{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . قال ابن المنذر: وجاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه «كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» .
لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ معناه إذا أردت قراءة القرآن والأولى أن يقول أستعيذ بالله ليوافق القرآن ويقرب منه أعوذ بالله ثم التعوذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لما تلونا حتى يأتي به المسبوق دون المقتدي ويؤخر عن تكبيرات العيد خلافا لأبي يوسف رحمه الله تعالى.
وكذا لا بأس بالتعوذ. وقال الأقفهسي: يستحب لقوله تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . واعلم أن الرقية تكون بشيئين بكتاب الله، - كما مر - والكلام الطيب، وهو العربي المفهوم. روى الشيخان (أنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله فيمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافي لا شفاءَ إلَّا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما (٢) )، ولا يرتقى بالمبهمات. لما سئل مالك عن أسماء العجمية فقال: ما يدريك لعلها كفر؟
لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. . .الآية} أي إذا أردت القراءة، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولها قبل القراءة
وأما قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} الآية، ونحوها، فإنما حُمِل على بعضه بدليلٍ، ولأن قرينة الحال هنا تقتضي قراءة جمعيه؛ لأن الظاهر أنه أراد ترغيبه في قراءة القرآن، فتتعلق الحرية به. (إلا إذا قال: إن قرأتَ قرآنًا) فأنت حر بعد موتي. فإنه يصير مدبَّرًا بقراءة بعضه؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، فيعم أي بعضٍ كان، وليس في لفظه ما يقتضي استيعابه.
وعنه: أن الاستعاذة واجبة.
والأصل في مشروعيتها قوله سبحانه وتعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أي: أردت القراءة. وتحصل الاستعاذة بكل قول يدل عليها. وأولاها عند أكثر الأصحاب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ومعنى أعوذ: ألجاً. والشيطان: اسم لكل متمرد عات، مأخوذ من شطن إذا بعد.
وقد قال الله عز وجل : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *﴾ [النحل]. فأمر اللَّهُ بالاستعاذة مِن الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن.
لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أي إذا أردت القراءة فإنك إذا استعذت بالله فقد أويت إلى ركنه الشديد، واعتصمت بحوله وقوته من عدوك الذي يريد أن يقطعك عن ربك، ويباعدك من قربه،
ولو ترك التعوذ في الأولى عمدا لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . بكسر الخاء والباء مؤنثتان، الأولى الإصبع الصغرى، والثانية بينها وبين الوسطى، أي يقبض من يمناه عند وضعها على فخذه الأيمن عند
فإذا نَسِيَه في أوَّلِها، فات مَحَله، والاسْتِعاذَةُ للِقراءَةِ، وهو يَسْتَفْتِحها في الثّانِيةِ. والروايَة الثانيةُ، يَسْتَعِيذُ في كلّ رَكْعَةٍ. وهو قول ابنِ سِيرينَ، والشافعي؛ لقَوْلِه سبحانه:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. فيَقْتَضِي ذلك تَكْرِيرَ الاسْتِعاذَةِ عندَ تَكْرِيرِ القِراءَةِ، ولأَنّها مَشْرُوعَة للقراءَةِ فَتتَكَرَّرُ بتَكرِيرِها، كما لو كانت في صَلَاتيْن.
وأمّا المَأْمُومُ في صلاةِ الإِسْرارِ، فإنّه يَسْتَفْتِحُ ويَسْتَعِيذُ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا كان ممَّن يَقْرأُ خلفَ الإِمامِ تَعَوَّذَ، قال الله تعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. ٥٤٣ -
٤٦٥ - يبينه ما روى أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: «أعوذ بالله [السميع العليم] ، من الشيطان الرجيم، [من] همزه، ونفخه، ونفثه» .
وصفة الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. (في رواية) اختارها القاضي في الجامع الصغير، وأبو محمد في المقنع، لظاهر الآية، وقال ابن المنذر: جاء عن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» .
(وفي أخرى) : «أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم» لحديث أبي سعيد.
(وفي ثالثة) : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم» . واختارها أبو بكر في التنبيه، والقاضي في المجرد، وابن عقيل، جمعا بين قَوْله تَعَالَى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: ٩٨] وقوله: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: ٣٦] .
وفي رواية [رابعة] : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ لأن قوله: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: ٣٦] لا بد أن يقدر فيه: من الشيطان. ويجوز أن يقدر قبل، وأن يقدر بعد، فجمعنا بينهما، عملا بما قال الشيخان، والأمر في هذا واسع، ومهما استعاذ به جاز بلا كراهة.
(تنبيه) : والاستفتاح والاستعاذة مسنونان، نص عليه، محتجا بأن ابن مسعود وأصحابه كانوا لا يعرفون الافتتاح، يكبرون ويقرءون، وذهب ابن بطة إلى وجوبهما. [والله أعلم] .
[القراءة في الصلاة] قال: ثم يقرأ: " الحمد لله رب العالمين " . ٤٦٦ - ش: في الصحيحين عن عائشة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين» .
ولا خلاف في أن القراءة ركن في الصلاة، واختلف في تعيين الفاتحة، فالمعروف المشهور، وعليه الأصحاب تعيينها. ٤٦٧ - لما روى عبادة بن الصامت [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» . رواه الجماعة.
وفي لفظ: «لا يجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» . رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح.
٤٦٨ - وعن أبي هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب؛ فهي خداج، هي خداج غير تمام» رواه الجماعة إلا البخاري. والخداج: النقصان في الذات، حكاه أبو عبيد عن الأصمعي.
(وعنه) : لا تتعين، بل يجزئ قراءة آية، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: ٢٠] وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأعرابي: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» . وتتعين القراءة في كل ركعة على المذهب بلا ريب، وعنه: تجب في ركعتين لا غير، [والله أعلم] . قال: يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم. ٤٦٩ - ش: لما روى «نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: ٧] قال: آمين. وقال الناس: آمين. ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس من الثنتين: الله أكبر. ثم يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رواه النسائي، ورواه ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والخطيب، وصححوه.
٤٧٠ - «وعن أنس [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] : صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» . رواه أحمد، والنسائي، وابن خزيمة والدارقطني، وفي لفظ لابن خزيمة، والطبراني: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأبو بكر، وعمر» ، زاد ابن خزيمة في الصلاة. (تنبيه) : الإجماع على أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بعض آية في سورة النمل واختلف هل هي آية مفردة في أول كل سورة، وفيه روايتان، المنصوص عنه - وعليه عامة أصحابه - نعم، ولا خلاف عنه نعلمه أنها ليست آية من أول كل سورة إلا في الفاتحة، على رواية اختارها ابن بطة، وصاحبه أبو حفص، والمشهور خلافها، والله أعلم.
[الجهر بالبسملة في الصلاة]
فإذا قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: ٣] أي يريدون العود (فتحرير) أي فالواجب تحرير، وهذا كما في قَوْله تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: ٦] {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النحل: ٩٨] وهو كثير،