لنا: قوله تعالى: {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرًا فمن عندك} وما جاز في شرعية من قبلنا فهو جائز في شرعنا إلا أن يمنع من دليل.
لنا: قوله تعالى: {على أن تأجرني ثماني حجج} ولم يبين أول المدة، ولأنه تقدير لمدة [بغير] [مزاحمة] [فوجب أن يختص بعقيب السبب عن إطلاقها. أصله إتلاف سائر الأثمان، ولأنها مدة مشروطة في العقد] فوجب أن يقتضي إطلاقه كونها من حين العقد كالأجل.
وكل ما جاز ثمناً في بيع، أو عوضاً في إجارة، من دين وعين، وحال مؤجل، ومنفعة معلومة، من حر أو عبد، كرد عبدها من مكان معين، وخدمتها في شيء معلوم جاز أن يكون صداقاً؛ لأن الله تعالى أخبر عن شعيب أنه قال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} فجعل الرعي صداقاً، ولأنه عقد على المنفعة فجاز ما ذكرنا، كالإجارة.
ولا مقابلة، لهذا لا يصح أن تقول: بعتك ثوبي على ألف. وقال القاضي: لا يقع الطلاق بها حتى تقبل ذلك؛ لأنها أجريت مجرى الشرط والجزاء، بدليل قَوْله تَعَالَى في قصة شعيب: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} . وقَوْله تَعَالَى:
والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} وقوله، حكاية عن شعيب مع موسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ فذكر تأجيل الإجارة وسمى عوضها،
قوله: بيع منفعة، أخرج به بيع الذوات؛ وقوله: أمكن نقله، أخرج به كراء الدور والأرضين، فالعقد المتعلق بمنافعهما ليس بإجارة وإنما هو كراء؛ وقوله: ولا حيوان لا يعقل، أخرج به كراء الرواحل؛ وقوله: غير ناشئ عنها، أخرج به القراض والمساقاة والمغارسة؛ وقوله: بعضه يتبعض بتبعيضها، الضمير في بعضه عائد على العوض؛ والضمير في تبعيضها عائد على المنفعة، وإنما زاد قوله: بعضه، ليدخل في الحد قوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} ؛
قال: (وفي قول: لا تزاد على سنة) ؛ لأن الإجارة عقد على معدوم جور للحاجة، وهي تندفع بسنة؛ لأنها مدة تضم الفصول وتتم فيها الزروع والثمار، ويكفي في رده قوله تعالى:{على أن تأجرني ثماني حجج}.
(ويصح استئجار دار بسكنى) دار (أخرى، وخدمة) من معين، (وتزويج من معين). قال الله تعالى إخباراً عن شعيب أنه:{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: ٢٧ [. فجعل النكاج عوض الإجا رة.
ولنا: قول الله سبحانه وتعالى في قصة شعيب عليه الصلاة والسلام: (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج) ] القصص: ٢٧] فجعل الصداق الإجارة على رعاية غنمه وهو شرط لنفسه.
فإذا قال قائل: هذا الشرط كيف تجمعون بينه وبين قوله تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال له صاحب مدين: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَجٍ﴾ .
والثاني، لا يجوزُ أكْثَرَ مِن سَنةٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى أكْثَرَ منها. ومنهم من قال: له قَوْل ثالِث: أنَّها لا تجوزُ أكثَرَ مِن [ثلاثينَ سَنَةً]. وحَكَى القاضِي في كِتابِ الخِلافِ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّ أصحابَنا اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ الإجارَةِ، فمِنْهُم مَن قال: لا تجوزُ أكثر مِن سَنَةٍ. واختارَه. ومنهم مَن قال: إلى ثَلاثينَ سنةً، [لأنَّ الغالِبَ أنَّ الأعْيانَ لا تَبْقَى أكثر منها وتَتَغَيّرُ الأسْعارُ والأجْرُ]. ولَنا، قولُه تعالى إخْبارًا عن شُعَيب، - عليه السلام -، أنَّه قال:{عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}.
وقال الشافعيُّ، وبعضُ أصحابِنا: لا يَصِحُّ حتى يُسَمِّىَ الشَّهْرَ، ويَذْكُرَ في أيِّ سَنَةٍ هي. قال أحمدُ في رِوايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ: إذا اسْتَأجَرَ أجِيرًا شَهْرًا، فلا يجوزُ حتى يُسَمِّي الشَّهْرَ؛ [لأنه مُطْلَق مُفْتَقِرٌ إلى التَّعْيِينِ، كما لو قَرَّرَ صَوْمَ شَهْر]. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى حِكايةً عن شُعَيبٍ، - عليه السلام -: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}. لم يَذْكُرِ ابْتِداءَها. ولأنه تَقْدِير بمُدَّةٍ ليس فيها قُرْبة،
وقال الشافعيُّ: إذا فعل ذلك، فلها مَهْرُ المِثْلِ، وتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ؛ لأنَّه نَقَصَ مِن صَداقِها لأجْلِ هذا الشَّرْطِ الفاسِدِ؛ لأنَّ المَهْرَ لا يَجبُ إلَّا للزَّوْجَةِ، لكَوْنِه عِوَضَ بُضْعِها، فيَبْقَى مَجْهُولًا؛ لأنَّنا نحتاجُ أن نَضُمَّ إلى المَهْرِ ما نَقَصَ منه لأجْلِ هذا الشّرْطِ، وذلك مَجْهُولٌ فيَفْسُدُ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى، في قِصَّةِ شُعَيبٍ، عليه السلامُ:{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}. فجَعلَ الصَّداقَ الإجارةَ على رِعايةِ غَنَمِه، وهو شَرْطٌ لِنَفْسِه، ولأنَّ للوالدِ الأخذَ من مالِ وَلَدِه، بدَلِيلِ قَولِه عليه الصلاةُ والسلامُ:«أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ».
وكذا الحُكْمُ إذا قال: أنتِ طالقٌ على أنَّ لى عليكِ ألفًا. فقياسُ قولِ أحمدَ أنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ رَجْعِيًّا، ولا شئَ له. وعلى قولِ القاضى، إن قَبِلَتْ ذلك، لَزِمَها الألفُ، وكان خُلْعًا، وإلَّا لم يقَعِ الطَّلاقُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخرَقِىِّ؛ لأنَّه اسْتَعْمَلَ «على» بمعنى الشَّرْطِ في كِتابِه في مَواضِعَ، منها قولُه: إذا نَكَحَها على أن لا يتَزَوَّجَ عليها، فلها فِراقُه إن تزَوَّجَ عليها. وذلك أنَّ «على» تُسْتَعْمَلُ بمعنى الشَّرْطِ، بدليلِ قولِه تعالى في قِصَّةِ شُعَيْبٍ:{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}.
باب الإجارة] الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}، وقوله تعالى:{قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}، وقوله:{إني أريد أن أُنْكِحَكَ إحدى ابنتي هاتين على أن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج}.
ولأن " على " تستعمل بمعنى الشرط. بدليل قوله تعالى:{إني أُريد أن أُنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني}، وقوله تعالى:{فهل نجعلُ لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سَدًّا}، وقوله تعالى:{هل أَتَّبِعُك على أن تُعَلِّمن مما عُلِّمْتَ رُشْدًا}.
وقد تضمن كلام الخرقي جواز إجارة الراعي، وهو واضح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى حكاية عن صاحب موسى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: ٢٧] الآية، وجواز إجارة الطبيب، لأنه فعل مباح مأذون فيه، أشبه سائر الأفعال المباحة، ويقدر ذلك بالمدة، لا بالعمل لعدم انضباطه، ويبين قدر ما يأتي له في كل يوم، هل هو مرة أو أكثر من ذلك،
قال: وإن تزوجها على ألف لها، وألف لأبيها، كان ذلك جائزا، فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألفين، ولم يكن على الأب شيء مما أخذ. ش: إذا تزوجها على ألف لها، وألف لأبيها، جاز ذلك، ولزم الشرط والعقد، نص على هذا أحمد، معللا بأن له أن يأخذ من مال ابنه ما شاء، وهو المذهب عند الأصحاب، القاضي، وابن عقيل، وأبي الخطاب، والشيخين وغير واحد، وذلك لقصة شعيب - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: ٢٧] فشرط الصداق رعي غنمه، وذلك شرط لنفسه،