّا في صفتها وحالها؟ وأي شيء أدراك -أيها الرسول- وعَرَّفك حقيقة القيامة، وصَوَّر لك هولها وشدتها؟
الْحَاقَّةُ اسم فاعل، من حق الشيء يحق إذا كان صحيح الوجود، ومنه حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ [الزمر: ٧١] ، والمراد به القيامة والبعث، قاله ابن عباس وقتادة، لأنها حقت لكل عامل عمله. وقال بعض المفسرين: الْحَاقَّةُ مصدر كالعاقبة والعافية، فكأنه قال: ذات الحق. وقال ابن عباس وغيره: سميت القيامة حاقة، لأنها تبدي حقائق الأشياء واللفظة رفع بالابتداء، ومَا، رفع بالابتداء أيضا، والْحَاقَّةُ الثانية: خبر مَا، والجملة خبر الأول، وهذا كما تقول: زيد ما زيد، على معنى التعظيم له والإبهام في التعظيم أيضا، ليتخيل السامع أقصى جهده. وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ مبالغة في هذا المعنى: أي أن فيها ما لم تدره من أهوالها، وتفصيل صفاتها. وَما، تقرير وتوبيخ. وقوله تعالى: مَا الْحَاقَّةُ ابتداء وخبر في موضع نصب ب أَدْراكَ، ومَا الأولى، ابتداء وخبرها أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ، وفي أَدْراكَ، ضمير عائد على مَا هو ضمير الفاعل. ثم ذكر تعالى تكذيب «ثمود وعاد» بهذا الأمر الذي هو حق مشيرا إلى أن من كذب بذلك ينزل عليه مثل ما نزل بأولئك. و «القارعة» من أسماء القيامة أيضا، لأنها تقرع القلوب بصدمتها، وثَمُودُ اسم عربي معرفة، فإذا أريد به القبيلة لم ينصرف، وإذا أريد به الحي انصرف، وأما عادٌ: فكونه على ثلاثة أحرف ساكن الوسط دفع في صدر كل علة فهو مصروف. و «الطاغية» قال قتادة: معناه الصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة، وقال قوم: المراد بسبب الفئة الطاغية، وقال آخرون منهم مجاهد وابن زيد: المعنى بسبب الفعلة الطاغية التي فعلوها. وقال ابن زيد: ما معناه: «الطاغية» مصدر كالعاقبة فكأنه قال بطغيانهم، وقاله أبو عبيدة ويقوي هذا كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [الشمس: ١١] وأولى الأقوال وأصوبها الأول لأنه مناسب لما ذكر في عاد، إذ ذكر فيها الوجه الذي وقع به الهلاك، وعلى سائر الأقوال لا يتناسب الأمران لأن طغيان ثمود سبب والريح لا يناسب ذلك لأنها ليست سبب الإهلاك، بل هي آلة كما في الصيحة، و: «الصرصر» يحتمل أن يكون من الصر أي البرد، وهو قول قتادة، ويحتمل أن يكون من صر الشيء إذا صوت، فقال قوم: صوت الريح صَرْصَرٍ، كأنه يحكي هذين الحرفين. و «العاتية» معناه: الشديدة المخالفة، فكانت الريح عتت على الخزان بخلافها وعتت على قوم عاد بشدتها. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: إنه لم ينزل من السماء قطرة ماء إلا بمكيال على يد ملك ولا هبت ريح إلا كذلك إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإن الله أذن لهما في الخروج دون إذن الخزان. والتسخير: استعمال الشيء باقتدار عليه. وروي أن الريح بدأت بهم صبح يوم الأربعاء لثمان بقين لشوال، وتمادت بهم إلى آخر يوم الأربعاء تكملة الشهر. ابن عطية ٥/ ٣٥٦ابن عطية ٥/ ٣٥٦
وحُسُوماً، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وأبو عبيدة معناه: كاملة تباعا لم يتخللها غير ذلك، وهذه كما تقول العرب ما لقيته حولا محرما، قال الشاعر [طفيل الغنوي] : [الطويل]
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا ثم حول محرم
وقال الخليل: حُسُوماً، أي شؤما ونحسا، وقال ابن زيد: حُسُوماً جمع حاسم كجالس وقاعد، ومعناه أن تلك الأيتام قطعتهم بالإهلاك، ومنه حسم العلل ومنه الحسام. والضمير في قوله فِيها صَرْعى يحتمل أن يعود على دارهم وحلتهم لأن معنى الكلام يقتضيها وإن لم يلفظ بها. قال الثعلبي، وقيل يعود على الريح، وقد تقدم القول في التشبيه ب «أعجاز النخل» في سورة (اقتربت الساعة) .
والخاوية: الساقطة التي قد خلت أعجازها بلى وفسادا. ثم وقف تعالى على أمرهم توقيف اعتبار ووعظ بقوله: هل تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ اختلف المتأولون في: باقِيَةٍ، فقال قوم منهم ابن الأنباري: هي هاء مبالغة كعلامة ونسابة والمعنى من باق. وقال ابن الأنباري أيضا معناه: من فئة باقية وقال آخرون: باقِيَةٍ مصدر فالمعنى من بقاء.
قوله عز وجل: ابن عطية ٥/ ٣٥٧ابن عطية ٥/ ٣٥٧
الحاقةُ من أسماء يوم القيامة؛ لأن فيها يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ ولهذا عَظَّم تعالى أمرَها فقال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) ؟
ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) وهي الصيحة التي أسكتتهم، والزلزلة التي أسكنتهم. هكذا قال قتادة: الطاغية الصيحة. وهو اختيار ابن جرير .
وقال مجاهد: الطاغية الذنوب. وكذا قال الربيع بن أنس، وابن زيد: إنها الطغيان، وقرأ ابن زيد: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١] .
وقال السُّدِّي: (فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) قال: يعني: عاقر الناقة.
(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ) أي: باردة. قال قتادة، والربيع، والسدي، والثوري: (عاتية) أي: شديدة الهبوب. قال قتادة: عتت عليهم حتى نَقَّبت عن أفئدتهم.
وقال الضحاك: (صرصر) باردة (عاتية) عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة. وقال علي وغيره: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب.
(سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ) أي: سلطها عليهم (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) أي: كوامل متتابعات مشائيم. ابن كثير ٩/ ٢٠٨ابن كثير ٩/ ٢٠٨
قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والثوري، وغير واحد (حسوما) متتابعات.
وعن عكرمة والربيع: مشائيم عليهم، كقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال الربيع: وكان أولها الجمعة. وقال غيره الأربعاء. ويقال: إنها التي تسميها الناس الأعجاز؛ وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز؛ لأن عجوزًا من قوم عاد دخلت سَرَبا فقتلها الريح في اليوم الثامن. حكاه البغوي والله أعلم.
قال ابن عباس: (خاوية) خربة. وقال غيره: بالية، أي: جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتًا على أم رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان.
وقد ثبت في الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأهلكَت عادٌ بالدَّبور" .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضِّريس العبدي، حدثنا ابن فُضَيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم، فَمرّت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم، فجعلتهم بين السماء والأرض. فلما رأى ذلك أهل الحاضرة الريح وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا. فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة" .
وقال الثوري عن ليث، عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب.
(فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) ؟ أي: هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أنه ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خَلفَا. ابن كثير ٩/ ٢٠٩ابن كثير ٩/ ٢٠٩
لا كتاب مختار.