وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًۭا ٨٠
التفسير
ونرثه مالَه وولده، ويأتينا يوم القيامة فردًا وحده، لا مال معه ولا ولد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه. فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد [فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ ] حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك، فأنزل الله: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) إلى قوله: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) .
أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما، من غير وجه، عن الأعمش به ، وفي لفظ البخاري: كنت قينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه. فذكر الحديث وقال: (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) قال: موثقًا.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق قال: قال خَبَّاب بن الأرت، كنت قينًا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال: فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه ، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد. قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) إلى قوله: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) . ابن كثير ٦/ ٢٥٩ابن كثير ٦/ ٢٥٩
وقال العَوْفِيّ عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فضرب الله مثله في القرآن فقال (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا) إلى قوله: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا)
وهكذا قال مجاهد، وقتادة، وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل.
وقوله: (لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) قرأ بعضهم بفتح "الواو" من "ولدا" وقرأ آخرون بضمها، وهو بمعناه، قال رؤبة:
الحمْدُ للهِ العزيز فَرْدًا … لَمْ يتخذ مِنْ وُلْد شيء وُلْدا
وقال الحارث بن حلزة:
وَلَقَد رأيتُ معَاشرًا … قد تمرُوا مالا وَولْدا
وقال الشاعر:
فَلَيت فُلانًا كانَ في بَطْن أمه … وَليتَ فُلانًا كان وُلْد حِمَار
وقيل: إن "الوُلْد" بالضم جمع، "والوَلَد" بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.
وقوله: (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ) : إنكار على هذا القائل، (لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تَألى وحلف على ذلك، (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) : أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) قال: لا إله إلا الله، فيرجو بها . وقال محمد بن كعب القرظي: (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) . ابن كثير ٦/ ٢٦٠ابن كثير ٦/ ٢٦٠
وقوله: (كَلا) : هي حرف رَدْع لما قبلها وتأكيد لما بعدها، (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) أي: من طلبه ذلك وحُكْمه لنفسه بما تمناه، وكفره بالله العظيم (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) أي: في الدار الآخرة، على قوله ذلك، وكفره [بالله] في الدنيا.
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) أي: من مال وولد، نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يُؤْتى في الدار الآخرة مالا وولدا، زيادة على الذي له في الدنيا؛ بل في الآخرة يُسلَب من الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) أي: من المال والولد.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) ، [قال: نرثه]
وقال مجاهد: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) : ماله وولده، وذلك الذي قال العاص بن وائل.
وقال عبد الرزاق، عن مُعْمَر، عن قتادة: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) قال: ما عنده، وهو قوله: (لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا) وفي حرف ابن مسعود: "ونرثه ما عنده" .
وقال قتادة: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) : لا مال له، ولا ولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) قال: ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها، قال: (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) قال: فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير. ابن كثير ٦/ ٢٦١ابن كثير ٦/ ٢٦١
لا كتاب مختار.