لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ١
التفسير
لم يكن الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين تاركين كفرهم حتى تأتيهم العلامة التي وُعِدوا بها في الكتب السابقة.
١ - {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يعني اليهود والنصارى.
{وَالْمُشْرِكِينَ} . يعني مشركي العرب، وذلك أن الكفار كانوا جنسين:
أحدهما: أهل الكتاب [الفرق] اليهود، والنصارى كانوا كفارًا بإحداثهم في دينهم مَا كفروا به كقولهم: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: ٣٠] ، و { الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: ٣٠] . الواحدي ٢٤/ ٢٠٣الواحدي ٢٤/ ٢٠٣
والثاني: المشركون، وأهل الأوثان الذين كَانوا لا ينتسبون إلى كتاب، فذكر الله تعالى الجنسين بقوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} .
وقوله: {مُنْفَكِّينَ} . قال أبو عبيدة ، والأخفش ، والمبرد : زائلين.
وأنشد أبو عبيدة لذي الرمة:
حَراجِيجُ لا تنْفكُّ إلاَّ مُناخَةً على ... الخَسْفِ أو نرمي بها بَلَدًا قَفْرا وأنشد أيضًا للكميت الواحدي ٢٤/ ٢٠٤الواحدي ٢٤/ ٢٠٤
ولم تنفكك مما على من يكيده ... غبار أثارته السنابك أصهب
ومعنى انفك: (انفصل، يقال: فككت الشي فانفك) ، ويستعمل بمعنيين، الأصل واحد:
أحدهما: الانفكاك الذي هو الانفصَال والبينونة من الشيء بعد الملابسة والاجتماع، تقول: قد انفككت منك، وانفك الشيء من الشيء .
(والثاني بمعنى: ما زال ، ولا يزال، يقول: مَا انفك يفعل كذا، ولا ينفك يفعل كذا، وإذا استعمل بهذا المعنى فلا بد من أن يكون معه جحد ، يقول: ما انفككت أذكرك . تريد: مَازلت أذكرك، وأصله هذا أيضًا من الانفصال من ذكرك) . الواحدي ٢٤/ ٢٠٥الواحدي ٢٤/ ٢٠٥
ومن هذا قول طرفة:
فآلَيَت لا يَنْفَك كَشْحي بِطانَةً ... لِعَضْبٍ رَقيِقِ الشَّفْرَتيِنِ مُهَنّدِ
أي لا يزال.
وكذلك قول الكميت الذي أنشدناه، فأما قول ذي الرمة: لا ينفك إلا مناخة. فجعله الفراء من الانفكاك الذي هو الانفصَال، قال: لأنك لا تقول: مَازلت إلا قائمًا، ودخول (إلا) في قوله: (إلا مناخة) يدل على قوله أنه لم يرد لا ينفك: لا يزال.
وجعله غيره بمعنى: لا تَزال ، وتكون (لا) صلة للضرورة، أو تحقيقًا لحالتيها من الإناخة على الخسف، أو السير عليها. الواحدي ٢٤/ ٢٠٦الواحدي ٢٤/ ٢٠٦
وأما الذي في الآية فهو من الانفصال، وليس بمعنى: لم يزالوا .
قال عطاء ، والكلبي عن ابن عباس: لم يكونوا منتهين عن كفرهم بالله وعبادتهم غير الله
(وهو قول قتادة ، ومقاتل ) .
قوله تعالى: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} قال ابن عرفة: أي حتى أتتهم ، لفظه لفظ المضارع، ومعناه الماضي .
وهذا كقوله: {مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [البقرة: ١٠٢] أي مَا تلت، وقد مر بيانه.
وقوله: {الْبَيِّنَةُ} هو قال ابن عبا لهم س: يريد محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ، وهو قول مقاتل؛ قال: يعني محمدًا مبين لهم ضلالتهم وشركهم .
ومعنى {الْبَيِّنَةُ} : الحجة الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- بينه ، وإقامة الشهادة العَادلة بينة، وكل برهان بينة. الواحدي ٢٤/ ٢٠٧الواحدي ٢٤/ ٢٠٧
ويقول زيد: بيني على هذا الأمر، إذا كان شهد لك في دعواك .
ومعنى الآية: إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لم ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد -صلى الله عليه وسلم- (بالقرآن) ، فبين لهم ضلالتهم ، وجهالتهم، ودعَاهم إلى الإيمان" فآمنوا، ولم يكونوا مؤمنين منفصلين عن كفرهم قبل بعثه .
وهذا بيان عن النعمة بمحمد -صلى الله عليه وسلم- والإنقاذ به من الجهل والضلالة.
والآية فيمن آمن من الفريقين، وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيرًا، وقد تخبط فيها الكُبَار من العلماء، وسلكوا في تفسيرها طرقاً لا تفضي بهم إلى الصواب. الواحدي ٢٤/ ٢٠٨الواحدي ٢٤/ ٢٠٨
والوجه في تفسيرها: ما أخبرناك به، فأحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال ويدل على هذا المراد بالبينة محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه أبدل منها فقال: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ} .
قال أبو إسحاق: رسول: رفع على البدل من البينة، والتفسير لها . الواحدي ٢٤/ ٢٠٩الواحدي ٢٤/ ٢٠٩
وقال الفراء: "رسول" نكرة استؤنف على البينة، وهي معرفة كما قال: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: ١٥] فقال: قوله (تعالى) : {يَتْلُو صُحُفًا (مُطَهَّرَةً) } .
هذا من نعت الرسول، والصحف جمع صحيفة، وهي ظرف للمكتوب.
والمعنى يتلو ما يتضمن الصحف من المكتوب فيها، يدل ذلك على أنه كان يتلو على ظهر قلبه، لا عن كتاب، لأنه كان أميًا لا يكتب . الواحدي ٢٤/ ٢١٠الواحدي ٢٤/ ٢١٠
أما أهل الكتاب فهم: اليهود والنصارى، والمشركون: عَبَدةُ الأوثان والنيران، من العرب ومن العجم. وقال مجاهد: لم يكونوا (مُنْفَكِّينَ) يعني: منتهين حتى يتبين لهم الحق. وكذا قال قتادة.
(حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) أي: هذا القرآن؛ ولهذا قال تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) ثم فسر البينة بقوله: (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً) يعني: محمدًا ﷺ ، وما يتلوه من القرآن العظيم، الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى، في صحف مطهرة كقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦] .
وقوله: (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) قال ابن جرير: أي في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة: عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله، عز وجل .
قال قتادة: (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً) يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء.
وقال ابن زيد: (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) مستقيمة معتدلة.
وقوله: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) كقوله: ابن كثير ٩/ ٤٥٦ابن كثير ٩/ ٤٥٦
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] يعني بذلك: أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافًا كثيرًا، كما جاء في الحديث المروي من طرق: "إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" . قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" .
وقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) كقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] ؛ ولهذا قال: حنفاء، أي: مُتَحنفين عن الشرك إلى التوحيد. كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة "الأنعام" بما أغنى عن إعادته هاهنا.
(وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ) وهي أشرف عبادات البدن، (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج. (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي: الملة القائمة العادلة، أو: الأمة المستقيمة المعتدلة.
وقد استدل كثير من الأئمة، كالزهري والشافعي، بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ ولهذا قال: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) ابن كثير ٩/ ٤٥٧ابن كثير ٩/ ٤٥٧
لا كتاب مختار.