قال: ولا تقولون إنه ابن الله؟ قلت: معاذ الله، (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ، وَمَا كَانَ معه من إله) ، إنكم لتقولون قولا عظيما، فإذا جعلتم المسيح ابن الله فمن أبوه وأخوه وجده وعمه وخاله؟ وعددت عليه الاقارب - فتحير وقال:
يا مسلم: العبد يخلق ويحيى ويميت، ويبرئ الاكمه والابرص؟ فقلت: لا يقدر العبد على ذلك، وإنما ذلك كله من فعل الباري عز وجل قال: وكيف يكون المسيح عبد الله وخلقا من خلقه، وقد أتى بهذه الآيات، وفعل ذلك كله؟ قلت: معاذ الله، ما أحيا المسيح الموتى، ولا أبرأ الاكمه والابرص.
فتحير وقل صبره، وقال: يا مسلم.
تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق، وأخذ الناس له بالقبول؟
فقلت: ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة: إن الانبياء - عليهم السلام - يفعلون المعجزات من ذاتهم، وإنما هو شئ يفعله الله تعالى على أيديهم، تصديقا لهم يجرى مجرى الشهادة.
فقال: قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيكم، وأهل دينكم، المشهورين فيكم، وقالوا: إن ذلك في كتابكم.
فقلت: أيها الملك، في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله تعالى.
وتلوت عليه قوله تعالى (إذ قال الله: يا عيسى بن مريم، اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك، إذ أيدتك بروح القدس، تكلم الناس في المهد وكهلا،.
وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى، فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى، وتبرئ الاكمه والابرص بإذنى وإذا تخرج الموتى بإذنى) .
وقوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَّذهَبَ
كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (٣) ، وكذلك قوله: (لَوْ كَانَ فِيهمَا آلِهةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتاَ) (٤) نهاية في الحجاج (٥) .
وقوله: (وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ، وَهُوَ اللَّطيف الخَبِيرُ) (٦) نهاية في الدلالة على علمه بالخفيات.
/ ولا وجه للتطويل، فإن بيان الجميع في الرفعة وكبر المنزلة على سواء (٧) .
وقد ذكرنا من قبل: أن البيان يصح أن يتعلق به الإعجاز، وهو معجز من القرآن.
/ وقال سعيد بن جبير (٧) : آخر ما أنزل قوله تعالى: (واتَّقُواْ يَومَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّهِ) (٨) .
وقال السدي (٩) : آخر ما أنزل (فَإِنْ تَوَلَّوا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ، عليه توكلت) (١٠) .
ويجوز أن يكون في مثل هذا خلاف (١) ، وأن يكون كل واحد ذكر آخر ما سمع.
* * * ولو كان القرآن من كلامه، لكان البون بين كلامه وبينه مثل ما بين خطبة وخطبة ينشئهما (٢) رجل واحد، وكانوا يعارضونه، لأنا قد علمنا أن القدر الذي بين كلامهم وبين كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلى حد الإعجاز، ولا يتفاوت التفاوت الكثير، ولا يخفى كلامه (٣) من جنس أوزان كلامهم، وليس كذلك نظم القرآن، لانه خارج من جميع ذلك.
الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٥/ ٦٥