إعجاز القرآن والبلاغة النبويةمصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي، ت ١٣٥٦هـص ١٣٠
التحدي والمعارضة:تناهى كذلك في علمه بالعجز وما أهل الأرض جميعاً في ذلك إلا كنفس واحدة (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) . وهذا الأسلوب فإنما هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كله، ليس من ذلك شيء إلا وهو معجز، وليس من هذا شيء يمكن أن يكون معجزاً وهو الذي قطع العرب دون المعارضة، واعتقلهم عن الكلام فيها، وضربهم بالحجة من أنفسهم وتركهم على ذلك يتلكأون. من ذلك يخلصُ لنا أن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه، لأنه ليس وضعاً إنسانيأ ألبتة، ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوباً من أساليب العرب أو من جاء بعدهم إلى هذا العهد، ولا من الاختلاف فيه عند ذلك بد في طريقته ونسقِه ومعانيه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) . ولقد أحسَّ العرب بهذا المعنى واستيقنه بلغاؤهم ولولاه ما أفحموا ولا انقطعوا من دونه، لأنهم رأوا جنساً من الكلام غير ما تؤديه طباعهم، وكيف لهم في معارضته بطبيعة غير مخلوقة؛ ولما حاول مسيلمة أن يعارضه جعل يطبع على قالِبه، فجاء بشيء لا يشبهه ولا يثبه كلام نفسه، وجنحَ إلى أقرب ما في الطباع الإنسانية وأقوى ما في أوهام العرب من طرق السجع، فأخطأ الفصاحة من كل جهاتها، وإن الرجل على ذلك لفصيح.