طسٓ ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍۢ مُّبِينٍ ١
Commentary
(طس) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. هذه آيات القرآن وهي آيات الكتاب العزيز بينة المعنى، واضحة الدلالة، على ما فيه من العلوم والحكم والشرائع. فالقرآن هو الكتاب، جمع الله له بين الاسمين.
قوله تعالى ذكره: {طس تِلْكَ آيَاتُ القرآن} .
قال ابن عباس: طس: قسم، وهو من أسماء الله فيكون معناه على هذا التأويل: واللطيف السميع: إن هذه الآيات التي أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم لآيات القرآن، وآيات كتاب مبين، أي يتبين لمن تدبره، وتفكر فيه، يفهم أنه من عند الله، لم تتخرصه أنت يا محمد، ولا أحد سواك، من خلق الله، إذ لا يقدر أحد أن يأتي بمثله. Makki ibn Abi Talib 1/5367Makki ibn Abi Talib 1/5367
قال تعالى: {هُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ} أي هو هدى للمؤمنين به يهديهم إلى سبيل الرشاد ومبشراً لهم بالجنة والمغفرة. ثم نعت المؤمنين فقال: {الذين يُقِيمُونَ الصلاة} ، يعني المفروضة يقيمونها بحدودها في أوقاتها. {وَيُؤْتُونَ الزكاة} ، يعني المفروضة ويخرجونها في أوقاتها إلى مستحقها. {وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ} ، أي يصدقون بالبعث والحشر بعد الموت والجزاء.
قال: {إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة} ، أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} ، أي حببناها لهم يعني الأعمال السيئة.
وقال بعضهم: يعني الأعمال الجسنة: زينها لهم وبينها لهم، فخالفوا، وهذا مذهب المعتزلة، والأول مذهب أهل السنة. وهو ظاهر التلاوة والنص. {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} ، أي يترددون في ضلالهم، ويتحيرون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ثم وصف هذا الجنس أيضاً فقال: {أولئك الذين لَهُمْ سواء العذاب} يعني في الدنيا، عني به الذين قتلوا يوم بدر من مشركي قريش. Makki ibn Abi Talib 1/5368Makki ibn Abi Talib 1/5368
{وَهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون} ، أي أخسر الناس لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، وفي الآخرة تبيين، وليس يتعلق في الأخسرين، ويجوز أن يكون في الكلام حذف، والتقدير: وهم الأخسرون: في الآخرة هم الأخسرون.
أي وإنك يا محمد، لتحفظ القرآن وتتعلمه من عند رب حكيم بتدبير خلقه، عليم بمصالحهم، والكائن من أمورهم، والماضي من ذلك.
قال تعالى: {إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ إني آنَسْتُ نَاراً} ، العامل في: {إِذْ} اذكر.
وقيل: العامل في {إِذْ} عليم، والتقدير: عليم، حين قال موسى لأهله: {إني آنَسْتُ نَاراً} ، وذلك حين خرج موسى صلى الله عليه وسلم من مدين إلى مصر، وقد آذاهم برد ليلهم، وضاع زنده. {إني آنَسْتُ نَاراً} ، / أي أبصرت وأحسست. {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} ، في الكلام حذف، والتقدير: إني آنست ناراً، فامكثوا سآتيكم من النار بخبر، أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون بها من البرد. Makki ibn Abi Talib 1/5369Makki ibn Abi Talib 1/5369
قال ابن عباس: كانوا شاتين، قد أخطأوا الطريق. وأصل الطاء: ثاء، لأنه من صلى النار فهو يفتعلون، فأبدل من التاء طاء لتكون في الإطباق كالصاد، وأصله: يصتليون، ثم أعلى على الأصول، وأبدلت التاء طاء، كما قالوا: مصطفى، وأصله: مصتفى: لأنه مفتعل من الصفوة. Makki ibn Abi Talib 1/5370Makki ibn Abi Talib 1/5370
قد تقدم الكلام في "سورة البقرة" على الحروف المتقطعة في أوائل السُّوَر.
وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ) أي: هذه آيات (الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) أي: بين واضح.
(هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لِمَنْ آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] . وقال: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] ؛ ولهذا قال هاهنا: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) أي: يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غَيهم فهم يَتيهون في ضلالهم. وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] ، (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ) أي: في الدنيا والآخرة، (وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ) أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر.
وقوله: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) أي: (وَإِنَّكَ) يا محمد - قال قتادة: (لَتُلَقَّى) أي: لتأخذ. (الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) أي: من عند حكيم عليم، أي: حكيم في أوامره ونواهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ] ﴾ [الأنعام: ١١٥] . Ibn Kathir 7/178Ibn Kathir 7/178
Choose one book or more.