إعجاز القرآن والبلاغة النبويةمصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي، ت ١٣٥٦هـص ١٨٥
(فصل) إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغةيقلب أفئدتهم، وأبصارهم، فهذه للعقل، وتلك للإلهام، وكل يغني شأنه (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) . وعلى هذا الوجه الذي بسطناه من أمر الإلهام والتحديث يكون وحي السياسة المنطقية التي أومأنا إليها وهي في لغة كل أمة أبلغ البلاغة، غير أنها في القرآن الكريم مما يُعجز الطوقَ، ولا تحتمله قوة النبوغ الإنساني، فقد أحكمت في آياته إحكاماً أظهرها مخلوقة خلقاً إلهياً، ولا مصنوعة صنعة إنسانية، وجعل كل آية منها كأنها في الكلام نفسٌ كلامية. ولا نظن بتة أن عربياً يطمع في مثل ما جاء به أو يطوعه له الوهم، مهما بلغ من سقو فطرته ورقة حسه، ومن بصره بطرق الوضع التركيبي. ولولا القرآن وما بسطنا من أمره في كل ما سلف، وأنه على تلك الجهات المعجزة، لما أدرك العرب في أمرهم دركاً، ولفاتهم من ذلك الفوت كله، وإنَّما العرب نفوسهم وقرائحهم، وإنَّما القرآن بلاغته وفصاحته؛ وعلى هذا قوله تعالى في خطاب نبيه - صلى الله عليه وسلم -: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) . فذلك ما علمت. ونحن نرجو في البيان الذي قصدنا إليه، أن نكون قد عرَّفنا على حقِّه وصدقه، وجئنا به من فصِّه ونصِّه، بلغنا من جملته ما لا يقصر عن الإفادة، إن قصر عن الإجادة، وما لا ينزل مقداره إلى حد النقصان إن لم يبلغ حد الزيادة، وأن نكون قد كفينا، وإن لم نكن استوفينا، فإنما هو أمر كما عرفت؛ لم يوطئ له من قبلنا بأسباب، وبناء من الكلام قد أشرفوا عليه ولكنهم لم يأتوه من " هذا الباب " .