قلنا: الفقير اسم عام يتناول المسكين، والعرب تذكر العام فتؤكده بالخاص كقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وكقوله: {وملائكته ورسله وجبريل ومكائيل} فلما كان المسكين أشد فقرًا من الفقير ذكره بعده تأكيدًا له وتنبيهًا على الاهتمام به.
والجواب: أن اسم الفقير يعم المسكين (وغيره وكل مسكين فقير وليس كل فقير مسكين) فبدأ تعالى بالفقير لأنه بدأ بالاسم العام (المسلوب الجمع) ثم ثنى بالمسكين وهو الذي احصر وجه التخصيص والتأكيد كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل} وقوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} وقال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل} ففي كل هذه المواضع قد دخل الثاني في عموم الأول.
فإن قيل: إن الزجاج حكى عن يونس أن الرمان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما أفردهما لفضلهما، واستشهدوا بقوله تعالى {من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} . وقال تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} . وقال: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} .
وفي المدخل: من قال عن نبي من الأنبياء في غير التلاوة والحديث عصى أو خالف فقد كفر. انتهى. وقد يتبادر منه أنه مرتد ويحتمل أنه ساب. انتهى. الثاني: قال الأبي: الحديث يعني حديثا ذكره نص في أن نسبة الرجل غيره إلى عداوة اللَّه تعالى تكفير له، وهو دليل قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} . الآية. وكانت نزلت مسألة سنة أربع وثمانين وسبع مائة بتونس في رجل يدعى القبطان، قال لرجل في أثناء نزاعهما: أنا عدوك وعدو نبيك فَعُمِلَ فيها مجلس على أمر خليفة الوقت الإمام الأكمل أبي العباس بن الأمراء الراشدين، فأفتى الشيخ أبو عبد اللَّه الغرياني بأنه مرتد، وأفتى ابن عرفة بأنه ساب، قال الغرياني: مطلق العداوة لا يوجب تحتم القتل وقصاراه ردة فيستتاب، والظاهر أنه إن قال قبل ذلك مظهرا لمثل هذا في عدم حفظ لسانه فهو ردة على الأظهر من المذهب،
قال الرافعي: وزاد بعض العلماء فيه: (ولا يعز من عاديت) قبل: (تباركت وتعاليت)، وبعده: ولك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك، ولم يستحسن القاضي أبو الطيب: ولا يعز من عاديت؛ لأن العداوة لا تضاف إلى الله تعالى، ورد عليه بقوله تعالى:{فإن الله عدو للكافرين}.
قلت: اختصاصًا لهما، وبيانًا لفضلهما، كأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران؛ كقوله: {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: ٩٨] (١)؛ أي: بعد قوله: (وملائكته) ، أو لأن النخل ثَمَرَةُ فاكهةٍ وطعامٌ، والرمانُ فاكهةٌ [ودواءٌ، فلم يخلصا للتفكه منه؛ قال أبو حنيفة -رحمه اللَّه-: إذا حلف لا يأكل فاكهة] ، فأكل رمانًا، أو رطبًا، لم يحنث. وخالفه صاحباه) . انتهى .
أما كون الماء المزال به النجاسة نجسًا إذا انفصل متغيرًا؛ فلأن التغيير بالنجاسة يوجب التنجيس؛ لقوله عليه السلام:«الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه». والواو هنا بمعنى أو كقوله تعالى:{من كان عدوًا لله وملائكته ... الآية}.