دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ١٢٢
مواضع التقديم والتأخير: الاستفهام
١١٤ - وكذلك الحكْمُ في قولِهِ تَعالى: {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} [القمر: ٢٤] ٢، وذلك لأنهم كُفْرَهم على أَنَّ مَنْ كان مثْلَهم بَشَراً، لم يكُن بمثابةِ أنْ يُتَّبع ويُطاع، ويُنْتَهَى إِلى ما يَأْمر، ويُصدَّقَ أَنه مبعوثٌ منَ الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعتهِ، كما جاء في الأُخرى: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا} [إبراهيم: ١٠] ، وكقوله عزَّ وجلَّ {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً} [المؤنون: ٢٤] .
فهذا هو القولُ في الضَّربِ الأَول، وهو أن يكونَ "يَفْعلُ" بَعد الهمزة لِفعلٍ لم يكن.
فمثالُ الأوَّلِ قولُك للرجل يَبْغي ويَظْلِمُ: "أَأنت تجيءُ إلى الضَّعيف فتغضبُ مالَه؟ " ، "أأنتَ تَزْعُم أنَّ الأمرَ كَيْتَ وكَيتَ؟ " وعلى ذلك قولُه تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين} [يونس: ٩٩] .
ومثال الثاني: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} [الزخرف: ٣٢] .
دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٣٣٣
باب القصر والاختصاص
٣٩٣ - قولهُ تعالى: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [إبراهيم: ١٠] إنما جاء، والله أعلم، "بإن" و "إلاَّ" دونَ "إنَّما" ، فلم يَقُلْ: "إنما أنتُم بشرٌ مثلُنا" ، لأنهم جعلوا الرسلَ كأنهم بادِّعائهم النبوَّة قد أَخرجوا أنفُسَهم عن أن يكونوا بَشَراً مثلَهم، وادَّعوا أمْراً لا يجوزُ أنْ يكَون لِمَنْ هو بشرٌ. ولمَّا كان الأمرُ كذلك، أُخرجَ اللفظُ مُخرَجَهُ حيثُ يُرادُ إثباتُ أمرٍ يدفَعُه المخاطَبُ ويدَّعي خلافَه، ثم جاء الجوابُ منَ الرسُل الذي هو قولُه تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [إبراهيم: ١١] ، كذلك "بإن" و "إلا" دون "إنَّما" ، لأنَّ مِنْ حُكْمِ مَنْ ادَّعى عليه خصْمُه الخلافَ في أمرٍ هو لا يُخالِفُ فيه، أن يُعيد كلامَ الخصْمِ على وجه، ويجيءَ به على هيئتِه ويَحْكيه كما هو. فإِذا قلتَ للرجلِ: "أنتَ مِنْ شأنِكَ كيتَ وكيتَ" ، قال: "نَعَمْ، أنا مَنْ شأني كيتَ وكيتَ، ولكنْ لا ضَيْرَ عَلَيَّ، ولا يلزَمُني مِنْ أجْلِ ذلك ما ظنَنْتُ أنه يلزَمُ" فالرُّسُلُ صلواتُ اللهُ عليهم كأنهم قالوا: "إنَّ ما قُلْتُم مِنْ أَنَّا بشرٌ مثلُكم كما قلتم، لَسْنا نُنْكِر ذلك ولا نَجْهَلُه، ولكنَّ ذلك لا يَمْنعُنا مِنْ أن يكونَ اللهُ تعالى قَدْ منَّ علينا وأكْرَمنا بالرسالة.
الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٥/ ٦٦