احتجوا: بالظواهر الدالة على وجوب القصاص (قوله تعالى) : {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} وقوله: {ولكم في القصاص حياة} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: قتل نفس بغير نفس) .
فلما جاء الاسلام وضع حدا لهذا النظام الجائر، وأعلن أن الجاني وحده هو المسئول عن جنايته، وهو الذي يؤخذ بجريرته فقال: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى (١) الحر بالحر، والعبد بالعبد، والانثى بالانثى، فمن عفي له من أخيه شئ، فاتباع بالمعروف (٢) وأداء إليه بإحسان. ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ولكم في القصاص حياة يأولي الالباب لعلكم تتقون " .
فلو المتشرع الأجزية الزاجرة عن التعدي والقصاص من غير زيادة ولا انتقاص، لتجرأ ذوو الجهل والحمية، والنفس الأبية على القتل والفتك في الابتداء، وإضعاف ما جنى علهم في الاستيفاء، فيؤدي ذلك إلى التفاني، وفيه من الفساد ما لا يخفى، فاقتضت الحكمة شرع العقوبات الزاجرة عن الابتداء في القتل والقصاص المانع من استيفاء الزائد على المثل فورد الشرع ببذلك لهذه الحكمة حسماً عن مادة هذا الباب، قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} .
أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ركم ورحمة، فمن أعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} آيتي ١٧٨، ١٧٩ من سورة البقرة وقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعينن والأنف بالأنف، والأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} آية ٤٥ من سورة المائدة.
قال الشعبي وقتادة وغيرهما، إن اهل الجاهلية كان فيهم بغين وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعه، فقتل لهم عبد قتله عبد قوم آخرين، قالوا: لا نقتل به إلا شريفاًن ويقولون: القتل أوقى للقتل) بالواو والقاف، ويروى (أبقى) بالباء والقاف، ويروى (أنفى) بالنون والقاء، فنهاهم الله عن البغي فقال: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد} الآية {ولكم في القصاص حياة} .
ولا يرفع عنه الإصم في الآخرة، لأن المقتول ظلماً، لا منفعة له في القصاص البتة، وإنما القصاص منفعته للأحياء فقط، لينتهني الناس عن القتل. قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} ولما روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجيء المقتول متعلقاً بقاتله يوم القيامة، آخذاً رأسه بيده الأخرى، فيقول: يارب سل هذا فيم قتلني؟
والجواب: أن ذلك من محاسن التشريع السلامي وجقتع، وذلك لأن الغرض من العقوبة قد بينه الله تعالى في كتابه العزيز بقول: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألبابن لعلكم تتقون} آية [١٧٩ من البقرة] .
والجواب: أن في هذا القصاص تقليلاً لأرباب العاهات - لا تكثيراً - بل في القصاص قضاء على الجريمة، من أصلها، كما قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} آية [١٧٩ من سورة البقرة] .
قلت: قد يكون القصاص هو الأنفع باعتبار كثرة القتل وأن به ينزجر أمثاله وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه: {ولكم في القصاص حياة يا أولي} (البقرة: ١٧٩) ثم هذا قولهما وقال الثاني: ليس له القصاص لأنه لا يخلو عن الوارث غالبا أو أنه محتمل فكأن فيه شبهة.
قول عبد الباقي: ولما لم تلحقه معرة في القتل اكتفي باثنين أظهر منه أنه اكتفي فيه باثنين لحفظ النفوس، لأن القصاص شرع لذلك قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، والاجتزاء باثنين أردع للجُنَاة:
وأما من قال: إن القاتل مخلد في النار أبدا فقد أخطأ وخالف السنة؛ لأن القتل لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما اكتسب من صالح أعماله؛ لأن السيئات لا تبطل الحسنات، واختلف أهل العلم أيضا في القصاص من القاتل هل يكفر عنه إثم القتل أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى أنه يكفره عنه، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (الحدود كفارة لأهلها) فعمم ولم يخص قتلا من غيره، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يكفره عنه لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هو منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ويخص الحديث على هذا بما هو حق دليلا يتعلق به حق لمخلوق.
وإذا توعد الله قاتل النفس الواحدة بعذاب عظيم اعتقدنا مضاعفته في حق الاثنين، فكيف بجميع الناس؟. السابع: قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، قيل: الخطاب للورثة لأنهم إذا اقتصوا فقد سلموا وحيوا بدفع شر هذا القاتل عنهم الذي صار عدوا،
والأصل في الباب قبل الإجماع: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} , وقوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} قال ابن عطية: وهذا نحو قول العرب: القتل أنفى للقتل, ويروى: أبقى- بباء وقاف- وأوفى, بالواو.
فإن قيل: ينبغي ألَّا تعتق، كما: لا يرث إلا القاتل وكالمُدبَّر. أجيب: بأنها لو لم تعتق بذلك، لزم جواز نقل الملك فيها، ولا سبيل إليه؛ ولأن الحرية لله، والاستيلاد أقوى من التدبير. (ولوليِّه) أي: ولي السيد (مع فَقْدِ ولدها من سيدها) الوارث له (القصاص) لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}.
(وتُقتَلُ الجماعةُ بالواحد إذا كان فِعلُ كلِّ واحد منهم صالحًا للقتل به) لو انفرد؛ لقوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصُ حَيَاةٌ}؛ لأنه إذا علم أنه متي قَتَل قُتِل به؛ انكَفَّ به،
وقد اشتهر في الجاهلية عبارة يكتبونها ـ كما يقولون ـ بماء الذهب، وهي قولهم: القتل أنفى للقتل، أي: أنك إذا قتلت انتفى القتل، فهذه عبارة جيدة وبليغة، لكن عبارة القرآن أعظم بكثير، ونحن لا نريد أن نقارن بين كلام الله تعالى وكلام البشر، لكن نريد أن نبين أن القرآن في غاية ما يكون من البلاغة، ففي القرآن إثبات وفي هذه العبارة نفي، والإثبات أحق بالقبول من النفي، أيضاً الآية تشير إلى العدل في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ﴾،
قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} أي ولكم في هذا الجنس من الحكم، الذي هو القصاص، حياة عظيمة. لمنعه عما كانوا عليه، من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من الحياة، وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل، للعلم بالاقتصاص،