فأما قوله تعالى {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} فكذلك نقول أنه يفرقون بالنميمة والحيل وإنما يمنع أن نقول يفعل فعلًا لا يتصل بهما فيفارقهما.
قلنا الإذن والإيذان وإن اختلف تصريفها، فأصلهما العلم، بدلالة قوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} . لا يجوز أن يكون المراد به: إلا بعلمه؛ لأن الله تعالى ما أباح السحر، فلم يبق إلا أن يكون من العلم.
السحر: عزائم ورقى وعُقَد تؤثر في الأبدان، والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ، وقال الله سبحانه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} إلى قوله:
وإذا ظهر أمره يؤدب، وهذا المعنى المراد للفقهاء من السحر واضح جلي لا يحتاج إلى كبير فلسفة في بيان معنى السحر ووسائله، ولعل هذا المراد بقوله تعالى: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} فالمراد بالسحر العبارات الفاسدة، والأعمال المنكرة التي ترضي الشياطين، فتعمل من الخبائث ما هو داخل تحت قدرتها.
أما الفريق الثاني فإنه يحتج بقصة هاروت وماروت الواردة في القرآن الكريم قال تعال: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحرن وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} .
ولهذا حدثت الآية عن الآثار المترتبة على أعمال هؤلاء، فقد قال تعالى: {فيتعلمون منهما ما يقرفون به بين المرء وزوجه} فكل ما كان يترتب على فعلهم من الآثار هو الفرقة بين المرء وزوجه، وهذه مسألة قد تقع بغير السحر الخارق للعادة، ولنا من الواقع ما يؤيد هذا،
من هذه الروايات وغيرها تعلم أن السحر حق ثابت، وقد وقع وحصل لأنه ثابت بنص القرآن الكريم قال تعالى: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} وقال تعالى: {ما جئتم به السحر إن الله سيبطله} وقال تعالى:
- ٥ - ما يقع باستخدام الشياطين بضرب من التقرب إليهم، والإتصال بهم، وساخدامهم، وتسخيرهم في قضاء المصالح، أو إقاع الضرر والأذى بالخلق، أو الإتيان بأخبارهم الماضية عن طريق اتصاله بالقرين. وهذا أشد انواع السحر وأخطره: قال تعالى: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} وكلما كان الساحر أكفر وأخبث، وأشد معاداة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى ,انفذ، وهذا الصنف من الناس هم أتباع الجن وعباده قال الله تعالى {بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم به مؤمنون} وقال تعالى: {ولبئس المولى ولبئس العشير} فالشياطين لا تسخر له ولا تقضي حوائجه إلا إذا أطاعها فيما تطلبه منه، وهي خبيثة كافرة لا تطلب من المؤمن إلا الكفر والضلال.
قالوا: وللسحر تأثير في المسحور فيغير مزاجه ويصيبه بأمراض عصبية، وتخيلات ختلفة، قود يؤثر في قوته فيضعفه، وقد يصل به إلى القتلن وبالسحر يستطعيون أن يفرقوا بين المرء وزوجه، ويفسدوا العلاقة الزوجية، ويحولوا حياتهما إلى جحيم، وقد تصل إلى الطلاق والفرقة، ويوقعوا بين المحبين العداوة والبغضاء والقطيعة، قال تعالى: {فيتعملون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} .
وإن السحر مهما كانت صفته فلا يضره إلا باذن الله عز وجل قال تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} القادر على كل شيء الذي إذا شاء اثر سحرهم ابتلاء منه سبحانه وتعالى أو عقاباً للمسحور على عصيانه،
{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} وقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} و {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} ، ولا يكاد يسمع من الفقهاء إلا قولهم: ما الفارق بين المسألتين، ولا يقال: ما المفرق بينهما بالتشديد ومقتضى هذه القاعدة أن يقول السائل: افرق لي بين المسألتين ولا يقول: فرق لي ولا بأي شيء يفرق، ومع أن كثيرا يقولونه بالأفعال دون اسم الفاعل. انتهى.
وقال الله سبحانه ودتعالى: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) إلى قوله سبحانه وتعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) . وروت عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله " .
(وساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء، ونحوه) ؛ كالمدعي أن الكواكب تخاطبه: (كافر) ؛ لقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) أي: وما كان ساحرا كفر بسحره. وهو قوله سبحانة وتعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) أي: لا نتعلمه فنكفر بذلك. وهذا يدل على أن متعلمه كافر. (كمعتقد حله) ؛ لأن القرآن نطق بتحريمه وثبت بالنقل المتواتر والإجماع على تحريمه.
وقال تعالى:{مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}. ويُقالُ: فارَقَتْه المرأةُ وفارَقَها. ولا يُقالُ: طَلَّقَتْه ولا سَرَّحَتْه، ولا تَطَلَّقَا ولا تَسَرَّحا.
ولو كَفَرَتْ لصَارَتْ مُرْتَدَّةً يجبُ قَتْلُها، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُها، ولأنَّه شيء يَضُرُّ بالنَّاسِ، فلم يَكْفُرْ بمُجَرَّدِه كأذاهم. ووَجْهُ قولِ الأصحابِ قولُ اللهِ تعالى:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}. إلى قولِه:{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}. وقولُه تعالى:{وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ}. أي ما كان ساحِرًا كَفَر بسِحْرِه. وقولُهما:{إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}. أي لا تَتَعَلَّمْه فَتَكْفُرَ بذلك، وقد ذَكَرْنا حديثَ هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبِيه، عن عائشةَ، أنَّ السَّاحِرَةَ سأَلَتْ أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهم مُتوافِرُونَ، هل لها من تَوْبَةٍ؟
أما كون من ذكر يكفر؛ فلأن الله تعالى قال:{وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر}.