وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا وأن الصراط حق للحساب كل ما فعل من حسنة ومن سيئة فيحاسب المؤمن بالفضل والمنافق والكافر بالحجة والعدل فالمؤمن يخلو بربه فيقول الله سبحانه وتعالى له: "سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك يوم القيامة" والكافرون يحاسبون على رؤوس الأشهاد وينادى بهم {هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} " وتوضع الموازين الخ" أي تنصب الموازين لإظهار العدل {فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} يأتي بها الله يوم القيامة {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} فهو المفلح الذي فاز بالسعادة التي لا شقاء بعدها ومن خفت موازينه فهو الشقي الذي شقي شقاء لا سعادة بعده "ويؤتون صحائفهم الخ" يعني أن الأمم يؤتون صحائفهم جمع صحيفة وهي كتب أعمالهم فإذا أعطوها يخلق الله تعالى فيهم علما ضروريا فيفهمون ما فيها فمن أوتي كتابه بيمينه كان ذلك دليلا على أنه من أهل اليمين والسعادة ومن أوتي كتابه بشماله كان ذلك دليلا على أنه من أهل الشقاء وأهل الشمال وكان الأولى للمؤلف أن يقدم قوله ويؤتون الصحف على الوزن لأن الوزن بعد الحساب والحساب بعد أخذ الصحف "وأن الصراط حق" وفي وصفه كلام طويل قيل إنه أدق من الشعرة وأحد من السيف وهو ما يفيده ظاهر الحديث وذهب إليه كثير وخالف في ذلك القرافي قائلا لم يصح في الصراط أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف والذي صح أنه عريض وفيه طريقان يمنى ويسرى
وفي حديث بعد الكلام على المؤمن: (وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (٤) ). وروى أبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} ، قال: عن كل شيء من لذة الدنيا. العاشر: قال المحاسبي رحمه الله تعالى: توهم ذلَّتَكَ وانفرادك وغربتك في القيامة وغمومك وأحزانك في زحمة الخلائق أذلاء مصمتون بالذلة والمسكنة والرهبة فلا تسمع إلا همس أقدامهم وهم مقبلون نحو المنادي ساعين إليه بالذلة والخشوع، وقد اجتمعت الأمم من الإنس والجن حفاة عراة أذلاء قد نزع الملك من ملوكهم، ولزمهم الصغار بعد عتوهم والذلة بعد تكبرهم، ثم أقبلت الوحوش من أماكنها منكسة رؤوسها بعد توحشها من الخليقة وانفرادها ذليلة من هول يوم النشور من غير ريبة أتتها ولا خطيئة أصابتها حتى وقفت من وراء الخلائق بالذلة والانكسار للملك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد تمردها وعتوها خاضعة ذليلة للعرض على الملك الديان حتى تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها، تناثرت نجوم السماء من فوقهم وطمست الشمس والقمر فأظلما عليهم، وصارت سماء الدنيا من فوقهم ثم انشقت بغلظها وهي خمس مائة عام، فيا هول انشقاقها في سمعك، ثم ذابت حتى صارت مثل الفضة المذابة وهبطت الملائكة من حافاتها إلى الأرض بالتقديس لربها، فتوهم انحدارهم من السماء بعظم أجسادهم، وهول أصواتهم، وشدة فرقهم من خوف ربهم، فتوهم فزعك وفزع الخلائق عند نزولهم مخافة أن يكونوا قد أمروا بهم فأخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسي رؤوسهم لعظم هول يومهم، قد تسربلوا أجنحتهم ونكسوا رؤوسهم بالذلة والخشوع لربهم،