فإن صلاته، وإن أسقطت عنه الفرض عند بعض الأئمة، ولكنها في الحقيقة لم تثمر الثمرة المطلوبة منها، إنما الصلاة الكاملة هي التي قال الله في شأنها: {قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتها خاشعون} .
"كعبثه بثوبه وبدنه" لأنه ينافي الخشوع الذي هو روح الصلاة فكان مكروها لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى كره لكم العبث في الصلاة والرفث في الصيام والضحك عند المقابر" ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" والعبث عمل لا
ابن رشد: رأى مالك ترك التروح والصبر على شدة الحر ومجاهدة النفس على ذلك أصوب من التروح فيها، لقول الله عز وجل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ، واستخف ابن القاسم ذلك في النافلة؛ إذ ليست بواجبة. انتهى.
وبجوارحه بأن لا يعبث بأحدها وذلك لثناء الله تعالى في كتابه العزيز على فاعليه بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [٢٣ سورة المؤمنون/ الآيتان ١, ٢] ولانتفاء ثواب الصلاة بانتفائه كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ولان لنا وجها اختاره جمع أنه شرط للصحة.
وفي (المهذب) عن ابن عباس والبيهقي [٢/ ٢٨٤] عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة .. لم ينظر إلا إلى موضع سجوده). وروى محمد بن سيرين:(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى السماء في صلاته، فأنزل الله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خشعون} ، فجعل ينظر في صلاته حيث يسجد)، ولم يصح في شيء من ذلك حديث.
(ويستحب نظره إلى موضع سجوده في كل حالات الصَّلاة) لما روى أحمد في الناسخ والمنسوخ عن ابن سيرين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقلب بصره إلى السماء، فنزلت: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (٦) فطأطأ رأسه" ورواه سعيد بسنده أيضًا عنه وزاد فيه:"قال: كانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه" ولأنه أخشع وأكف لنظره.
(والخشوع) ، لقوله تعالى:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (وهو معنى يقوم بالنفس يظهر منه سكون الأطراف) لقوله - صلى الله عليه وسلم - في العابث بلحيته:"لو خشع قلبُ هذا لخشعتْ جوارِحه" قال الجوهري : الخشوع الخضوع. والإخبات: الخشوع،
وقال البيضاوي في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} : أي خائفون من الله، متذللون له، ملزمون أبصارهم مساجدهم،
قال البيضاوي في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (ضضض ١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} أي: خائفون من الله، متذللون له، يلزمون أبصارهم مساجدهم.
وكذلك قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ *﴾ [المؤمنون] الخشوع: أن ينظر إلى موضع سجوده.
وقال أبو هريرة، كانوا يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما أنزل الله {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} رمقوا بأبصارهم إلى موضع سجودهم، ويأتي النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، فيما يكره فيها، وقد أجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات، وتقريب نظره، وقصره على ما بين يديه، ومسجد بفتح الميم وكسر الجيم وتفتح موضع السجود نفسه،
وعنه روايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخيَّرٌ في ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِيٌ، والأمْرُ في ذلك واسِعٌ. ٣٨٥ - مسألة: (ويَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه) وذلك مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه أخْشَعُ للمُصَلِّي، وأكَفُّ لنَظَرِه. قال محمدُ بنُ سِيرِينَ وغيرُه ، في قَوْلِه تعالى:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. هو أن لا يَرْفَعَ بَصَرَه عن مَوْضِع سُجُودِه. قال أبو هُرَيْرَةَ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرْفَعُون أبْصارَهم إلى السَّماءِ في الصلاةِ، فلَمَّا نَزَل:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.
ثم لا نزاع أنه يقدم بعد الأقرأ الأفقه، لحديث أبي مسعود [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] ، واختلف في من يقدم بعد الفقيه، فقال الخرقي، وتبعه أبو الخطاب: يقدم بعده الأسن، ثم الأشرف، ثم الأقدم [هجرة] ، لأن الأسن مظنة الخشوع، وهو مقصود في الصلاة قطعا، قال سبحانه: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: ٢] فقدم به على الشرف والهجرة، إذ لا تعلق لهما بمعنى في الصلاة، وقدم الشرف على الهجرة إلحاقا للإمامة الصغرى بالعظمى، إذ للشرف تأثير في التقديم في العظمى