القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ١٥

سورة هود، الآية ١٥مكية
في سورتها

الشبهات

المختارةتأويل مشكل القرآندفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب
تأويل مشكل القرآنابن قتيبة

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) [هود: ١٥] . ابن قتيبة ص ٢٢٦

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتابالشنقيطي، ت ١٣٩٣هـ

قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ } [هود/ ١٥] .

هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأن الكافر يجازى بحسناته، كالصدقة وصلة الرحم وقِرى الضيف والتنفيس عن المكروب، في الدنيا دون الآخرة؛ لأنه تعالى قال: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} يعني الحياة الدنيا، ثم نص على بطلانها في الآخرة بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا} الآية [هود/ ١٦] .

ونظير هذه الآية قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} الآية [الشورى/ ٢٠] ، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} الآية [الأحقاف/ ٢٠] على ما قاله ابن زيد، وقوله: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور/ ٣٩] على أحد القولين، وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الأنفال/ ٣٣] على أحد الأقوال الماضية في سورة الأنفال.

وقد صح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن الكافر يجازى بحسناته في الدنيا.

مع أنه جاءت آيات أخر تدل على بطلان عمل الكافر واضمحلاله من أصله، وفي بعضها التصريح ببطلانه في الدنيا مع الآخرة في كفر الردة وفي غيره.

أما الآيات الدالة على بطلانه من أصله، فكقوله: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم/ ١٨] وكقوله: {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} الآية [النور/ ٣٩] ، وقوله: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } [الفرقان/ ٢٣] . الشنقيطي ١/ ١٦٤الشنقيطي ١/ ١٦٤

وأما الآيات الدالة على بطلانه في الدنيا مع الآخرة، فكقوله في كفر المرتد: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة/ ٢١٧] ، وكقوله في كفر غير المرتد: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } [آل عمران/ ٢١ - ٢٢] .

وبيَّن اللَّه تعالى في آيات أخر أن الإنعام عليهم في الدنيا ليس للإكرام بل للاستدراج والإهلاك، كقوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } [الأعراف/ ١٨٢ - ١٨٣] ، وكقوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [آل عمران/ ١٧٨] ، وكقوله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } [الأنعام/ ٤٤] ، وقوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون/ ٥٥ - ٥٦] وقوله: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم/ ٧٥] ، وقوله: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} إلى قوله: {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف/ ٣٣ - ٣٥] ، إلى غير ذلك من الآيات. الشنقيطي ١/ ١٦٥الشنقيطي ١/ ١٦٥

والجواب من أربعة أوجه:

الأول -ويظهر لي صوابه؛ لدلالة ظاهر القرآن عليه-: أن من الكفار من يثيبه اللَّه بعمله في الدنيا كما دلت عليه آياتٌ وصح به الحديث، ومنهم من لا يثيبه في الدنيا كما دلت عليه آياتٌ أخر.

وهذا مشاهد فيهم في الدنيا، فمنهم من هو في عيش رغد، ومنهم من هو في بؤس وضيق.

ووجه دلالة القرآن على هذا: أنه تعالى أشار إليه بالتخصيص بالمشيئة في قوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء/ ١٨] فهي مخصصة لعموم قوله تعالى: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} ، وعموم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} .

وممن صرح بأنها مخصصة لهما: الحافظ بن حجر في "فتح الباري" في كتاب الرقاق في الكلام على قول البخاري: "باب: المكثرون هم المقلون، وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} الآيتين" .

ويدل لهذا التخصيص قوله في بعض الكفار: {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الحج/ ١١] .

وجمهور العلماء على حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد، كما تقرر في الأصول.

الثاني -وهو وجية أيضًا-: أن الكافر يثاب عن عمله بالصحة وسعة الرزق والأولاد ونحو ذلك، كما صرح به تعالى في قوله: الشنقيطي ١/ ١٦٦الشنقيطي ١/ ١٦٦

{نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} يعني الدنيا، وأكد ذلك بقوله: {وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ }، وبظاهرها المتبادر منها -كما ذكرنا- فسرها ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، كما نقله عنهم ابن جرير.

وعلى هذا فبطلان أعمالهم في الدنيا بمعنى أنها لم يُعْتَدَّ بها شرعًا في عصمة دم ولا ميراث ولا نكاح ولا غير ذلك، ولا تفتح لها أبواب السماء ولا تصعد إلى اللَّه تعالى، بدليل قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر/ ١٠] ولا تدخر لهم في الأعمال النافعة، ولا تكون في كتاب الأبرار في عليين، وكفى بهذا بطلانا.

أما مطلق النفع الدنيوي بها فهو عند اللَّه كلا شيء، فلا ينافي بطلانها، بدليل قوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ} [آل عمران/ ١٨٥] ، وقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت/ ٦٤] ، وقوله: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} إلى قوله: {لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف/ ٣٣ - ٣٥] ، والآيات في مثل هذا كثيرة.

ومما يوضح هذا المعنى حديث: "لو كانت الدنيا تزن عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء" .

ذكر ابن كثير هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة} الآيات، ثم قال: أسنده البغوي من رواية زكرياء بن منظور عن أبي حازم عن سهل بن سعد -رضي اللَّه عنه- عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكره. الشنقيطي ١/ ١٦٧الشنقيطي ١/ ١٦٧

ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو عدلت الدنيا عند اللَّه جناح بعوضة ما أعطى كافرًا منها شيئًا" .

قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: لا يخفى أن مراد الحافظ بن كثير -رحمه اللَّه- بما ذكرناه عنه: أن كلتا الطريقين ضعيفة، إلا أن كل واحدة منهما تعتضد بالأخرى، فيصلح المجموع للاحتجاج، كما تقرر في علم الحديث من أن الطرق الضعيفة المعتبر بها يشد بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج.

لا تخاصم بواحدٍ أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويّا

لأن زكريا بن منظور بن ثعلبة القرظي وزمعة بن صالح الجندي كلاهما ضعيف، وإنما روح مسلم عن زمعة مقرونًا بغيره لا مستقلًا بالرواية, كما بينه الحافظ ابن حجر في "التقريب" .

الثالث: أن معنى: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} أي: نعطيهم الغرض الذي عملوا من أجله في الدنيا، كالذي قاتل ليقال: جريء، والذي قرأ ليقال: قارئ، والذي تصدق ليقال: جواد، فقد قيل له ذلك. وهو المراد بتوفيتهم أعمالهم على هذا الوجه.

ويدل له الحديث الذي رواه أبو هريرة مرفوعًا في المجاهد، والقارئ، والمتصدق، أنه يقال لكل واحد منهم: إنما عملت ليقال، فقد قيل. أخرجه الترمذي مطولًا، وأصله عند مسلم كما قاله ابن حجر. ورواه -أيضًا- ابن جرير. الشنقيطي ١/ ١٦٨الشنقيطي ١/ ١٦٨

وقد استشهد معاوية -رضي اللَّه عنه- لصحة حديث أبي هريرة هذا بقوله تعالى: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} ، وهو تفسير منه -رضي اللَّه عنه- لهذه الآية بما يدل لهذا الوجه الثالث.

الرابع: أن المراد بالآية المنافقون الذين يخرجون للجهاد، لا يريدون وجه اللَّه، وإنما يريدون الغنائم، فإنهم يقسم لهم فيها في الدنيا ولا حظَّ لهم من جهادهم في الآخرة، والقَسْمُ لهم منها هو توفيتهم أعمالهم على هذا القول.

والعلم عند اللَّه تعالى. الشنقيطي ١/ ١٦٩الشنقيطي ١/ ١٦٩