القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ٩١

سورة يونس، الآية ٩١مكية
في سورتها

القراءات

المختارةالحجة للقراء السبعة
الحجة للقراء السبعةأبو علي الفارسي، ت ٣٧٧هـ

اختلفوا في قوله: آلآن وقد عصيت قبل [يونس/ ٩١] ، فروى المسيبيّ وقالون عن نافع أنه قرأ:

الآن* مستفهمة: جدّا ، وكذلك قال ابن أويس عن نافع بهمزة واحدة، وقال ورش أيضا: إنه كان يقرأ بفتح اللام، ومدّ الهمزة الأولى، ولا يهمز بعد اللام، والباقون يهمزون بعد اللام واللام ساكنة [الآن] .

وقال أحمد بن صالح عن قالون بهمزة واحدة بعدها مدّة.

وقال أبو خليد عن نافع: آلآن ليس بعد اللام همزة.

وأصل قول ورش عن نافع، أنه إذا كانت الهمزة قبلها ساكن، ألقى حركة الهمزة على الساكن، وترك الهمز مثل:

الارض، بفتح اللام، والاسماء، بفتح اللام بحركة الهمزة، وآلآن: لا يهمز بعد اللام، ويفتح اللام بحركة الهمزة.

وقال ابن جبير: عن الكسائيّ عن إسماعيل عن نافع، وعن حجاج بن منهال الأعور، عن ابن أبي الزناد عن نافع:

آلان لا يهمز بعد اللام .

قال أبو علي : إن لام المعرفة إذا دخلت على كلمة أوّلها الهمزة، فخفّفت الهمزة فإن في تخفيفها وجهين: أحدهما: أن تحذف وتلقى حركتها على اللام وتقرّ همزة الوصل فيقال: أبو علي الفارسي ٥/ ٢٩٦أبو علي الفارسي ٥/ ٢٩٦

الحمر: وقد حكى ذلك سيبويه .

وحكى أبو عثمان عن أبي الحسن أن ناسا يقولون:

لحمر. فيحذفون الهمزة التي للوصل، فالذين أثبتوا الوصل أثبتوها لأن التقدير باللام السكون، وإن كانت في اللفظ متحركة، كما كان التقدير فيها السكون في قولهم في التذكّر، إلى إذا تذكر نحو القليل والقوم فكما لم تحذف الهمزة هنا، كذلك لم تحذف في نحو الحمر، ومثل ذلك في أنّ التقدير لما كان بالحركة السكون، قد جرى مجرى الساكن وإن كان متحرّكا في اللفظ قولهم: أردد الرجل، وآلى التحريك في المثلين لمّا كان الثاني فيهما في تقدير السكون، وإنّما تحرّك بحركة لا تلزم، فكذلك الحمر، وأما اللغة الأخرى فمن الدليل عليها ما أنشدنيه أحمد بن موسى عن الكسائيّ :

فقد كنت تخفي حبّ سمراء حقبة ... فبح لان منها بالذي أنت بائح فأسكن الحاء لما كانت اللام متحركة، ولو لم يعتدّ بالحركة، كما لم يعتدّ بها في الوجه الأول، فحرّك الحاء بالكسر، كما تحرّك به إذا قال: بح اليوم، لكن لما أسكن كان بمنزلة: بح بسرّك، وبح بأمرك، فنقول على قياس اللغة الأولى: قال لان [البقرة/ ٧١] فتحذف واو الضمير، لأن اللام في تقدير السكون، كما تحذفه في بح اليوم، وعلى قياس اللغة الأخرى: قالوا لان فتثبت واو الضمير، لأن اللام لم تنزّل تنزيل السكون، ألا ترى أنه حذف الهمزة التي تجلب لسكون الحرف الذي تدخل عليه، وتقول على قياس اللغة الأولى: ملآن، إذا أردت: من الآن، فحذفت النون لالتقاء الساكنين، كما حذفته من قول الشاعر : أبو علي الفارسي ٥/ ٢٩٧أبو علي الفارسي ٥/ ٢٩٧

أبلغ أبا دختنوس مألكة ... غير الذي قد يقال ملكذب

وتقول على قياس اللغة الأخرى: من لان، فلا تحذف النون، لأنه لم يلتق ساكنان، كما لم تحرّك الحاء من قوله:

«فبح لان» فعلى هذا مجرى هذا الباب. أبو علي الفارسي ٥/ ٢٩٨أبو علي الفارسي ٥/ ٢٩٨

أما ما ذكره من رواية المسيّبي وقالون عن نافع أنه قرأ:

الآن* مستفهمة جدّا، وكذلك قال ابن أبي أويس، عن نافع:

بهمزة واحدة، فقوله: مستفهمة جدّا لا يخلو من أحد أمرين:

إمّا أن يريد أنه كان يمدّ، فإن أراد ذلك كان على لغة من قال:

الحمر، فلمّا ألحق همزة الاستفهام مدّ، ويريد أنه كان يقطع الهمزة، فلا يصلها كما يصل، ولا يقطع إذا لم تكن للاستفهام، فإذا كان كذلك فهو على قول من قال: لحمر، ولا همزة فيه، فتنقلب ألفا مع همزة الاستفهام، ويمدّ، فهو كقوله:

ألكم الذكر وله الأنثى [النجم/ ٢٠] في أنّه لا يجوز أن يمدّ. ويقوي هذا الوجه ما قاله أحمد، وكذلك قال ابن أبي أويس عن نافع بهمزة واحدة. قال: وقال أحمد بن صالح عن قالون همزة واحدة بعدها مدّة، فهذا قد فسّر، ولا يكون هذا إلا على قول من قال: الحمر ءالان.

فأما ما روى ورش عن نافع من قوله: آلآن، إنه كان يقرأ بفتح اللام ومدّ الهمزة الأولى ولا يهمز بعد اللام، فإنّ ذلك على قول من قال: الحمر، كأنه قال: آلآن، فأثبت همزة الوصل مع تحرك اللام، كما أثبتها في قولهم: الحمر، فإذا دخلت همزة الاستفهام قلبت همزة الوصل ألفا، فقلت:

أالان، كما تقول: آلرجل قال ذاك؟ ومن فصل بين الهمزتين إذا التقتا بالألف فقال: أأنت أأنذرتهم لم يفصل هنا بها، لأنّه لا تثبت هنا همزتان، ألا ترى أن الثانية التي للوصل تقلب ألفا؟ فلا يحتاج إذن إلى الألف التي تفصل بين الهمزتين، كما تفصل بينه النونين إذا قلت: اضربنان زيدا، فعلى هذا وجه قراءة نافع هذه التي حكاها ورش، وعلى هذا أيضا ما حكاه أحمد بن صالح عن قالون بهمزة واحدة بعدها مدة. أبو علي الفارسي ٥/ ٢٩٩أبو علي الفارسي ٥/ ٢٩٩

قال: وكلّهم قرأ: ويوم نحشرهم، بالنون غير عاصم، فإن حفصا روى عنه: ويوم يحشرهم* بالياء . عند الخمس والأربعين منها.

قال أبو علي: يحتمل قوله: كأن لم يلبثوا ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون صفة لليوم، والآخر: أن يكون صفة للمصدر المحذوف، والثالث: أن يكون حالا من الضمير في نحشرهم.

فإذا جعلته صفة لليوم، احتمل ضربين من التأويل:

أحدهما: أن يكون التقدير: كأن لم يلبثوا قبله إلا ساعة، فحذفت الكلمة بدلالة المعنى عليها، ومثل ذلك في حذف هذا النحو منه قوله: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف [الطلاق/ ٢] أي: أمسكوهنّ قبله. وكذلك: فإن فاؤوا فإن الله [البقرة/ ٢٢٦] أي قبل انقضاء الأربعة الأشهر، وكذلك قوله: يتربصن بأنفسهن [البقرة/ ٢٢٨] ، قال أبو الحسن:

يتربّصن بعدّتهم. أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٠أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٠

ويجوز أن يكون المعنى: كأن لم يلبثوا قبله، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذفت الهاء من الصفة، كقولك: الناس رجلان: رجل أكرمت، ورجل أهنت.

ومثل هذا في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه قوله:

ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا، وهو واقع بهم [الشورى/ ٢٢] ، التقدير: وجزاؤه واقع بهم، فحذف المضاف.

وإن جعلته صفة للمصدر كان على هذا التقدير الذي وصفنا، وتمثيله: كأن لم يلبثوا قبله، فحذف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذف العائد من الصفة، كما تحذفه من الصلة في نحو: أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان/ ٤١] ، وإن جعلته حالا من الضمير المنصوب، لم تحتج إلى حذف شيء في اللفظ لأنّ الذكر من الحال قد عاد إلى ذي الحال، والمعنى: نحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم يلبث إلّا ساعة.

فأمّا يوم نحشرهم فإنه يصلح أن يكون معمولا لأحد شيئين، أحدهما: أن يكون معمول: يتعارفون، والآخر: أن يكون معمولا لما دلّ عليه قوله: كأن لم يلبثوا، فإذا جعلته معمولا لقوله: يتعارفون انتصب يوم* على وجهين: أحدهما:

أن يكون ظرفا معناه: يتعارفون في هذا اليوم، والآخر: أن يكون مفعولا على السعة على:

يا سارق الليلة أهل الدار ومعنى يتعارفون يحتمل أمرين. أحدهما: أن يكون المعنى: يتعارفون مدّة إماتتهم التي وقع حشرهم بعدها وحذف المفعول للدّلالة عليه، كما حذف في مواضع كثيرة، وعدّي تفاعل، كما عدّي في قول ذي الرّمة : أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠١أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠١

.... تحاسنت ... به الوشي قرّات الرّياح وخورها

وأنشد أبو عبيدة .

تخاطأت النّبل أحشاءه أو يكون أعمل الفعل الذي دلّ عليه يتعارفون، ألا ترى أنّه قد دلّ على يستعملون ويتعرفون، ومن حذف المفعول قوله: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم [يس/ ٩] ، التقدير: فأغشيناهم السدّ، أو مثل السدّ فهم لا يبصرون لما أغشيناهموه من ذلك. وتعرّفوا مدّة اللبث هاهنا، كما تعرّفوها في قوله: قال قائل منهم كم لبثتم، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، قالوا ربكم أعلم بما لبثتم [الكهف/ ١٩] ، وكقوله: قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم [المؤمنون/ ١١٢] ، فتعارفهم مدّة لبثهم كما ذكرت لك في هذه الآي. أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٢أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٢

والآخر في التعارف ما جاء من قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قال قائل إني كان لي قرين، [الصافات/ ٥٠ - ٥١] وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين [الطور/ ٢٥ - ٢٦] وتعرّفهم يكون على أحد هذين الوجهين. فعلى هذا يكون قوله: ويوم نحشرهم معمول يتعارفون، والآخر: أن يكون يوم نحشرهم معمول ما دلّ عليه قوله: كأن لم يلبثوا، ألا ترى أن المعنى:

تشابه أحوالهم أحوال من لم يلبث، فيعمل في الظرف هذا المعنى، ولا يمنع المعنى من أن يعمل في الظرف، وإن تقدم الظرف عليه، كقولهم: أكلّ يوم لك ثوب، ومثل ذلك في الحمل على المعنى قوله: يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [الفرقان/ ٢٢] وقول أبي دواد :

قرّبنه ولا تقيلنّ واعلم ... أنّه اليوم إنّما هو ناد فإذا حملته على هذا، لم يجز أن يكون صفة للمصدر، لأن الموصوف الذي هو المصدر موضعه بعد الفعل، تقديره: أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٣أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٣

يوم نحشرهم حشرا كأن لم يلبثوا، أو لم يلبثوا قبله، والصفة لا يتقدّم عليها ما تعمل فيه، ولا يجوز أيضا أن تجعله صفة لليوم على هذا، لأنّ الصفة لا تعمل في الموصوف، ألا ترى الصفة إيضاح للموصوف وتبيين له، كما أنّ الصلة كذلك، وإذا كان على هذا لم يسغ عمل واحد منهما فيما يوضحه ويبينه، لتنزّله منزلة بعضه، فإن قلت: فإذا قدّرت كأن لم يلبثوا تقدير الحال

من الضمير هل يجوز أن يكون يوم ... معمولا له؟ فإنّ ذلك لا

يجوز لأنّ العامل في الحال نحشر، ونحشر قد أضيف اليوم إليه، فلا يجوز أن يعمل في المضاف المضاف إليه، ولا ما يتعلق بالمضاف إليه، لأنّ ذلك يوجب تقديمه على المضاف ألا ترى أنّه لم يجز: القتال زيدا حين تأتي.

وإذا جعلت يتعارفون العامل في يوم نحشرهم لم يجز أن يكون صفة لليوم على أنّك كأنّك وصفت اليوم بقوله: كأن لم يلبثوا، ويتعارفون، فوصفت يوم نحشرهم بجملتين، لم يجز أن يكون معمولا لقوله: يتعارفون لأنّ الصفة لا تعمل في الموصوف، وجاز وصف اليوم بالجمل، وإن أضيف لأنّ الإضافة ليست بمحضة فلم تعرّفه.

ويدلّ على النون في يوم نحشرهم قوله: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا [الكهف/ ٤٧] وقوله: فجمعناهم جمعا [الكهف/ ٩٩] ، وقال: ونحشره يوم القيامة أعمى [طه/ ١٢٤] . أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٤أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٤

ويدلّ على الياء قوله: ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه [النساء/ ٨٧] ويدلّ على مقاربة الياء والنون في ذا النحو قوله: وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه [طه/ ١٢٧] ، فنعلم من هذا أنّ كلّ واحد منهما يجري مجرى الآخر.

[يونس: ١٠٣]

قال: كلّهم قرأ: ننجي رسلنا [١٠٣] مشدّدة الجيم غير الكسائي وحفص عن عاصم فإنّهما قرءا: ننجي رسلنا خفيفة، وقرأ الكسائي وحده في سورة مريم: ثم ننجي الذين اتقوا [٧٢] ساكنة النون.

وقرأ الباقون: ننجي بفتح النون الثانية وتشديد الجيم .

قال أبو علي: قالوا نجا زيد، قال :

نجا سالم والرّوح منه بشدقه ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا

فإذا عدّيته، فإن شئت قلت: أنجيته، وإن شئت قلت:

نجيّته، كما تقول فرح، وأفرحته وفرّحته.

ومن حجة من قال: ننجي*: فأنجاه الله من النار [العنكبوت/ ٢٤] ، وحجّة من قال: ننجي ونجينا الذين آمنوا [فصّلت/ ١٨] ، وكلاهما حسن، قال الشاعر : أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٥أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٥

ونجّى ابن هند سابح ذو علالة ... أجشّ هزيم والرماح دواني

أبو بكر عن عاصم ونجعل الرجس [يونس/ ١٠٠] بالنون، وروى حفص عن عاصم بالياء، وكذلك الباقون .

[يونس: ١٠٠]

حجة من قال: يجعل بالياء قوله: كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون [الأنعام/ ١٢٥] ، وقد تقدم ذكر اسم الله في قوله: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله [يونس/ ١٠٠] ، والنون في هذا النحو مثل الياء، وقد تقدم ذكر ذلك.

فأما قوله: الرجس فقال أبو عبيدة: الرّجز: العذاب .

قال: والرجز والرجس واحد، والدّلالة على أن الرّجز العذاب.

قوله: لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك [الأعراف/ ١٣٤] وقوله: فلما كشفنا عنهم الرجز [الأعراف/ ١٣٥] ، ومنه:

فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء [البقرة/ ٥٩] ، وقال: والرجز فاهجر [المدثر/ ٥] ، وكأن المعنى- والله أعلم- وذا الرجز، أي: الذي يؤدّي عبادته إلى العذاب. قال أبو الحسن : وقال بعضهم: والرجز فاهجر قال: وذكروا أنه صنم كانوا يعبدونه، قال: وأما الرّجز فهو الرّجس، قال، وقال: أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٦أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٦

إنما المشركون نجس [التوبة/ ٢٨] ، قال: والنّجس: القذر.

وقال الكسائيّ فيما أخبرنا أبو بكر: الرّجس: النتن:

قال أبو علي: فكأنّ الرّجس على ضربين: أحدهما: أن يكون في معنى الرجس، وهو العذاب، والآخر: أن يعنى به النجس والقذر، ومن ذلك قوله: أو لحم خنزير فإنه رجس [الأنعام/ ١٤٥] فقوله: ويجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون [الأنعام/ ١٢٥] يجوز أن يراد به أنهم يعذّبون، كما قال:

ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات [الفتح/ ٦] ، ويجوز أن يكون المعنى فيه أنه يحكم بأنّهم رجس، كما قال:

إنما المشركون نجس [التوبة/ ٢٨] ، أي: ليسوا من أهل الطهارة، فذمّوا على خروجهم، وإن لم تكن عليهم نجاسة من نحو البول والدم والخمر، والمعنى: أن الطّهارة الثابتة للمسلمين هم خارجون عنها، ومباينون لها، وهذه الطّهارة هي ما ثبت لهم من قوله: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [التوبة/ ١٠٣] . أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٧أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٧

فقوله: تطهرهم، لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون المعنى: تطهّرهم أنت أيّها الآخذ بأخذها منهم، أو: الصدقة تطهّرهم، فقوله: تزكيهم بها يقوّي الوجه الأوّل، لأن «تزكّي» للآخذ، فكذلك يكون تطهرهم له، ويجوز أن يكون منقطعا، أي: وأنت تزكّيهم بها، فهذه طهارة من جهة الحكم، وإن لم تزل شيئا نجسا عن أبدانهم.

وقد ثبت للمسلمين أيضا الطّهارة بقوله: يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين [التوبة/ ١٠٨] فأمّا قوله: طهر بيتي للطائفين [الحج/ ٢٦] فيجوز أن يراد به: أخرج عنه ما يعبد من وثن من دون الله، حتى يطهر، لأنّ الأوثان قد أطلق عليها الرجس في قوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثان [الحج/ ٣٠] وقوله: والرجز فاهجر [المدثر/ ٥] .

[يونس: ٨٧]

حفص عن عاصم يقف تبويا [يونس/ ٨٧] بياء من غير همز، ذكر لي ذلك عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي مسلم عن أبيه عن حفص عن عاصم.

قال: وكان حمزة يقف تبوا* غير أنه يليّن الهمزة، يشير إليها بصدره. والباقون يقفون بهمزة بعدها ألف في وزن تبوّعا .

قال أبو علي: حدثنا محمد بن السري أن أبا زيد قال: بوّأت فلانا منزلا تبويئا، والاسم البيئة: فقوله تبوءا في قوله: أن تبوءا فعل يتعدى إلى مفعولين، يدلّ على ذلك قوله: لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت/ ٥٨] ، فأمّا اللام من قوله: لقومكما فكالّتي في قوله: ردف لكم [النمل/ ٧٢] ، والمفعول الأوّل لعلامة الضمير في قوله: أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٨أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٨

لنبوئنهم، ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين:

أحدهما: أن لا يتعدّى نحو: انشوى وانثأى ، في مطاوع شويته وثأيته. والآخر: أن يتعدّى كما تعدّى ما هو مطاوع له، وذلك نحو: تعلّقته، وتقطّعته، فتعلّقته يتعدّى كما تعدّى علقته، وليس فيه أن ينقص مفعول المطاوع عمّا كان يتعدّى إليه ما هو مطاوع له. فإذا كان كذلك، كان اللّام على الحدّ الذي ذكرنا، ويقوّي ذلك قوله: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت [الحج/ ٢٦] ، فدخلت اللام على غير المطاوع كما دخل على المطاوع في قوله: أن تبوءا لقومكما.

فأمّا قوله: مكان البيت فيحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون ظرفا، والآخر: أن يكون مفعولا ثانيا، فأما الظرف فيدلّ عليه قوله : أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٩أبو علي الفارسي ٥/ ٣٠٩

وبوّئت في صميم معشرها ... فصحّ في قومها مبوّئها

فكما أن قوله: «في صميم معشرها» ظرف كذلك يكون مكان البيت.

والمفعول الثاني الذي ذكر في قوله: لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت/ ٥٨] ، ولم يذكر في هذه لأنّ الفعل من باب أعطيت، فيجوز أن لا يذكر، ويقتصر على الأول، ويجوز أن يكون مكان البيت مفعولا ثانيا ، وكذلك قوله: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق [يونس/ ٩٣] ، ويجوز أن يكون مكانا مثل مكان البيت، والمفعول الثاني فيه محذوف، وهو القرية* التي ذكرت في قوله: وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها [الأعراف/ ١٦١] ، ويجوز أن يكون مصدرا، أي تبوّؤ صدق، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا من وجهين: أحدهما: أن تجعله اسما غير ظرف كما قال : أبو علي الفارسي ٥/ ٣١٠أبو علي الفارسي ٥/ ٣١٠

وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل

والآخر: أن تجعله بعد أن تستعمله ظرفا اسما، كما قال :

وسطها قد تفلّقا وفي التنزيل: هم درجات عند الله [آل عمران/ ١٦٣] .

ويجوز فيه وجه ثالث: وهو أن يتّسع فيقدّر نصبه، وإن كان مصدرا، تقدير انتصاب المفعول به، فأما قوله :

لها حكمها حتّى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا

فعلى حذف أحد المفعولين، أي: تبوّأت مرعاها مأوى، وتبوّأ الراعي بقعة مضجعا، وكذلك قوله: وبوأكم في الأرض [الأعراف/ ٧٤] بوّأكم في الأرض منازل أو بلادا.

وأما قوله: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق [يونس/ ٩٣] ، فالمبوّأ يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن بكون مكانا، والمفعول الثاني على هذا محذوف كما حذف من قوله: وبوأكم في الأرض، ويجوز أن ينصب المبوّأ على الاتساع، وإن كان مصدرا نصب المفعول به، ألا ترى أنه أجاز ذلك في قوله: أما الضّرب فأنت ضارب، وأما البيوت من قوله: أبو علي الفارسي ٥/ ٣١١أبو علي الفارسي ٥/ ٣١١

بمصر بيوتا فمفعول به، وليست البيوت بظرف لاختصاصها فالبيوت كالغرف من قوله: لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت/ ٥٨] .

فأما قوله: نتبوأ من الجنة حيث نشاء [الزمر/ ٧٤] ، فيجوز في قياس قول أبي الحسن أن يكون قوله: من الجنة كقولك: نتبوّأ الجنّة. فأمّا قوله: حيث نشاء فيحتمل أن يكون ظرفا، فإذا جعلته ظرفا كان المفعول الثاني محذوفا، كأنه: نتبوّأ الجنّة منازلها حيث نشاء، ويجوز أن يكون: حيث نشاء في موضع نصب، بأنه المفعول الثاني، يدلّ على ذلك قول الشمّاخ:

وحلّأها عن ذي الأراكة عامر ... أخو الخضر يرمي حيث تكوى النّواحز فأمّا قولك: بوّأت فلانا منزلا، وتعدّيه إلى مفعولين، فكأنه مفعول من قولك: باء فلان منزله، أي: لزمه، وإن كنّا لا نروي ذلك. ولكن يدلّ على ذلك قولهم: المباءة، وقالوا: أبو علي الفارسي ٥/ ٣١٢أبو علي الفارسي ٥/ ٣١٢

الإبل في المباءة، وهي المراح الذي تبيت فيه، فالمباءة اسم المكان، وإذا كان اسم المكان مفعلا، أو مفعلة، فالفعل منه قد يكون: فعل يفعل، فكأنّه: باء المنزل، وبوّأته أنا المنزل.

فأمّا وقف عاصم في قوله: تبويا، وقلبه الهمزة ياء في الوقف، وإن كان من بوّأت؛ فلأنّ الهمزة قد تبدل منها في الوقف حروف اللين، ألا ترى أنهم قالوا: هو الكلو ، في الوقف، وقالوا: من الكلي، وإنما فعل ذلك بالهمزة عند الوقف لأنّها تخفى فيه كما تخفى الألف، فأبدل منها حرف اللين، كما أبدل من الألف في قولهم: أفعو وأفعي، لأن هذين الحرفين أظهر من الألف والهمزة وأبين للسمع. فإن قلت: فإنّما يفعل ذلك بالهمزة إذا كان آخر الكلمة، وليست الهمزة آخرا في تبويا قيل: يجوز أن يكون لم يعتدّ بالألف لما كانت للتثنية، والتثنية غير لازمة للكلمة، فلمّا لم تلزم لم يعتدّ بها، فصار الوقف كأنّه على الهمزة، لأن كثيرا من الحروف التي لا تلزم لا يعتدّ بها، ومن ثم لم تقع حرف رويّ، كما لم تقع ألف النّصب رويّا لاجتماعها معها في أنها لا تلزم، لأن من العرب من يقول: رأيت زيد، فلا يبدل ويحذف، وعلى هذا قوله : أبو علي الفارسي ٥/ ٣١٣أبو علي الفارسي ٥/ ٣١٣

وآخذ من كلّ حيّ عصم ولا تثبت أيضا في موضع الرفع والجر، فصار الوقف لذلك كأنه على نفس الهمزة.

فأمّا وقف حمزة تبوا* فهذا على أنه خفّف الهمزة، وتخفيف هذه الهمزة أن تجعل بين بين، ولا تلحقه ألف التثنية.

على هذا يتأوله ناس من القراء وهو الصحيح. فأمّا قول أحمد:

يشير إليها بصدره، فهو من ترجمة القراء، وصحّته على ما ذكرت لك، وهذا في قول حمزة على وزن: تبوّعا، إلا أن الهمزة إذا خفّفت نقص الصوت بحركتها، فأشبهت الساكن، وهي متحركة في الحقيقة. فأمّا قوله: والذين تبوؤوا الدار والإيمان [الحشر/ ٩] ، فيكون على: تبوّءوا الدار، أي:

تبوّءوا دار الهجرة واعتقدوا الإيمان، لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوّأ، فيكون كقوله: فأجمعوا أمركم وشركاءكم [يونس/ ٧١] ، ويجوز على: تبوّءوا الدار ومواضع الإيمان، ويجوز أن يكون: تبوّءوا الإيمان، على طريق المثل كما تقول:

تبوّءوا من بني فلان الصّميم، وعلى ذلك قول الشاعر :

وبوّئت في صميم معشرها ... فصحّ في قومها مبوّئها

كلّ هذه الوجوه ممكن. أبو علي الفارسي ٥/ ٣١٤أبو علي الفارسي ٥/ ٣١٤