لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ١
التفسير
أقسم الله سبحانه بيوم الحساب والجزاء، وأقسم بالنفس المؤمنة التقية التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات وفِعْل الموبقات، أن الناس سيبعثون. أيظنُّ هذا الإنسان الكافر أن لن نقدر على جَمْع عظامه بعد تفرقها؟ بلى سنجمعها، قادرين على أن نجعل أصابعه أو أنامله -بعد جمعها وتأليفها- خَلْقًا سويًّا، كما كانت قبل الموت.
أخرج ابْن الضريس والنحاس وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طرق عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت سُورَة الْقِيَامَة وَفِي لفظ: نزلت {لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة} بِمَكَّة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: نزلت سُورَة {لَا أقسم} بِمَكَّة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة قَالَ: حَدثنَا أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: من سَأَلَ عَن يَوْم الْقِيَامَة فليقرأ هَذِه السُّورَة وَالله أعلم
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله: {لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة} يَقُول: أقسم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس عَن قَوْله: {لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة} قَالَ: يقسم رَبك بِمَا شَاءَ من خلقه قلت: {وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوّامة} قَالَ: من النَّفس الملومة
قلت: {أيحسب الْإِنْسَان ألن نجمع عِظَامه بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه} قَالَ: لَو شَاءَ لجعله خفاً أَو حافراً
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة {لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة} قَالَ: يقسم الله بِمَا شَاءَ من خلقه {وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوّامة} الْفَاجِرَة قَالَ: يقسم بهَا وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {بِالنَّفسِ اللوّامة} قَالَ: المذمومة السيوطي ٨/ ٣٤٢السيوطي ٨/ ٣٤٢
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس {بِالنَّفسِ اللوامة} قَالَ: الَّتِي تلوم على الْخَيْر وَالشَّر تَقول لَو فعلت كَذَا وَكَذَا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس {بِالنَّفسِ اللوامة} قَالَ: تندم على مَا فَاتَ وتلوم عَلَيْهِ
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد {بِالنَّفسِ اللوامة} قَالَ: تندم على مَا فَاتَ وتلوم عَلَيْهِ
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي محاسبة النَّفس عَن الْحسن {وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة} قَالَ: إِن الْمُؤمن لَا ترَاهُ إِلَّا يلوم نَفسه مَا أردْت بكلمتي مَا أردْت بأكلتي مَا أردْت بحديثي نَفسِي وَلَا أرَاهُ إِلَّا يعاتبها وَإِن الْفَاجِر يمْضِي قدماً لَا يُعَاتب نَفسه
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عَبَّاس {بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه} قَالَ: نَجْعَلهَا كفا لَيْسَ فِيهِ أَصَابِع
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس {بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه} قَالَ: لَو شَاءَ لجعله كخف الْبَعِير أَو كحافر الْحمار وَلَكِن جعله الله خلقا سوياً حسنا جميلاً تقبض بِهِ وتبسط بِهِ يَا ابْن آدم
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد {على أَن نسوي بنانه} قَالَ: يَجْعَل رجلَيْهِ كخف الْبَعِير فَلَا يعْمل بهَا شَيْئا
وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة {على أَن نسوي بنانه} قَالَ: إِن شَاءَ رده مثل خف الْبَعِير حَتَّى لَا ينْتَفع
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن الضَّحَّاك {على أَن نسوي بنانه} قَالَ: يَجْعَل رجلَيْهِ كخف الْبَعِير فَلَا يعْمل بهما شَيْئا
وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة {على أَن نسوي بنانه} قَالَ: إِن شَاءَ رده مثل خف الْجمل حَتَّى لَا ينْتَفع بِهِ
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الضَّحَّاك {على أَن نسوي بنانه} قَالَ: على أَن نجْعَل يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ مثل خف الْبَعِير وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ أَنه قَرَأَ هَذِه الْآيَة {بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه} فَقَالَ: إِن الله أعف مطعم ابْن آدم وَلم يَجعله خفاً وَلَا حافراً فَهُوَ يَأْكُل بيدَيْهِ فيتقي بهَا وَسَائِر الدَّوَابّ إِنَّمَا يَتَّقِي الأَرْض بفمه السيوطي ٨/ ٣٤٣السيوطي ٨/ ٣٤٣
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {بل يُرِيد الإِنسان ليفجر أَمَامه} قَالَ: يمْضِي قدماً
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {بل يُرِيد الإِنسان ليفجر أَمَامه} قَالَ: هُوَ الْكَافِر يكذب بِالْحِسَابِ
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {بل يُرِيد الإِنسان ليفجر أَمَامه} يَعْنِي الأمل يَقُول: أعمل ثمَّ أَتُوب
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي ذمّ الأمل وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {بل يُرِيد الإِنسان ليفجر أَمَامه} قَالَ: يقدم الذَّنب وَيُؤَخر التَّوْبَة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ {بل يُرِيد الإِنسان ليفجر أَمَامه} قَالَ: يمْضِي أَمَامه رَاكِبًا
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن الْحسن {بل يُرِيد الإِنسان ليفجر أَمَامه} قَالَ: يمشي قدماً فِي معاصي الله
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة {بل يُرِيد الإِنسان ليفجر أَمَامه} قَالَ: لَا تلقى ابْن آدم إِلَّا تنْزع نَفسه إِلَى مَعْصِيّة الله قدماً قدماً إِلَّا من عصم الله وَفِي قَوْله: {يسْأَل أَيَّانَ يَوْم الْقِيَامَة} يَقُول: مَتى يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {بل يُرِيد الإِنسان ليفجر أَمَامه} قَالَ: يَقُول سَوف أَتُوب {يسْأَل أَيَّانَ يَوْم الْقِيَامَة} قَالَ: يَقُول مَتى يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ: فَبين لَهُ {فَإِذا برق الْبَصَر} وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فَإِذا برق الْبَصَر} يَعْنِي الْمَوْت
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ {فَإِذا برق الْبَصَر} يَعْنِي الْمَوْت
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة {فَإِذا برق الْبَصَر} قَالَ: شخص الْبَصَر {وَخسف الْقَمَر} يَقُول: ذهب ضوءه وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {فَإِذا برق الْبَصَر} قَالَ: عِنْد الْمَوْت {وَخسف الْقَمَر وَجمع الشَّمْس وَالْقَمَر} قَالَ: كورا يَوْم الْقِيَامَة السيوطي ٨/ ٣٤٤السيوطي ٨/ ٣٤٤
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله: {وَجمع الشَّمْس وَالْقَمَر} قَالَ: كورا يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن عَطاء بن يسَار فِي قَوْله: {وَجمع الشَّمْس وَالْقَمَر} قَالَ: يجمعان يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يقذفان فِي الْبَحْر فَيكون نَار الله الْكُبْرَى
وَأخرج أَبُو عبيد وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عبد الله بن خَالِد قَالَ: قَرَأَهَا ابْن عَبَّاس {أَيْن المفر} بِنصب الْمِيم وَكسر الْفَاء
قَالَ: وَقرأَهَا يحيى بن وثاب {أَيْن المفر} بِنصب الْمِيم وَالْفَاء
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْأَهْوَال وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طرق عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {لَا وزر} قَالَ: لَا حصن وَلَا ملْجأ وَفِي لفظ لَا حرز وَفِي لفظ لَا جبل
وَأخرج الطستي عَن ابْن عَبَّاس إِن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن قَوْله: {لَا وزر} قَالَ: الْوزر الملجأ
قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم
أما سَمِعت عَمْرو بن كُلْثُوم وَهُوَ يَقُول: لعمرك مَا إِن لَهُ صَخْرَة لعمرك مَا إِن لَهُ من وزر وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الْأَهْوَال وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن مَسْعُود فِي قَوْله: {لَا وزر} قَالَ: لَا حصن
وَأخرج عبد بن حميد عَن سعيد بن جُبَير وعطية وَأبي قلَابَة مثله
وَأخرج عبد بن حميد عَن الْحسن فِي قَوْله: {كلا لَا وزر} قَالَ: كَانَت الْعَرَب إِذا نزل بهم الْأَمر الشَّديد قَالُوا: الْوزر الْوَزير فَلَمَّا أَن جَاءَ الله بالإِسلام قَالَ: {كلا لَا وزر} قَالَ: لَا جبل
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن قَالَ: كَانَ الرجل يكون فِي مَاشِيَته فَتَأْتِيه الْخَيل بَغْتَة فَيَقُول لَهُ صَاحبه: الْوزر الْوَزير أَي أقصد الْجَبَل فتحصن بِهِ
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {لَا وزر} قَالَ: لَا جبل وَأخرج عبد بن حميد عَن أبي قلَابَة {لَا وزر} قَالَ: لَا غَار لَا ملْجأ السيوطي ٨/ ٣٤٥السيوطي ٨/ ٣٤٥
وَأخرج عبد بن حميد عَن الضَّحَّاك {لَا وزر} قَالَ: لَا جبل محرزة
وَأخرج ابْن جرير عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله: {لَا وزر} قَالَ: لَا وزر يَعْنِي الْجَبَل بلغَة حمير
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جريرعن مطرف {لَا وزر} قَالَ: لَا جبل
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة قَالَ {لَا وزر} قَالَ: لَا جبل وَلَا حرز وَلَا ملْجأ وَلَا منجى {إِلَى رَبك يَوْمئِذٍ المستقر} قَالَ: الْمُنْتَهى {ينبأ الإِنسان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم} قَالَ: من طَاعَة الله {وَأخر} قَالَ: وَمَا ضيع من حق الله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم {ينبأ الإِنسان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم وَأخر} قَالَ: بِأول عمله وَآخره
وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة فِي الْآيَة قَالَ: بِمَا قدم من الذُّنُوب وَالشَّر والخطايا وَمَا أخر من الْخَيْر
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن مَسْعُود فِي قَوْله: {ينبأ الإِنسان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم وَأخر} بِمَا قدم من عمله وَمَا أخر من سنة عمل بهَا من بعده من خير أَو شَرّ
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس {ينبأ الإِنسان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم وَأخر} قَالَ: بِمَا عمل قبل مَوته وَمَا يسن فَعمل بِهِ بعد مَوته
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن أبي صَالح فِي قَوْله: {ينبأ الإِنسان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم وَأخر} قَالَ: قدم من حَسَنَة أَو أخر من سنة حَسَنَة عمل بهَا بعده علما علمه صَدَقَة أَمر بهَا
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {ينبأ الإِنسان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم وَأخر} يَقُول: بِمَا قدم من الْمعْصِيَة وَأخر من الطَّاعَة فينبأ بذلك
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب المحتضرين عَن الْحسن فِي قَوْله: {ينبأ الإِنسان يَوْمئِذٍ بِمَا قدم وَأخر} قَالَ: ينزل ملك الْمَوْت عَلَيْهِ مَعَ حفظَة فَيعرض عَلَيْهِ الْخَيْر وَالشَّر فَإِذا رأى حَسَنَة هش وأشرق وَإِذا رأى سَيِّئَة غض وقطب
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن مُجَاهِد قَالَ: بلغنَا أَن نفس الْمُؤمن لَا تخرج حَتَّى يعرض عَلَيْهِ عمله خَيره وشره السيوطي ٨/ ٣٤٦السيوطي ٨/ ٣٤٦
قد تقدم غير مرة أن المقسم عليه إذا كان منتفيًا، جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي. والمقسوم عليه هاهنا هو إثبات الميعاد، والرد على ما يزعمه الجهلة من العباد من عدم بَعث الأجساد؛ ولهذا قال تعالى: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا. هكذا حكاه ابن أبي حاتم. وقد حكى ابن جرير، عن الحسن والأعرج أنهما قرآ: "لأقسم [بيوم القيامة] " ، وهذا يوجه قول الحسن؛ لأنه أثبت القسم بيوم القيامة ونفى القسم بالنفس اللوامة. والصحيح أنه أقسم بهما جميعا كما قاله قتادة رحمه الله ، وهو المروي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبَير، واختاره ابن جرير.
فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة، فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن -والله- ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُما ما يعاتب نفسه.
وقال جُوَيْبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، عن إسرائيل، عن سِماك: أنه سأل عِكْرِمة عن قوله: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال: يلوم على الخير والشر: لو فعلت كذا وكذا. ابن كثير ٩/ ٢٧٥ابن كثير ٩/ ٢٧٥
ورواه ابن جرير، عن أبي كُرَيْب، عن وَكِيع عن إسرائيل.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جُبَير في: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال: تلوم على الخير والشر.
ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك: فقال: هي النفس اللؤوم.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: اللوامة: المذمومة.
وقال قتادة: (اللَّوَّامَةِ) الفاجرة.
قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، الأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات.
وقوله: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ) أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) قال سعيد بن جُبَير والعَوفي، عن ابن عباس: أن نجعله خُفّا أو حافرًا. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جرير. ووجَّهه ابنُ جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا.
والظاهر من الآية أن قوله: (قَادِرِينَ) حال من قوله: (نَجْمَعَ) أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فتجعل بنانه -وهي أطراف أصابعه-مستوية. وهذا معنى قول ابن قتيبة، والزجاج.
وقوله: (بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) قال سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قدما.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة.
وقال مجاهد (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) ليمضي أمامه راكبا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما، إلا من عصمه الله.
ورُوي عن عكرِمة، وسعيد بن جُبَير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يَعجَل الذنوبَ ويُسوّف التوبة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب. وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد؛ ولهذا قال بعده (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) ؟ أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: ٢٩، ٣٠] . ابن كثير ٩/ ٢٧٦ابن كثير ٩/ ٢٧٦
وقال تعالى ها هنا: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ) قال أبو عمرو بن العلاء: (بَرِقَ) بكسر الراء، أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] ، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء؛ من شدة الرعب.
وقرأ آخرون: "بَرَقَ" بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور.
وقوله: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) أي: ذهب ضوءه.
(وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) قال مجاهد: كُوّرا. وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ١، ٢] ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأ: "وجُمع بين الشمس والقمر" .
وقوله: (يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) أي: إذا عاين ابنُ آدم هذه الأهوال يوم القيامة، حينئذ يريد أن يفر ويقول: أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟ قال الله تعالى: (كَلا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جُبَير، وغير واحد من السلف: أي لا نجاة.
وهذه كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أي: ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال هاهنا (لا وَزَرَ) أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه؛ ولهذا قال: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) أي: المرجع والمصير.
ثم قال تعالى: (يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وهكذا قال هاهنا: (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) يقول: سمعُه وبصرُه ويداه ورجلاه وجوارحُه.
وقال قتادة: شاهد على نفسه. وفي رواية قال: إذا شئت -والله-رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنوبه، وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا: يا ابن آدم، تُبصر القَذَاة في عين أخيك، وتترك الجِذْل في عينك لا تبصره. ابن كثير ٩/ ٢٧٧ابن كثير ٩/ ٢٧٧
وقال مجاهد: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) حجته. وكذا قال ابن زيد، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير.
وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) يقول: لو ألقى ثيابه.
وقال الضحاك: ولو أرخى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر: المعذار.
والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وكقوله ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] .
وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) هي الاعتذار ألم تسمع أنه قال: ﴿لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] وقال ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] وقولهم ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ابن كثير ٩/ ٢٧٨ابن كثير ٩/ ٢٧٨
لا كتاب مختار.