(قَوْلُهُ: لِبُعْدِهِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا يُحْصَى، وَحُذِفَ مِنْ قَبْلُ قَوْلُهُ أَنْ يَسْتَقْصِيَ لِأَمْنِ اللَّبْسِ، وَهُوَ شَائِعٌ مُطَّرِدٌ: أَيْ لَا يُمْكِنُ إحْصَاؤُهُ لِتَبَاعُدِهِ مِنْ طَلَبِ اسْتِقْصَائِهِ: أَيْ غَايَتِهِ وَمُنْتَهَاهُ وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ لَا يُحْصَى أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِنَا لَا يُعَدُّ؛ لِأَنَّ الْعَدَّ أَنْ تَعُدَّ فَرْدًا فَرْدًا، وَالْإِحْصَاءُ يَكُونُ لِلْجُمَلِ؛ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى - {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}- مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ أَرَدْتُمْ عَدَّهَا فَلَا تَقْدِرُوا عَلَى إحْصَائِهَا، فَضْلًا عَنْ الْعَدِّ كَذَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى
وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٨
في الفقه
الحنفية١
المالكية٣
(قَوْلُهُ أَنْ أَعُدَّ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِحْصَاءَ مَعْنَاهُ الْعَدُّ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى سَلْبِ الْعُمُومِ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ السَّلْبِ فَاللَّفْظُ لَا يُطَابِقُ الْمُرَادَ بَلْ يُضَادُّهُ وَإِنَّمَا كَانَتْ آحَادُ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ لَا يُمْكِنُ عَدُّهَا لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ وَهِيَ لَا تُعَدُّ أَيْ لَا يُمْكِنُ عَدُّهَا بِتَمَامِهَا بِشَهَادَةِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}
وَلَمَّا أَوْهَمَ قَوْلُهُ يُوَافِي إلَخْ إحْصَاءَهُ الثَّنَاءَ عَلَى النِّعَمِ، وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ هِيَ لَا تُحْصَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ (لَا أُحْصِي) أَيْ لَا أَضْبِطُ (ثَنَاءً) أَيْ وَصْفًا بِجَمِيلٍ (عَلَيْهِ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى. (هُوَ) أَيْ اللَّهُ تَعَالَى تَوْكِيدٌ لِهَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ مُبْتَدَأٌ أَيْ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ الثَّنَاءُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعَالَى (كَمَا) الْكَافُ زَائِدٌ وَمَا مَوْصُولٌ اسْمِيٌّ خَبَرُ هُوَ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ أَيْ اللَّهُ الَّذِي (أَثْنَى) أَوْ الثَّنَاءُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الثَّنَاءُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ حَرْفِيٌّ، وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ صِلَتِهِ مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ فَاعِلٍ خَبَرُ " هُوَ: عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَيْ اللَّهُ مُثْنٍ عَلَى نَفْسِهِ الثَّنَاءَ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ، أَوْ خَبَرٌ بِلَا تَأْوِيلٍ عَلَى الثَّانِي أَيْ الثَّنَاءُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ الْكَافُ أَصْلِيٌّ وَ " مَا " مَوْصُولٌ اسْمِيٌّ، أَوْ حَرْفِيٌّ وَالْجَارُ، وَالْمَجْرُورُ صِفَةُ ثَنَاءٍ أَيْ كَالثَّنَاءِ الَّذِي أَثْنَاهُ، أَوْ كَثَنَائِهِ (عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِطْلَاقُ لَفْظِ النَّفْسِ عَلَيْهِ تَعَالَى بِلَا مُشَاكَلَةٍ وَرَدَ فِي آيَةِ {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} وَحَدِيثِ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِك» وَدَعْوَى الْمُشَاكَلَةِ فِيهِمَا بَعِيدَةٌ (وَنَسْأَلُهُ) أَيْ اللَّهَ تَعَالَى (اللُّطْفَ) أَيْ الرِّفْقَ وَالرَّأْفَةَ (وَالْإِعَانَةَ) أَيْ خَلْقَ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَنْهِيَّاتِ وَكَسْبِهِمَا هَذَا هُوَ الْمُرَادُ،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٢/ ٣٦٢/ ٣٦
وقيل المراد بالفضل هنا في المصنف الإعطاء عن اختيار لغير عوض؛ لأن الفضل والتفضل والإفضال تطلق على الإعطاء عن اختيار لغير عوض وبالكرم الجود وهو: صفة ينشأ عنها بذل الكثير بلا علة والمعنى حينئذ والشكر له على الذي أعطانا إياه من أجل تفضله وجوده مما لا يعد ولا يحصى ولا يستقصى ويحتمل أن تكون ما موصولا حرفيا وعليه فالمفعول الثاني محذوف للإشارة إلى قصور العبارة عن الإحاطة به {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ومن تعليلية والمعنى حينئذ والشكر له على إعطائه إيانا نعما لا تحصى من أجل إحسانه إلينا وجوده تعالى علينا.
الشافعية٤
قُلْت الْمُقَابَلَةُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ اسْتِحَالَةِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ اللَّفْظُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ الْجَمَالُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى إبْدَاعِ الشَّيْءِ عَلَى آنَقْ وَجْهٍ وَأَحْسَنِهِ وَسَيَأْتِي فِي الرِّدَّةِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ فِيهِ مُرْسَلًا اُعْتُضِدَ بِمُسْنَدٍ بَلْ رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ «ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُنَكَّرَ وَالْمُعَرَّفِ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُنَكَّرِ لَا يُغَيِّرُ مَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي فِي اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَبِالْإِجْمَاعِ النُّطْقِيِّ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَلَقِّي ذَلِكَ الْمُرْسَلِ بِالْقَبُولِ وَلِإِشْعَارِ الْعَاطِفِ بِالتَّغَايُرِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَتَهُ حُذِفَ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ}{مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ}{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} الْآيَاتُ وَأُتِيَ بِهِ فِي نَحْوِ {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ}{ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا}{الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (الَّذِي) لِكَثْرَةِ بِرِّهِ وَسَعَةِ جُودِهِ فَلِذَا أُخِّرَ عَنْ ذَيْنِك (جَلَّتْ) عَظُمَتْ وَلِاسْتِقْرَارِ هَذِهِ الصِّلَةِ فِي النُّفُوسِ وَإِذْعَانِهَا لَهَا عُدِلَ لِذَلِكَ عَنْ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ عَنْ الْإِحْصَاءِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّهُ إنَّمَا أُتِيَ بِالْمَوْصُولِ هُنَا لِقَاعِدَةٍ هِيَ أَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِاَلَّذِي لِوَصْفِهِ تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ لَهُ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ تَوْقِيفٌ وَكَانَ قَائِلُهُ فَهِمَ أَنَّ هَذَا لَا يُؤَدَّى إلَّا بِوَصْفٍ لَهُ تَعَالَى وَقَدْ عَلِمْت تَأْدِيَتَهُ بِوَصْفِ النِّعَمِ بِمَا ذُكِرَ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ لِتَوْقِيفٍ (نِعَمُهُ) فِيهِ إيهَامٌ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ حَصْرِهَا جَمْعُهَا الْمُنَافِي {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ} أَيْ تُرِيدُوا عَدَّ أَوْ تَشْرَعُوا فِي عَدِّ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ نِعَمِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أَنَّ مَدْلُولَ الْعَامِّ كَالْمُفْرَدِ الْمُضَافِ هُنَا كُلِّيَّةً {لا تُحْصُوهَا} أَيْ لَا تَحْصُرُوهَا فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى أَنْعَامٍ وَجَمْعُهُ لَا إيهَامَ فِيهِ أَيْ جَلَّتْ أَنَعَمَاتِهِ أَيْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ أَثَرٍ مِنْ آثَارِهَا عَنْ أَنْ تُحَدَّ فَيَشْمَلُ الْقَلِيلَ أَيْضًا وَمَعَ هَذَا التَّعْبِيرِ بِنِعْمَةٍ مُوَافَقَةٍ لِلَفْظِ الْآيَةِ أَوْلَى وَمِنْ ثَمَّ أَصْلَحَ فِي نُسْخَةٍ وَكُلُّ نِعْمَةٍ وَإِنْ سَلِمَ حَصْرُهَا هُوَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا لَا مُتَعَلِّقَاتِهَا مَعَ دَوَامِهَا مَعَاشًا وَمَعَادًا وَهِيَ أَيْ حَقِيقَةُ كُلِّ مُلَائِمٍ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نِعْمَتُهُ بِالْإِفْرَادِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} وَأَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى، وَالنِّعْمَةُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْإِحْسَانُ، وَبِفَتْحِ النُّونِ التَّنَعُّمُ، وَبِضَمِّهَا الْمَسَرَّةُ (عَنْ الْإِحْصَاءِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ الضَّبْطِ وَالْإِحَاطَةِ.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَيْ أَفْتَتِحُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) هِيَ مِنْ صِيَغِ الْحَمْدِ وَهُوَ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ إذْ الْقَصْدُ بِهَا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِمَضْمُونِهَا مِنْ أَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ مِنْ الْخَلْقِ أَوْ مُسْتَحِقٌّ لَأَنْ يَحْمَدُوهُ لَا الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ (الْبَرِّ) بِالْفَتْحِ أَيْ الْمُحْسِنِ (الْجَوَادِ) بِالتَّخْفِيفِ أَيْ الْكَثِيرِ الْجُودِ أَيْ الْعَطَاءِ (الَّذِي جَلَّتْ) أَيْ عَظُمَتْ (نِعَمُهُ) جَمْعُ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى إنْعَامٍ (عَنْ الْإِحْصَاءِ) أَيْ الضَّبْطِ (بِالْأَعْدَادِ) أَيْ بِجَمِيعِهَا {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} (الْمَانِّ) أَيْ الْمُنْعِمِ (بِاللُّطْفِ) أَيْ بِالْإِقْدَارِ عَلَى الطَّاعَةِ (وَالْإِرْشَادِ) أَيْ الْهِدَايَةِ لَهَا (الْهَادِي إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ) أَيْ الدَّالِ عَلَى طَرِيقِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْغَيِّ (الْمُوَفِّقِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ) أَيْ الْمُقْدِرِ عَلَى التَّفَهُّمِ فِي الشَّرِيعَةِ (مَنْ لَطَفَ بِهِ) أَيْ أَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ (وَاخْتَارَهُ) لَهُ (مِنْ الْعِبَادِ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ) أَيْ أَنْهَاهُ (وَأَكْمَلَهُ وَأَزْكَاهُ) أَيْ أَنْمَاهُ (وَأَشْمَلَهُ) أَيْ أَعَمَّهُ الْمَعْنَى أَصِفُهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ إذْ كُلٌّ مِنْهَا جَمِيلٌ وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ إيجَادُ الْحَمْدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَمْدِهِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلُهُ وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ» أَيْ نَحْمَدُهُ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ (وَأَشْهَدُ) أَيْ أَعْلَمُ (أَنْ لَا إلَهَ) لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ (إلَّا اللَّهُ) الْوَاجِبُ الْوُجُودِ (الْوَاحِدُ) أَيْ الَّذِي لَا تَعَدُّدَ لَهُ فَلَا يَنْقَسِمُ بِوَجْهٍ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، فَلَا مُشَابَهَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ (الْغَفَّارُ) أَيْ السَّتَّارُ لِذُنُوبِ مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يُظْهِرُهَا بِالْعِقَابِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَقُلْ الْقَهَّارُ بَدَلَ الْغَفَّارِ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَهْرِ مَأْخُوذٌ مِمَّا قَبْلَهُ إذْ مِنْ شَأْنِ الْوَاحِدِ فِي مُلْكِهِ الْقَهْرُ. (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ) أَيْ مِنْ النَّاسِ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ (صَلَّى اللَّه وَسَلَم عَلَيْهِ وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ) أَيْ عِنْدَهُ وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ الدُّعَاءُ أَيْ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَزِدْهُ.
وَأَمَّا النَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ فَهِيَ التَّنَعُّمُ وَبِضَمِّهَا الْمَسَرَّةُ نِهَايَةٌ زَادَ الْمُغْنِي وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نِعْمَتُهُ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} وَأَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى اهـ قَالَ الرَّشِيدِيُّ قَوْلُهُ م ر بِمَعْنَى إنْعَامٍ لَمْ يُبْقِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ حَصْرِهَا جَمْعُهَا فَيُنَافِي صَرِيحًا {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} الْمُقْتَضَى انْتِفَاءُ الْإِحْصَاءِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ النِّعَمِ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ فَالْحَمْدُ عَلَى الْإِنْعَامِ وَإِنْ أَوْهَمَ أَنَّ عَدَمَ الْإِحْصَاءِ بِسَبَبِ جَمْعِيَّتِهِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُنَافَاةٌ صَرِيحَةٌ لِلْآيَةِ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ اهـ.
الحنابلة١٣
قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ومن ثم قال - عليه السلام -: "سبحانَك لا نُحصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أَثنيتَ على نفسِكَ". (وإياه أستعين) أي: أطلب المعونة منه دون غيره، لأنه القدير وغيره العاجز. (وأستغفره) أي: أطلب منه المغفرة أي: الستر عما فرط. (وأتوب) أي: أرجع (إليه إن الله يحب التوابين) الرجاعين إليه مما فرط منهم من الذنوب. (وأشهد) أي: أعلم (أن لا إله) أي: معبود بحق في الوجود (إلا الله وحده) أي: منفردًا في ذاته (لا شريك له) في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، (وبذلك أمرت) قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}، (وأنا من المسلمين) الخاضعين المنقادين لألوهية الله تعالى، القابلين لأمره ونهيه.
قال في رواية حرب -لو كان له نسوة، فقال: امرأته طالق-: أذهب إلى قول ابن عباس: "يقع عليهنَّ الطلاق" وليس هذا مثل قوله: إحدى الزوجات طالق. قال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} وقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} وهذا شامل لكل نعمة وكل ليلة،
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا؛ فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَطْلُقُ نِسَاؤُهُ كُلُّهُنَّ، وَيَعْتِقُ إمَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُضَافَ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} و {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ الْجَمَاعَةُ: يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ مُبْهَمَةٍ وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ قَالَ: إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ وَإِحْدَاكُنَّ حُرَّةٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَمْعِ إلَّا مَجَازًا وَالْكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهَا دَلِيلٌ وَلَوْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ لَوَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ؛
الشرح الممتع على زاد المستقنعص ٩٧ص ٩٧
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ،
الشرح الممتع على زاد المستقنعص ٩٧ص ٩٧
وقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [النحل]، فبيَّن الله حالَ الإنسان وشأن الربِّ عند النِّعمة العظيمة.
الشرح الممتع على زاد المستقنع٦/ ١٠٥٦/ ١٠٥
لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ، والنعمة المستمرَّة دائماً مع الإنسان فسلامةُ السمعِ، وسلامةُ البصرِ، وسلامةُ النُّطقِ، وسلامةُ الجسم، كلُّ هذا مِن النِّعَمِ.
الشرح الممتع على زاد المستقنع١٠/ ٦٥١٠/ ٦٥
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ، فقوله: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ هذا مفرد، والمفرد لو أريد به مدلوله لكنا نحصيه، لكن المراد كل النعم فهي لا تحصى، إذاً حكم الإسلام: أي جميع أحكام الإسلام. «في النفس والمال والعرض» في النفس، أي: إذا قتلوا أحداً قتلناهم،
وقال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا} وتأويله الرحمة بالإنعام، أو بإرادة الإنعام جرى على طريقة الأشعرية، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة الرحمة، مع القطع بأنها ليست كرحمة المخلوق ومن ثمرتها الإنعام، وإرادة الشيء قصده والعزيمة عليه.
الشرح الكبير على المقنع٢٣/ ٤٢٢٣/ ٤٢
وإن لم يَنْو شيئًا، فقال أبو الخَطَّاب: يَطْلُقُ نِساؤه كُلُّهُنَّ، ويَعْتِقُ إماؤه، لأنَّ الواحِدَ المُضافَ يُرادُ به الكُلُّ، كقولِه تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}. و:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ}. ولأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عباس.
المبدع في شرح المقنع٦/ ١١٦/ ١١
وَقِيلَ: أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ، وَفِي الْمُغْنِي: إِذَا قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَأَمَتِي حُرَّةٌ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تُطَلَّقُ الْكُلُّ وَيُعْتَقْنَ ; لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُضَافَ يَعُمُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} الْآيَةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
المبدع في شرح المقنع٦/ ٤٠٧٦/ ٤٠٧
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَالْمَذْهَبُ: تُطَلَّقُ نِسَاؤُهُ، وَتُعْتَقُ إِمَاؤُهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُضَافَ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} وَقَالَ الْجَمَاعَةُ: يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ مُبْهَمَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا مَجَازًا،
(وَ) إنْ قَالَ (عَبْدِي حُرٌّ أَوْ) قَالَ (أَمَتِي حُرَّةٌ أَوْ) قَالَ (زَوْجَتُهُ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنًا) مِنْ عَبِيدِهِ وَلَا إمَائِهِ وَلَا زَوْجَاتِهِ (عَتَقَ) الْكُلُّ مِنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ (وَطُلِّقَ الْكُلَّ) مِنْ زَوْجَاتِهِ نَصًّا (لِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: لَفْظَ عَبْدِي أَوْ أَمَتِي أَوْ زَوْجَتِي (مُفْرَدٌ مُضَافٌ، فَيَعُمُّ) الْعَبِيدَ أَوْ الْإِمَاءَ أَوْ الزَّوْجَاتِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: لَوْ كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ، فَقَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ، أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَقَعُ عَلَيْهِنَّ الطَّلَاقُ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: إحْدَى الزَّوْجَاتِ طَالِقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} ،
شرح منتهى الإرادات٢/ ٥٩٠٢/ ٥٩٠
قَالَ أَحْمَدُ: فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ. لَوْ كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ فَقَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَقَعُ عَلَيْهِنَّ الطَّلَاقُ. لَيْسَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِ: إحْدَى الزَّوْجَاتِ طَالِقٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ نِعْمَةٍ، وقَوْله تَعَالَى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ} وَحَدِيثِ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَرْدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» .