أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ١
Commentary
أرأيت حال ذلك الذي يكذِّب بالبعث والجزاء؟
قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ .
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) ، اختلف في نزوله:
قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - هي مدنية.
وقال مقاتل ومجاهد وجماعة: هي مكية.
وجائز أن يكون أولها نزل بمكة؛ لأن الذي ذكر أنها نزلت في شأنه كان مكيا، وهو العاص بن وائل السهمي مع ما أنهم هم الذين يكذبون بيوم الدِّين، وآخرها نزل بالمدينة؛ لأن في أواخرها وصف المنافقين، وهو ما ذكر من المراءاة في الصلاة، ومنع ما ذكر.
ثم إن كان نزولها في الكفرة، فالجهة فيه والمعنى غير الجهة والسبب لو كانت نزلت في المنافقين.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَرَأَيْتَ) حرف يستعمل في موضع السؤال والاستفهام.
ويجوز أن يكون استعماله على وجه التقرير عند السائل؛ لما يراد به إعلامه؛ على سبيل ما روي في الخبر: " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما قبل منك؟ " ، وكان ذلك في موضع التقرير؛ فكذلك قوله: (أَرَأَيْتَ) ، معناه - واللَّه أعلم -: أن اعلم أن الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين هو الذي يكذب بالدِّين.
قال أهل التأويل جميعا: (يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) ، أي: بالحساب، والبعث.
وجائز أن يكون يكذب بالدِّين الذي يظهر، أي: يكذب بالدِّين الذي أظهر لك.
ولا نحقق أن كان في المنافقين؛ لأن أهل النفاق كانوا يكذبون ما يظهرون من الموافقة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين.
وإن كان في أهل الكفر، فهو على الرؤساء منهم؛ فتكذيبهم بالدِّين هو ما كانوا يظهرون لأتباعهم من الجهد والشدة، يموهون بذلك على أتباعهم؛ ليقع عندهم أن الذي هم عليه حق، وأن الذي عليه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - باطل؛ فيكذبون بالدِّين الذي يرون من أنفسهم، ويظهرون بالتمويهات التي يموهون بها عليهم. al-Maturidi 10/622al-Maturidi 10/622
فكيفما كان إن كانت نزلت في المنافقين، أو في أهل الكفر، أو في الذي كذب بالحساب والبعث، أو بالذي ذكرنا أنه يظهر خلاف ما يضمر - ففيها عظة وتنبيه للمؤمنين وزجر لهم عن مثل صنيعهم؛ لأنه نعت الذي كذب بالدِّين إن كان المراد به الحساب، أو الدِّين نفسه؛ حيث قال: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) كأنه قال: الذي يكذب بالدِّين هو الذي يدع اليتيم؛ أي: يظلم اليتيم، ويمنع حقه.
(وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ يقول - واللَّه أعلم - للمؤمنين: لا تظلموا اليتيم، ولا تمنعوا حقه، ولا تسيئوا صحبة اليتيم، كما فعل من كذب بالدِّين وحضوا على طعام المسكين؛ يصف بخلهم واستهانتهم باليتيم والمساكين، وسوء معاملتهم التي عاملوهم، يعظ المؤمنين ويزجرهم عن ذلك.
وجائز أن يكون قوله: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) ؛ لما عندهم أن من أعطي المال، ووسع عليه الدنيا إنما أعطي ذلك لكرامة له عند اللَّه - تعالى - ومن ضيق عليه، ومع ذلك عنه؛ لهوان له عنده وحقارة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ. . .) الآية، يظنون أن اللَّه - تعالى - منع من منع ذلك؛ لهوان له عنده، ومن وسع عليه، وسع لكرامة له عنده؛ فيقول: كيف أكرم من أهانه اللَّه تعالى؛ فيحتمل أن يكون ما ذكر أنه لا يحض على طعام المسكين.
ويحتمل أن يكون الذي حمله على ظلمه اليتيم، وتركه إطعامه تكذيبه بالبعث؛ لأنه ليس لليتيم من ينصره، ويقوم بدفع من يقصد ظلمه، ويمنع حقه، وكان لا يخاف عقوبة البعث؛ إذ لا يؤمن به.
ثم يحتمل قوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. . .) الآية؛ أن يكون في الاعتقاد والرؤية. al-Maturidi 10/623al-Maturidi 10/623
ويحتمل أن يكون في حق الفعل نفسه؛ فإن كان في الاعتقاد والرؤية، فأهل الإسلام لا يعتقدون ذلك، وإن كان في حق الفعل فإنهم ربما يفعلون ذلك.
وحمله عندنا على الاعتقاد أوجب وأقرب؛ لما وصفنا أن اليتيم لا ناصر له، وليس للكافر خوف العاقبة؛ لما لا يؤمن بذلك، وإنما يمتنع المرء في الغالب من سوء الصحبة؛ لهذين: إما رغبة في جزاء الآخرة، أو خوف المكافأة في الدنيا، والمساكين ليس لهم في الدنيا ما يكافئهم ويجازيهم، وليس لليتيم ناصر؛ ليخاف منه، ولم يكن للكافر رغبة في ثواب الآخرة، ولا خوف من العقاب؛ لعدم تصديقه بذلك.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) هو النهاية في وصفه بالبخل؛ لأن الحث على الصدقة أن يرجيه ويطمعه في ثوابه، فإذا لم يرج هو نفسه، فكيف يرجي غيره؟ مع ما أن الحكمة عند هَؤُلَاءِ الكفرة أن من جر إلى نفسه نفعا فهو الحكيم، ومن ضر نفسه فهو جائر غير حكيم، وهو إذا منع الصدقة نفع نفسه، وإذا أوفى اليتيم حقه ضرها؛ فلذلك لا يرغب فيها؛ فهذا المعنى الذي وصفناه، دعانا إلى توجيه التأويل إلى الاعتقاد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ إن كان هذا في أهل النفاق، فأهل النفاق كذلك كانوا لا يفعلون شيئا من الطاعات إلا وكانوا عنها لاهين ساهين، وإذا فعلوا شيئا منها، فعلوا مراءاة؛ كقوله - تعالى -: (يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) ، وقوله: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) ، فذكر كسلهم وبخلهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. . .) إلى آخر ما ذكر في المنافقين على ما ذكرنا من نعتهم.
وجائز أن يكون في أهل الكفر، وأهل الكفر كانوا يصلون، كقوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً. . .) ، أخبر أن صلاتهم في الحقيقة ليست بصلاة؛ فجائز أن تكون على صورة الصلاة الحقيقية، وقد ذكر أنهم كانوا يصلون مستقبلين نحو أصنامهم، يرون الناس كثرة اجتهادهم في طاعة الأصنام، حتى إذا رآهم من نأى عنهم ظن أن ذلك حق، فيكون في ذلك صد عن إجابة الرسول، ودفع وجوه القوم عنه، وذلك قوله: (إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) . al-Maturidi 10/624al-Maturidi 10/624
ويحتمل أن يكون كناية عن الخضوع والتذلل؛ فيكون معناه: ويل للذين لا يخضعون ولا يخشعون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: سهوا عن صلاتهم لأنفسهم، وصلاتهم التي هي لأنفسهم هي أن تكون الصلاة لله - تعالى - ويجعلوها له، ولا يصلوا لغير اللَّه من الأصنام وغيرها؛ لأن من صلى لله - تعالى - يرجع منفعتها في الحقيقة إليه؛ لما تعلق بها من الجزاء الجميل، فهم بالسهو عن تلك الصلاة وتركها يلحقون الضرر بأنفسهم ويجعلونها للأصنام التي لا تضر ولا تنفع.
والثاني: سهوهم عن الصلاة حين أضاعوها، وهو ما ذكر في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ. . .) ؛ فيقول: سهيتم عن الصلاة فلم تمنعهم عما ذكر.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - مرفوعا: " هم الذين يؤخرونها عن وقتها " .
وقال مجاهد: الساهي: الذي لا يبالي صلى أم لا؟ ألا ترى أنه قال: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) .
وقال الحسن: هم المنافقون، يؤخرونها عن وقتها، ويراءون إذا صلوا.
وقال سعد: الترك عن الوقت.
وقال أبو العالية: الساهي: هو الذي لا يدري على شفع انصرف أو على وتر؟
وروي عن عطاء بن يسار، أنه قال: الحمد لله حيث لم يقل: " في صلاتهم ساهون " ، ولكنه قال: (عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) . al-Maturidi 10/625al-Maturidi 10/625
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو الزكاة، رواه ابن الزبير، وعكرمة، ومجاهد عنه.
وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو الزكاة.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رواية أخرى هو العارية.
وعن ابن عمر قال: هو الذي لا يعطي حقه، وهو الزكاة.
وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رواية: (الْمَاعُونَ) : منع القدر، والدلو، والفأس.
وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مثله، وكذا عن ابن عَبَّاسٍ في رواية أخرى.
وقال أبو عبيدة: كل ما فيه نفعه فهو الماعون.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: ما جاء أهلها بعد.
فإن كان ذلك على العواري، فالمعنى منها ذم البخل، وأشده منع الفرض.
وجائز أن يكون الماعون كل معروف وكل ما يعار، يدخل في ذلك الزكاة وغيرها؛ ففيه ذكر بخلهم وشحهم ومنع الحق من المستحق.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يَدُعُّ الْيَتِيمَ) ، أي: يضرب، ويدفع في قفاه؛ يقال: دع يدع دعا، فهو داع، ومدعوع.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (يَدُعُّ الْيَتِيمَ) ، أي: يدفعه، وكذلك في قوله: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) ، أي: يدفعون.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَلَا يَحُضُّ) : لا يحرض، ولا يحث، (سَاهُونَ) غافلون.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لاهون) ، و (أرأيتك) بالكاف، وكذلك في حرف أبي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، واللَّه أعلم بحقيقة ما أراد.
* * * سُورَةُ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) al-Maturidi 10/626al-Maturidi 10/626
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ al-Maturidi 10/627al-Maturidi 10/627
يقول تعالى: أرأيت -يا محمد- الذي يكذب بالدين؟ وهو: المعاد والجزاء والثواب، (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) أي: هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه، (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) كما قال تعالى: ﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧، ١٨] يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته.
ثم قال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) قال ابن عباس، وغيره: يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر.
ولهذا قال: (لِلْمُصَلِّينَ) أي: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا، فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق، وأبو الضحى.
وقال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: (عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) ولم يقل: في صلاتهم ساهون.
وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا. وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به. وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كله، ولكن من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي. كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" فهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى، كما ثبت به النص إلى آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا؛ ولهذا قال: "لا يذكر الله فيها إلا قليلا " . ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه الله، فهو إذًا لم يصل بالكلية. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] . وقال هاهنا: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) Ibn Kathir 9/493Ibn Kathir 9/493
وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إن في جهنم لواديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعد ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد: لحامل كتاب الله. وللمصدق في غير ذات الله، وللحاج إلى بيت الله، وللخارج في سبيل الله" .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : "من سَمَّع الناس بعمله، سَمَّع الله به سامعَ خلقه، وحَقَّره وصَغَّره" .
ورواه أيضا عن غُنْدَر ويحيى القطان، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن رجل، عن عبد الله ابن عمرو، عن النبي ﷺ ، فذكره.
ومما يتعلق بقوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) أن من عمل عملا لله فاطلع عليه الناس، فأعجبه ذلك، أن هذا لا يعد رياء، والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كنت أصلي، فدخل علي رجل، فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول الله ﷺ ، فقال: "كتب لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية" .
قال أبو علي هارون بن معروف: بلغني أن ابن المبارك قال: نعم الحديثُ للمرائين.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وسعيد بن بشير متوسط، وروايته عن الأعمش عزيزة وقد رواه غيره عنه.
قال أبو يعلى أيضا: حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سِنان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل يَسُرُّه، فإذا اطُّلعَ عليه أعجبه. قال: قال رسول الله ﷺ : "له أجران: أجر السر وأجر العلانية ". Ibn Kathir 9/494Ibn Kathir 9/494
وقد رواه الترمذي عن محمد بن المثنى، وابن ماجة عن بُنْدَار، كلاهما عن أبي داود الطيالسي عن أبي سنان الشيباني – واسمه: ضرار بن مرة. ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه الأعمش وغيره. عن حبيب عن [النبي ﷺ ] مرسلا.
وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أبو كُرَيْب، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان النحوي عن جابر الجعفي، حدثني رجل، عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) قال: "الله أكبر، هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه ".
فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يُسَم، والله أعلم.
وقال ابن جرير أيضا: حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عِكْرمِة بن إبراهيم، حدثني عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله ﷺ عن: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها".
وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، أو صلاتها بعد وقتها شرعا، أو تأخيرها عن أول الوقت [سهوا حتى ضاع] الوقت.
وكذا رواه الحافظ أبو يعلى عن شيبان بن فَرُّوخ، عن عكرمة بن إبراهيم، به. ثم رواه عن أبي الربيع، عن جابر، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه موقوفًا وهذا أصح إسنادًا، وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم.
وقوله: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) أي: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم. فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القُرُبات أولى وأولى. وقد قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال علي: الماعون: الزكاة. وكذا رواه السدي، عن أبي صالح، عن علي. وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر. وبه يقول محمد بن الحنفية، وسعيد بن جبير، وعِكْرِمة، ومجاهد، وعطاء، وعطية العوفي، والزهري، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. Ibn Kathir 9/495Ibn Kathir 9/495
وقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتته لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله وفي لفظ: صدقة ماله.
وقال زيد بن أسلم: هم المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها، وضَمنَت الزكاة فمنعوها.
وقال الأعمش وشعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار: أن أبا العبيدين سأل عبد الله بن مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس، والقدر، [والدلو] .
[وقال المسعودي، عن سلمة بن كُهَيْل، عن أبي العُبَيدين: أنه سُئِل ابنُ مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفأس والقدر] والدلو، وأشباه ذلك.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي العُبَيدين وسعد بن عياض، عن عبد الله قال: كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدث أن الماعون الدلو، والفأس، والقدر، لا يستغنى عنهن.
وحدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شُمَيْل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت سعد بن عياض يحدث عن أصحاب النبي ﷺ مثله.
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله أنه سئل عن الماعون، فقال: ما يتعاوره الناس بينهم: الفأس والدلو وشبهه.
وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو داود –هو الطيالسي-حدثنا أبو عَوانَة، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا مع نبينا ﷺ ونحن نقول: الماعون: منع الدلو وأشباه ذلك.
وقد رواه أبو داود والنسائي، عن قتيبة، عن أبي عوانة بإسناده، نحوه ولفظ النسائي عن عبد الله قال: كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عاريَّة الدلو والقدر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: الماعون: العَواري: القدر، والميزان، والدلو.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) يعني: متاع البيت. وكذا قال مجاهد وإبراهيم النَّخعي، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وغير واحد: إنها العاريَّة للأمتعة.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد عن ابن عباس: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) قال: لم يجئ أهلها بعد. Ibn Kathir 9/496Ibn Kathir 9/496
وقال العوفي عن ابن عباس: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) قال: اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون الزكاة. ومنهم من قال: يمنعون الطاعة. ومنهم من قال: يمنعون العارية. رواه ابن جرير. ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عُلَيَة، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: الماعون: منع الناس الفأس، والقدر، والدلو.
وقال عكرمة: رأس الماعون زكاة المال، وأدناه.
المنخل والدلو، والإبرة. رواه ابن أبى حاتم.
وهذا الذي قاله عكرمة حسن؛ فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد. وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة. ولهذا قال محمد بن كعب: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) قال: المعروف. ولهذا جاء في الحديث: " كل معروف صدقة" .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) قال: بلسان قريش: المال.
وروى هاهنا حديثا غريبا عجيبا في إسناده ومتنه فقال:
حدثنا أبي، وأبو زُرْعَة قالا حدثنا قيس ابن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دهثم العجلي، حدثنا عائذ بن ربيعة النَميري، حدثني قرة بن دعموص النميري: أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ما تعهد إلينا؟ قال: "لا تمنعون الماعون" . قالوا: يا رسول الله، وما الماعون؟ قال: "في الحَجَر، وفي الحديدة، وفي الماء" . قالوا: فأي حديدة؟ قال: "قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به" . قالوا: وما الحجر؟ قال: "قدوركم الحجارة" .
غريب جدا، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف، والله أعلم.
وقد ذكر ابنُ الأثير في الصحابة ترجمة "علي النميري" ، فقال: روى ابن قانع بسنده إلى عائذ ابن ربيعة بن قيس النميري، عن علي بن فلان النميري: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المسلم أخو المسلم. إذا لقيه حَيَّاه بالسلام، ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون" . قلت: يا رسول الله، ما الماعون؟ قال: "الحَجَر، والحديد، وأشباه ذلك" .
آخر تفسير سورة "الماعون" . Ibn Kathir 9/497Ibn Kathir 9/497
Choose one book or more.