وَٱلْعَٰدِيَٰتِ ضَبْحًۭا ١
Commentary
أقسم الله تعالى بالخيل الجاريات في سبيله نحو العدوِّ، حين يظهر صوتها من سرعة عَدْوِها. ولا يجوز للمخلوق أن يقسم إلا بالله، فإن القسم بغير الله شرك.
{والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير} قوله تعالى: {والعادياتِ ضَبْحاً} في العاديات قولان: أحدهما: أنها الخيل في الجهاد , قاله ابن عباس وأنس والحسن , ومنه قول الشاعر:
(وطعنةٍ ذاتِ رشاشٍ واهيهْ ... طعنْتُها عند صدور العاديْه)
يعني الخيل. الثاني: أنها الإبل في الحج , قاله عليٌّ رضي الله عنه وابن مسعود ومنه قول صفية بنت عبد المطلب:
(فلا والعاديات غَداة جَمْعٍ ... بأيديها إذا صدع الغبار) al-Mawardi 6/323al-Mawardi 6/323
يعني الإبل , وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو , وهو تباعد الرجل في سرعة المشي؛ وفي قوله (ضبحاً) وجهان: أحدهما: أن الضبح حمحمة الخيل عند العدو , قاله من زعم أن العاديات الخيل. الثاني: أنه شدة النّفس عند سرعة السير , قاله من زعم أنها الإبل , وقيل إنه لا يضبح بالحمحمة في عدوه إلا الفرس والكلب , وأما الإبل فضبحها بالنفَس؛ وقال ابن عباس: ضبحها: قول سائقها أج أج؛ وهذا قَسَمٌ , {فالموريات قَدْحاً} فيه ستة أقاويل: أحدها: أنها الخيل توري النار بحوافرها إذا جرت من شدة الوقع , قاله عطاء. الثاني: أنها نيران الحجيج بمزدلفة , قاله محمد بن كعب. الثالث: أنها نيران المجاهدين إذا اشتعلت فكثرت نيرانها إرهاباً , قاله ابن عباس. الرابع: أنها تهيج الحرب بينهم وبين عدوهم , قاله قتادة. الخامس: أنه مكر الرجال , قاله مجاهد؛ يعني في الحروب. السادس: أنها الألسنة إذا ظهرت بها الحجج وأقيمت بها الدلائل وأوضح بها الحق وفضح بها الباطل , قاله عكرمة , وهو قَسَمٌ ثانٍ. {فالمغيرات صُبْحاً} فيها قولان: أحدهما: أنها الخيل تغير على العدو صبحاً , أي علانية , تشبيهاً بظهور الصبح , قاله ابن عباس. الثاني: أنها الإبل حين تعدو صبحاً من مزدلفة إلى منى , قاله عليّ رضي الله عنه. {فأثَرنَ به نَقْعاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: فأثرن به غباراً , والنقع الغبار , قاله قتادة , وقال عبد الله بن رواحة: al-Mawardi 6/324al-Mawardi 6/324
(عدمت بُنَيّتي إن لم تَروْها ... تثير النقْعَ من كنفي كَداءِ)
الثاني: النقع ما بين مزدلفة إلى منى , قاله محمد بن كعب. الثالث: أنه بطن الوادي , فلعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع. {فَوَسَطْنَ به جَمْعاً} فيه قولان: أحدهما: جمع العدو حتى يلتقي الزخف , قاله ابن عباس والحسن. الثاني: أنها مزدلفة تسمى جمعاً لاجتماع الحاج لها وإثارة النقع في الدفع إلى منى , قاله مكحول. {إنّ الإنسانَ لِربِّه لَكَنُودٌ} فيه سبعة أقاويل: أحدها: لكفور قاله قتادة , والضحاك , وابن جبير , ومنه قول الأعشى:
(أَحْدِثْ لها تحدث لوصْلك إنها ... كُنُدٌ لوصْلِ الزائرِ المُعْتادِ)
وقيل: إن الكنود هو الذي يكفر اليسير ولا يشكر الكثير. الثاني: أنه اللوام لربه , يذكر المصائب وينسى النعم , قاله الحسن , وهو قريب من المعنى الأول. الثالث: أن الكنود الجاحد للحق , وقيل إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها , وقال إبراهيم بن زهير الشاعر:
(دع البخلاءَ إن شمخوا وصَدُّوا ... وذكْرى بُخْلِ غانيةٍ كَنوُدِ)
الرابع: أن الكنود العاصي بلسان كندة وحضرموت , وذكره يحيى بن سلام. الخامس: أنه البخيل بلسان مالك بن كنانة , وقال الكلبي: الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي , وبلسان مضر وربيعة: الكفور , وبلسان مالك بن كنانة: البخيل. السادس: أنه ينفق نعم الله في معاصي الله. السابع: ما رواه القاسم عن أبي أمامه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكنود الذي يضرب عبده ويأكل وحده ويمنع رفده , وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة , وعلى هذا وقع القسم بجميع ماتقدم من السورة. {وإنَّه على ذلك لَشهيدٌ} فيه قولان: أحدهما: أن الله تعالى على كفر الإنسان لشهيد , قاله ابن جريج. الثاني: أن الإنسان شاهد على نفسه , لأنه كنود , قاله ابن عباس. {وإنه لِحُبِّ الخيرِ لشديدٌ} يعني الإنسان , وفي الخير ها هنا وجهان: أحدهما: المال , قاله ابن عباس , ومجاهد وقتادة. الثاني: الدنيا , قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أن الخير ها هنا الاختيار , ويكون معناه: وإنه لحب اختياره لنفسه لشديد. وفي قوله {لشديد} وجهان: أحدهما: لشديد الحب للخير , وشدة الحب قوته وتزايده. الثاني: لشحيح بالمال يمنع حق الله منه , قاله الحسن , من قولهم فلان شديد أي شحيح. {أفَلَا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبورِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من فيها من الأموات. الثاني: معناه مات. الثالث: بحث , قاله الضحاك , وهي في قراءة ابن مسعود: بُحْثِرَ ما في القبور. {وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ميز ما فيها , قاله الكلبي. الثاني: استخرج ما فيها. الثالث: كشف ما فيها. {إنَّ ربَّهم بهم يومئذٍ لَخبيرٌ} أي عالم , ويحتمل وجهين: أحدهما: لخبير بما في نفوسهم. الثاني: لخبير , بما تؤول إليه أمورهم. al-Mawardi 6/325al-Mawardi 6/325
يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فَعَدت وضَبَحت، وهو: الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو. (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: اصطكاك نعالها للصخر فتقدح منه النار.
(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) يعني: الإغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله ﷺ يغير صباحًا ويتسمّع أذانا، فإن سمع وإلا أغار.
[وقوله] (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) يعني: غبارًا في [مكان] معترك الخيول.
(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) أي: توسطن ذلك المكان كُلُّهن جمع.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) قال: الإبل.
وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عليا قولُ ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت.
قال ابن أبي حاتم وابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه، قال: بينا أنا في الحِجْر جالسا، جاءني رجل فسألني عن: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني فذهب إلى علي، رضي الله عنه ، وهو عند سقاية زمزم فسأله عن (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقف على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أولَ غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فَرَسان: فرس للزبير وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى. Ibn Kathir 9/465Ibn Kathir 9/465
قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي، رضي الله عنه .
وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوروا النيران.
وقال العَوفي عن ابن عباس: هي الخيل.
وقد قال بقول علي: إنها الإبل جماعة. منهم: إبراهيم، وعبيد بن عمير وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة، وعطاء وقتادة، والضحاك. واختاره ابن جرير.
قال ابن عباس، وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب.
وقال ابن جُرَيْج عن عطاء سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح.
وقال أكثر هؤلاء في قوله: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: بحوافرها. وقيل: أسعَرْنَ الحرب بين رُكبانهن. قاله قتادة.
وعن ابن عباس ومجاهد: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) يعني: مكر الرجال.
وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل.
وقيل: المراد بذلك: نيران القبائل.
وقال من فسرها بالخيل: هو إيقاد النار بالمزدلفة.
وقال ابن جرير: والصواب الأول؛ أنها الخيل حين تقدح بحوافرها.
وقوله (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحًا في سبيل الله.
وقال من فسرها بالإبل: هو الدفع صبحا من المزدلفة إلى منى.
وقالوا كلهم في قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) هو: المكان الذي إذا حلت فيه أثارت به الغبار، إما في حج أو غزو.
وقوله: (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) قال العَوفى، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: يعني جَمَع الكفار من العدو.
ويحتمل أن يكون: فوسطن بذلك المكان جَميعُهُن، ويكون (جَمْعًا) منصوبا على الحال المؤكدة.
وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثًا [غريبًا جدًا] فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جُمَيع، حدثنا سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا فأشهرت شهرًا لا يأتيه منها خبر، فنزلت: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) ضبحت بأرجلها، (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارًا، (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) صبَّحت القوم بغارة، (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) أثارت بحوافرها التراب، (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) قال: صبحت القوم جميعا . Ibn Kathir 9/466Ibn Kathir 9/466
وقوله: (إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) هذا هو المقسم عليه، بمعنى: أنه لنعم ربه لجحود كفور.
قال ابن عباس، ومجاهد وإبراهيم النَّخعِي، وأبو الجوزاء، وأبو العالية، وأبو الضحى، وسعيد بن جبير، ومحمد بن قيس، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الكنود: الكفور. قال الحسن: هو الذي يعد المصائب، وينسى نعم ربه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) قال: "الكفور الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده" .
ورواه ابن أبي حاتم، من طريق جعفر بن الزبير -وهو متروك-فهذا إسناد ضعيف. وقد رواه ابن جرير أيضا من حديث حريز بن عثمان، عن حمزة بن هانئ، عن أبي أمامة موقوفا .
وقوله: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد. ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد، أي: بلسان حاله، أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]
وقوله: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أي: وإنه لحب الخير - وهو: المال-لشديد. وفيه مذهبان:
أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال.
والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح.
ثم قال تعالى مُزَهِّدا في الدنيا، ومُرَغِّبًا في الآخرة، ومنبهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من الأهوال: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) أي: أخرج ما فيها من الأموات. Ibn Kathir 9/467Ibn Kathir 9/467
Choose one book or more.