القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ٢٣

سورة البقرة، الآية ٢٣مدنية
في سورتها

الشواهد

من كتب البلاغة والإعجاز

بيان إعجاز القرآنأبو سليمان الخطابي، ت ٣٨٨هـص ٢٤

القول في بيان إعجاز القرآن

سورة أن تكون معجزة بنفسها لا يقدر أَحد من الخلق أَن ياتي بمثلها , فقال: {فاتوا بسورة من مِثْلِهِ وادْعوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ الله إن كُنْتُم صَادِقين} من غير تعيين , فدل على أَن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه. وزعم آخرون أَن إعجازه من جهة البلاغة , وهم الأكثرون من علماءِ أَهل النظر , وفي كيفيتها يعرض لهم الإِشكالُ , ويصعب عليهم منه الانفصال , ووجدت عامة أَهل هذه المقالة قد جروا فب تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن دون التحقيق له وإحاطة العلم به , ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختص بها القرآن , الفائقة في وصفها سائر البلاغات , وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة , قالوا إنه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأَمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام , وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربًا من المعرفة لا يمكن تحديده , وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذى يقع منه التفاضل فتقع في نفوس العلماءِ به عند سماعه معرفة ذلك , ويتميز في أَفهامهم قبيل الفاضل من المفضول منه. قالوا: وقد يخفى سببه عند البحث ويظهر أَثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به. قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا توجد مثلها لغيره منه , والكلامان معًا فصيحان , ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة. قلت: وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم , ولا يشفى من داءِ الجهل به , وإنما هو إشكال أَحيل به على إبهام , وقد تمثل بعضهم في هذا بأَبيات جرير التي نحلها ذا الرُّمة: ذكرت الرواة أن جريرًا مرّ بذي الرمة وقد عمل قصيدته التي أَولها:

إعجاز القرآنأبو بكر الباقلاني، ت ٤٠٣هـص ١٤

فصل في أن نبوة النبي معجزتها القرآن

فقال: (فَأتُواْ بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ شَهدَاءَكُمِ مِنْ دون الله إن كنتم صادقين) من غير تعيين. فدل على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه " ثم ذكر الرأى الرابع الذى ذهب إليه الاكثرون من علماء أهل النظر، وهو أن إعجازه من جهة " البلاغة " وقال: " ووجدت عامة أهل هذه المقالة، قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد، وضرب من غلبة الظن، دون التحقيق له، وإحاطة العلم به. ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التى اختص بها القرآن، وعن المعنى الذى يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة - قالوا: لا يمكننا تصويره، ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام: وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة، لا يمكن تحديده. وكان أفصح من عندهم وأعلمهم، وعدد كثير من معتزلة البصرة، أقدمهم أبو إسحاق النصيبينى، فقال الاحدب لبعض تلاميذه: سله، هل لله أن يكلف الخلق ما لا يطيقون، أو ليس له ذلك؟ - وكان غرضه تقبيح صورتنا عند الملك - فقلت له: إن أردتم بالتكليف القول المجرد فقد وجد ذلك، لان الله تعالى قال: (قل: كونوا حجارة أو حديدا) ونحن لا نقدر أن نكون حجارة ولا حديدا. وقال تعالى: (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم) فطالبهم بما لا يعلمون. وقال تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) . وهذا كله أمر بما لا يقدر عليه الخلق.

إعجاز القرآنأبو بكر الباقلاني، ت ٤٠٣هـ٢/ ١٧

فصل في ذكر البديع من الكلام

والذي يدل على هذا الأصل: أنا قد علمنا أن ذلك مذكور في القرآن في المواضع الكثيرة، كقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبِ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأتُواْ بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ شَهدَاءَكُمِ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينْ. فَإِن لَّم تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتي وَقُودُها النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ للِّكَافِرِينَ) (٣) . وكقوله: (أم يَقُولُونَ افتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُورٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، وَادعُواْ مَن اسْتَطَعْتُم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن / لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُم فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُّنْزِلَ بِعِلِمِ اللَّهِ، وأَنْ لاَّ إلهَ إلاَّ هُوَ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون) (٤) . فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلاً على أنه منه، ودليلاً على وحدانيته. وذلك يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تعلم بالقرآن الوحدانية، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل، لأن القرآن كلام الله عز وجل، ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أو لا. ومن ذلك قوله عز وجل: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتو ابمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كَانَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ظَهيراً) (١) وقوله: (أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ، بَلْ لاَّ يُؤْمِنْونَ. فَلْيَأْتُواْ بِحَديثٍ / مِّثْلِهِ إن كانوا صادقين) (٢) فقد ثبت بما بيناه أنه تحداهم إليه، ولم يأتوا بمثله. وفي هذا أمران: أحدهما التحدي إليه.

دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٣٨٥

تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة

٤٥٨ - يقال لهم: إنكم تتْلون قولَ اللهِ تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [هود: ١٣] ، وقوله: {بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه} [البقرة: ٢٣] ، فقولوا الآن: أيجوزُ أنْ يكونَ تعالى قد أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بأنْ يتحدَّى العربَ إلى أن يُعارضوا القرآنَ بمثلِهِ، من غيرِ أن يكونوا قد عَرَفوا الوصفَ الذي إذا أتَوا بكلامٍ على ذلك الوصفِ، كانوا قد أَتَوا بمثلِه؟ ولا بُدَّ من "لا" ، لأنَّهم إنْ قالوا: "يجوزُ" ، أبطلوا التحدِّي، من حيث إنَّ التحدي -كما لا يخفى- مطالبةٌ بأن يأتوا بكلامٍ على وصفٍ، ولا تصحُّ المطالبةُ بالإِتيان به على وصفٍ من غيرِ أن يكونَ ذلك الوصفُ معلوماً للمطالَبِ٢ ويبطلُ بذلك دعوى الإِعجاز أيضاً؛ وذلك لأنه لا يتصور أن يقالَ: إنه كانَ عَجْزٌ، حتى يثبتَ معجوزٌ عنه معلوم؛ فلا يقومُ في عَقْل عاقلٍ أن يقول لخصمٍ له: "قد أعجزَك أن تفعل مثل فعلي" ، وهو لا يشير له إلى وصفٍ يَعلَمُه في فعله، ويراهُ قد وقعَ عليه؛ أفلا تَرى أنَه لو قالَ رَجلٌ لآخرَ: "إني قد أحدثتُ في خاتَمٍ عملتهُ صنعة أنتَ لا تستطيعُ مثلَها" ، لم تَتَّجه له عليه حجةٌ، ولم يثبُتْ به أنه قد أتى بما يعجزُه، إلا من بعدِ أن يرِيَهُ الخاتمَ، ويشيرَ له إلى ما زعمَ أنه أبدعَه فيه منَ الصَّنعة، لأنه لا يصحُّ وصفُ الإِنسانِ بأنه قد عَجزَ عن شيءٍ، حتى يريدَ ذلك الشيءَ ويقصدَ إليه، ثم لا يتأتَّى له. وليس يتصوَّرُ أن يقصِدَ إلى شيءٍ لا يعلَمُه. وأن تكونَ منه إرادةٌ لأمرٍ لم يعلمْه في جملةٍ ولا تفصيلٍ.

الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٤/ ٢٣١

النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب

وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا تَحَدَّاهُمْ قَالَ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} فَلَوْ ذُكِرَتِ الْقِصَّةُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَاكْتُفِيَ بِهَا لَقَالَ الْعَرَبِيُّ ائْتُونَا أَنْتُمْ بِسُورَةٍ مَنْ مِثْلِهِ فأنزلها سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي تَعْدَادِ السُّورِ دَفْعًا لِحُجَّتِهِمْ مَنْ كَلِّ وَجْهٍ.

الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٤/ ٢٧٧

النوع السابع والخمسون: في الخبر والإنشاء

وَالتَّعْجِيزُ نَحْوُ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَلْ إِظْهَارُ عَجْزِهِمْ وَالِامْتِنَانُ نَحْوُ: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}

الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٤/ ٣٧٣

النوع الثاني والستون: في مناسبة الآيات والسور

قِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْجَامِعِ ذَلِكَ بَلْ يَكْفِي التَّعَلُّقُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَيَكْفِي وجه الربط ما ذكرناه لِأَنَّ الْقَصْدَ تَأْكِيدُ أَمْرِ الْقُرْآنِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَالْحَثِّ عَلَى الْإِيمَانِ وَلِهَذَا لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} فَرَجَعَ إِلَى الْأَوَّلِ.

الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٥/ ٤

النوع الرابع والستون: في إعجاز القرآن

قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَيُمْكِنُ نَظْمُ الْقَوْلَيْنِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ مُحَصِّلَهُمَا لَا يُنَافِي بَعْضُهُ بَعْضًا؛ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى مُعْجِزٌ لَمْ يَقْدِرْ وَاحِدٌ عَلَى مُعَارَضَتِهِ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ بِذَلِكَ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} فَلَوْلَا أَنَّ سَمَاعَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَمْ يَقِفْ أَمْرُهُ عَلَى سَمَاعِهِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً إِلَّا وَهُوَ مُعْجِزَةٌ؛ وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} فَأَخْبَرَ أَنَّ الْكِتَابَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِهِ كَافٍ فِي الدَّلَالَةِ قَائِمٌ مَقَامَ مُعْجِزَاتِ غَيْرِهِ وَآيَاتِ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ وَكَانُوا أَفْصَحَ الْفُصَحَاءِ ومصا قع الْخُطَبَاءِ وَتَحَدَّاهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَأَمْهَلَهُمْ طُولَ السِّنِينَ فَلَمْ يَقْدِرُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ فِي قَوْلِهِ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} الْآيَةَ ثُمَّ كَرَّرَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} الْآيَةَ فَلَمَّا عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ

إعجاز القرآن والبلاغة النبويةمصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي، ت ١٣٥٦هـص ١٠٤

الأقوال في الإعجاز

منها قولهم: إن معارضته التي يُقطع بأنها مستحيلة، حاصلة فعلاً: فإن الله يقول: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) قالوا: وكل من قرأ سورة منه فقد أتى بمثلها، أي لأن من قرأها مثل التي هي في المصحف حرفاً حرفاً لا تختلف ولا تزيد ولا تنقص. . . فصار الإعجاز عند العلماء من المتأخرين يثبت بنفي هذه الشبَه ونقضها، لأن سقوط الشبهة الواردة على الدليل، هو نفسه دليل صحته. وهذا برهان لم يكن لهم بدَّ منه؛ فإن إنكار الإعجاز لم يقل به أحد من المتأخرين؛ وإنَّما وقع إليهم على هيئته في كتب الكلام وكتب التفسير التي يدرسونها؛ فهو رأيْ ميت، لو أنكروه بكل دليل في العلم لم يزده ذلك موتاً في الأرض ولا في السماء. تلك هي أصولُ الأدلة لمن يقولون بالإعجاز، لا نظن أنه فاتنا منها شيء إلا أن يكون قبيلاً مما زعمه بعضهم من أن حقيقة هذا الإعجاز هي أن العرب لم يعلموا وجه الترتيب الذي لو تعلموه لوصلوا به إلى المعارضة. . وهو دليل لا يُثبت شيئاً إلا عجز قائله وحده. ثم كان هواهم كله في الشعر، لأنه عبادة أرواحهم لطبيعة أرضهم، وهو الصلة المحفوظة بينهم وبين ماضيهم؛ فجاء القرآن يسفه تلك الطباع منهم، ويحول بينهم وبين ذلك الماضي، ويصرفهم إلى العمل، ويُذهب عنهم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، ويأتيهم بالبصائر من ربهم، ويهديهم بالعقل إلى أسرار الطبيعة ليعلموا أنها مسخرة لهم فلا يسخروا أنفسهم لها، وحرَّم عليهم التقديس وما في حكمه، وبصرهم بما مسَّهم من طائف الشيطان وما نزغهم من أمره، خيالاً أو وهماً أو شعراً أو عبادة، وجعل أفضل

إعجاز القرآن والبلاغة النبويةمصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي، ت ١٣٥٦هـص ١١٨

التحدي والمعارضة:

(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) . فقطع لهم أنهم لن يفعلوا، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلا من الله، ولا يقولها عربي في العرب أبداً، وقد سمعوها واستقرت فيهم ودارت على الألسنة، وعرفوا أنها تنفي عنهم الدهر نفياً وتعجزهم آخر الأبد فما فعلوا ولا طمعوا قط أن يفعلوا. وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم، فلما رأوا هممهم لا تسمو إلى ذلك ولا تُقارب المطمعة فيه، وقد انقطعت بهم كل سبيل إلى المعارضة، بذلوا له السيف، كما يبذل المُحرَجُ آخر وُسْعه، وأخطروا بأنفسهم وأموالهم، وانصرفوا عن توهن حجته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام فقالوا: ساحر، وشاعر، ومجنون، ورجل يكتتِب أساطير الأولين، وإنما يعلِّمه بشر وأمثال ذلك مما أخِذَتِ به الحجة عليهم وكان إقراراً منهم بالعجز، إذ جنحوا فيه إلى سياسة الطباع والعادات، تلميحاً كما تقدم، وتصرِيحاً كقولهم: (أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) . وأمر العادة مما تخدع به النفس عن الحق، لأنها أعراق ضاربة في القلوب، ملتفة بالطبائع، وخاصة في قوم كالعرب كان شأن الماضي عندهم على ما رأيت في موضع سَلَف، وكانت العادة عندهم ديناً حين لم يكن الدين إلا عادة.

مناهل العرفان في علوم القرآنمحمد عبد العظيم الزرقاني، ت ١٣٦٧هـ٢/ ٣٣٣

الوجه الأول: لغته وأسلوبه

تصور أنه قال لهم في سورة الطور أول ما تحداهم: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ؟ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ , فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} فلما انقطعوا مد لهم في الحبل وقال في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ , فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فلما عجزوا هذه المرة أيضا طاولهم مرة أخرى وأرخى لهم الحبل إلى آخره وقال في سورة البقرة: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} فكان عجزهم بعد ذلك أشنع وأبشع وسجل الله عليهم الهزيمة أبد الدهر فلم يفعلوا ولن يفعلوا ودحضت حجتهم وافتضح أمرهم وظهر أمر الله وهم كارهون.