القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٣٩

سورة مريم، الآية ٣٩مكية
في سورتها

التفسير

المختارةتفسير القرآن الكريمالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

وأنذر - أيها الرسول - الناس يوم الندامة حين يُقضى الأمر، ويُجَاءُ بالموت كأنَّه كبش أملح، فيُذْبَح، ويُفصل بين الخلق، فيصير أهل الإيمان إلى الجنة، وأهل الكفر إلى النار، وهم اليوم في هذه الدنيا في غفلة عمَّا أُنذروا به، فهم لا يصدقون، ولا يعملون العمل الصالح.

تفسير القرآن الكريمابن القيم، ت ٧٥١هـ
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَابن القيم ١/ ٣٦٩ابن القيم ١/ ٣٦٩

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم. هذا الموت، ثم يقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون:

نعم. هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ متفق عليه.

وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال «يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة، لا موت، ويا أهل النار، لا موت.

كلّ خالد فيما هو فيه»

وعنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار، أتى بالموت، حتى يجعل بين النار والجنة. ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، لا موت. ويا أهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا. ويزداد أهل النار حزنا»

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت ملبّبا، فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطّلعون خائفين. ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة. فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول هؤلاء وهؤلاء: قد عرفناه، هو الموت الذي وكّل بنا، فيضجع فيذبح ذبحا على السور، قم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت» رواه النسائي والترمذي ابن القيم ١/ ٣٦٩ابن القيم ١/ ٣٦٩

، وقال: حديث حسن صحيح.

وهذا الكبش والأضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيل، كما أخطأ فيه بعض الناس خطأ قبيحا. وقال: الموت عرض والعرض لا يتجسم، فضلا عن أن يذبح.

وهذا لا يصح. فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح، كما ينشئ من الأعمال صورا يثاب بها صاحبها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساما تكون الأعراض مادة لها. وينشئ من الأجسام أعراضا، كما ينشئ سبحانه من الأعراض أعراضا. ومن الأجسام أجساما.

فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة للرب تعالى، ولا يستلزم جمعا بين النقيضين، ولا شيئا من المحال، ولا حاجة إلى تكلف من قال: إن الذبح لملك الموت، فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله، ومن التأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل، وسببه: قلة الفهم لمراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من كلامه، فظن هذا القائل: أن لفظ الحديث يدل على أن نفس العرض يذبح.

وظن غالط آخر: أن العرض يعدم ويزول، ويصير مكانه جسم يذبح، ولم يهتد الفريقان إلى هذا القول الذي ذكرناه، وأن الله سبحانه ينشئ من الأعراض أجساما ويجعلها مادة لها، كما

في الصحيح عنه صلّى الله عليه وسلّم قال «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان- الحديث»

فهذه هي القراءة التي ينشئ منها الله سبحانه غمامتين. وكذلك قوله ابن القيم ١/ ٣٧٠ابن القيم ١/ ٣٧٠

في الحديث الآخر «ما تذكرون من جلال الله: من تسبيحه وتحميده وتهليله؟ يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن» ذكره أحمد

. وكذلك

قوله في عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها المقبور «فيقول: من أنت؟

فيقول: أنا عملك الصالح، وأنا عملك السيء»

وهذا حقيقة لا خيال، ولكن الله سبحانه أنشأ للمؤمن من عمله صورة حسنة وللفاجر من عمله وصورة قبيحة.

وهل النور الذي يقسم بين المؤمنين يوم القيامة إلا نفس إيمانهم؟

أنشأ الله سبحانه لهم منه نورا يسعى بين أيديهم؟ فهذا أمر معقول، وإن لم يرد به النص، فورود النص به من باب تطابق العقل والسمع.

وقال سعيد عن قتادة: بلغنا أن نبي الله صلّى الله عليه وسلّم قال «إن المؤمن إذا اخرج من قبره صور الله له عمله في صورة حسنة وبشارة حسنة، فيقول له: من أنت؟

فو الله إني لأراك امرأ صدق، فيقول: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة. وأما الكافر فإذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة، وبشارة سيئة، فيقول: من أنت؟ فو الله إني لأراك امرأ سوء، فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار»

وقال مجاهد مثل ذلك.

وقال ابن جريج: يمثل له عمله في صورة حسنة، وريح طيبة، يعارض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيجعل له نورا بين يديه، حتى يدخله الجنة، فذلك قوله: ١٠: ٩ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويليله، حتى يقذفه في النار.

وقال ابن المبارك: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن أنه ذكر هذه الآية ٣٧: ٥٨، ٥٩ أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ؟ قال: علموا أن كل نعيم بعده الموت: أنه يقطعه، فقالوا: ابن القيم ١/ ٣٧١ابن القيم ١/ ٣٧١

أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين؟ قيل: لا، قالوا: إن هذا لهو الفوز العظيم.

وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أمن أهل الجنة من الموت، فطاب لهم العيش، وأمنوا من الأسقام، فهنأهم في جوار الله طول المقام، ثم يبكي حتى تجري دموعه على لحيته. ابن القيم ١/ ٣٧٢ابن القيم ١/ ٣٧٢

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَعلى الآيات ٣٩ إلى ٤٠ابن كثير ٦/ ٢٣٢ابن كثير ٦/ ٢٣٢

ثم قال تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة، (إِذْ قُضِيَ الأمْرُ) أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار، ودَخل كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه، (وَهُمْ) أي: اليوم (فِي غَفْلَةٍ) عما أنذروا به (وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: لا يُصَدقون به.

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد [الخدري] قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ " قال: "فيشرئبون [فينظرون] ويقولون: نعم هذا الموت" . قال: "فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ " قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت " قال: " فيؤمر به فيذبح " قال: " ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت " قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) وأشار بيده قال: " أهل الدنيا في غفلة الدنيا".

هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث الأعمش، به . ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، مثله. وفي سنن ابن ماجه وغيره، من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه وهو في الصحيحين عن ابن عمر . ورواه ابن جُرَيْج قال: قال ابن عباس: فذكر من قبله نحوه . ورواه أيضًا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح والناس ينظرون وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيل، حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله -هو ابن مسعود-في قصة ذكرها، قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو يوم الحسرة. [فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا، كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة] قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن مَنَّ الله عليكم …

وقال السدي، عن زياد، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن ابن مسعود في قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ) قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح، حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يُميتُ الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم، إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة، هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار، هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتًا من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة ماتوا فذلك قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ) يقول: إذا ذبح الموت. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره. ابن كثير ٦/ ٢٣٣ابن كثير ٦/ ٢٣٣

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .

وقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو، تعالى وتقدس ولا أحد يَدّعي مُلْكا ولا تصرفًا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئًا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.

قال ابن أبي حاتم: ذكر هدبة بن خالد القيسي: حدثنا حزم بن أبي حزم القُطَعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه: أنه يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون. ابن كثير ٦/ ٢٣٤ابن كثير ٦/ ٢٣٤