وَيْلٌۭ لِّكُلِّ هُمَزَةٍۢ لُّمَزَةٍ ١
التفسير
شر وهلاك لكل مغتاب للناس، طعان فيهم.
{ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة} قوله تعالى {وَيْلٌ لكلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الهمزة المغتاب , واللمزة العيّاب , قاله ابن عباس , ومنه قول زياد الأعجم:
(تُدْلي بوُدّي إذا لاقيتني كَذِباً ... وإن أُغَيّبْ فأنْتَ الهامزُ اللُّمَزة)
الثاني: أن الهمزة الذي يهمز الناس , واللمزة الذي يلمزهم بلسانه , قاله ابن زيد. الثالث: أن الهمزة الذي يهمز في وجهه إذا أقبل , واللمزة الذي يلمزه من خلفه إذا أدبر , قاله أبو العالية , ومنه قول حسان: الماوردي ٦/ ٣٣٥الماوردي ٦/ ٣٣٥
(همزتك فاخْتَضَعْتَ بذُلَّ نفْسٍ ... بقافيةٍ تأَجج كالشُّواظِ)
الرابع: أن الهمزة الذي يعيب جهراً بيد أو لسان , واللمزة الذي يعيبهم سراً بعين أو حاجب , قاله عبد الملك بن هشام. قال رؤبة:
(في ظل عَصْرَيْ باطِلي وَلَمزِي ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .)
واختلفوا فيمن نزلت فيه على خمسة أقاويل: أحدها: في أُبي بن خلف , قاله عمار. الثاني: في جميل بن عامر الجمحي , قاله مجاهد. الثالث: في الأخنس بن شريق الثقفي , قاله السدي. الرابع: في الوليد بن المغيرة , قاله ابن جريج. الخامس: أنها مرسلة على العموم من غير تخصيص , وهو قول الأكثرين. {الذي جَمَعَ مَالاً وعَدَّدَه} فيه اربعة أوجه: أحدها: يعني أحصى عدده , قاله السدي. الثاني: عددّ أنواع ماله , قاله مجاهد. الثالث: لما يكفيه من الشين , قاله عكرمة. الرابع: اتخذ ماله لمن يرثه من أولاده. ويحتمل خامساً: أنه فاخر بعدده وكثرته. {يَحْسَبُ أَنّ مالَه أَخْلَدَهُ} فيه وجهان: أحدهما: يزيد في عمره , قال عكرمة. الثاني: يمنعه من الموت , قال السدي. ويحتمل ثالثاً: ينفعه بعد موته. {كَلَاّ لَيُنبَذَنَّ في الحُطَمَةِ} وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه اسم باب من أبواب جهنم , قاله ابن واقد , وقال الكلبي هو الباب السادس. الثاني: أنه اسم درك من أدراك جهنم , وهو الدرك الرابع , قاله الضحاك. الثالث: أنه اسم من أسماء جهنم , قاله ابن زيد. وفي تسميتها بذلك وجهان: الماوردي ٦/ ٣٣٦الماوردي ٦/ ٣٣٦
أحدهما: لأنها تحطم ما أُلقي فيها , أي تكسره وتهده , ومنه قول الراجز:
(إنا حَطْمنا بالقضيب مُصْعَبا ... يومَ كَسَرنا أَنْفَه ليَغْضَبا)
{التي تَطّلِعُ على الأَفئدةِ} روى خالد بن أبي عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النار تأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت , ثم إذا صدروا تعود , فذلك قوله {نار الله الموقدة , التي تطلع على الأفئدة} ويحتمل اطلاعها على الأفئدة وجهين: أحدهما: لتحس بألم العذاب مع بقاء الحياة ببقائها. الثاني: استدل بما في قلوبهم من آثار المعاصي وعقاب على قدر استحقاقهم لألم العذاب , وذلك بما استبقاه الله تعالى من الإمارات الدالة عليه. {إنَّها عليهم مْؤْصَدَةٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مطبقة , قاله الحسن والضحاك. الثاني: مغلقة بلغة قريش , يقولون آصد الباب إذا أغلقه , قاله مجاهد ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات:
(إن في القَصْر لو دَخَلنْا غَزالاً ... مُصْفقاً مُوصَداً عليه الحجابُ)
الثالث: مسدودة الجوانب لا ينفتح منها جانب , قاله سعيد بن المسيب , وقال مقاتل بن سليمان: لا يدخلها روْح ولا يخرج منها غم. {في عَمَدٍ مُمَدَّدةٍ} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها موصدة بعمد ممددة , قاله ابن مسعود , وهي في قراءته (بعَمَدٍ ممدّدة) . الثاني: أنهم معذبون فيها بعُمد محددة , قاله قتادة. الثالث: أن العُمد الممدة الأغلال في أعناقهم , قاله ابن عباس. الرابع: أنها قيود في أرجلهم , قاله أبو صالح. الخامس: معناه في دهر ممدود , قاله أبو فاطمة. الماوردي ٦/ ٣٣٧الماوردي ٦/ ٣٣٧
الهماز: بالقول، واللماز: بالفعل. يعني: يزدري بالناس وينتقص بهم. وقد تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] .
قال ابن عباس: (هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) طعان معياب. وقال الربيع بن أنس: الهُمَزة، يهمزه في وجه، واللمزة من خلفه. وقال قتادة: يهمزه ويلمزه بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم.
وقال مجاهد: الهمزة: باليد والعين، واللمزةُ: باللسان. وهكذا قال ابن زيد. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هُمَزة لحوم الناس.
ثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شريق. وقيل غيره. وقال مجاهد: هي عامة.
وقوله: (الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ) أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨] قاله السدي، وابن جرير.
وقال محمد بن كعب في قوله: (جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ) ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل، نام كأنه جيفة.
وقوله: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) أي: يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار؟ (كَلا) أي: ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى: (لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) أي: ليلقين هذا الذي جمع مالا فعدده في الحطمة وهي اسم من أسماء النار صفة؛ لأنها تحطم من فيها.
ولهذا قال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ) قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، ثم يقول: لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي. ابن كثير ٩/ ٤٨١ابن كثير ٩/ ٤٨١
وقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حَذْوَ حلقه ترجع على جسده.
وقوله: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) أي: مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد.
وقال ابن مَرْدُويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خَرزَاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) قال: "مطبقة" .
وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد، عن إسماعيل بن خالد عن أبي صالح، قوله، ولم يرفعه.
(فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) قال عطية العوفي: عمد من حديد. وقال السُّدِّي: من نار. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) يعني: الأبواب هي الممدوة .
وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممدة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب.
وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير.
وقال أبو صالح: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) يعني القيود الطوال.
آخر تفسير سورة "ويل لكل همزة لمزة" ابن كثير ٩/ ٤٨٢ابن كثير ٩/ ٤٨٢
لا كتاب مختار.