وأما تزوجه زينب بعد طلاقها فواقع لقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} . الأمير: ولم يرغب في زوجة أحد، وغاية ما في زينب إخبار الله تعالى بأنه يتزوجها وكتمه. انتهى.
وأن قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} - معناه ليلا يجب عليه زواجها إذا طلقها لا محبتها مع قوله ذلك؛ أي وقال له ذلك حين شكا زيد له منها كما في سيرة الشامي - {وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} ما أمرت به من تزوجها بعد طلاق زيد لا حبها {مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} ؛ أي مظهره بعد ذلك بوجوب تزوجك إياها، {وَتَخْشَى النَّاسَ} أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه، {وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} لما أراد من إبطال ما كان في الجاهلية من حرمة تزوج زوجة من تبناه الواحد منهم.
وقال الشبراخيتي: فإن قلت الضمير في ركنه عائد على النكاح وهو مفرد، وقوله: "ولي" لخ خبر عن ركنه فيلزم عليه الإخبار بالجمع عن الفرد، أجيب بأن الركن مفرد مضاف إلى معرفة فيعمّ، ونحوه لعبد الباقي، وعزاه الشبراخيتي لابن الحاجب. بأنكحت الباء للتصوير يعني أن الصيغة من الولي صورتها أن يقول الولي: أنكحتك ابنتي أو أختي أو نحوهما ممن له ولاية عليها. وزوجت يعني أن النكاح كما ينعقد بأنكحت ينعقد بزوجت، قال الشارح: لا أعلم خلافا في انعقاد النكاح بهاتين الصيغتين لما في حديث: (قد أنكحتكها بما معك من القرآن (٣) )، ولقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} ،
وكذا حكاه الإمام هناك.
وقوله:(عبده بأمته) لغة تميم وأزد شنوءة، واللغة الفصحى: زوَّج عبده أمته؛ فالعرب لا يقولون: تزوجت بها، وإنما يقولون: تزوجتها، قال الله تعالى:{فَلَمَا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَكَهَا}.
(وتحل له) - صلى الله عليه وسلم - المرأة (بتزويج الله) تعالى من غير تلفظ بعقد (كزينب) قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}.
قال في قصَّة زينب بنت جحش رضي الله عنها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ، وكانت زينب تحت زيدِ بن حارثة، وكان النَّبيُّ ﷺ قد تَبَنَّاهُ، فلما أحلَّ الله له زينب قال: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ . فهذا الحُكْمُ خاصٌّ، وعِلَّته عامّة، وعلى هذا فالحكم الذي يَثْبُت للرَّسول ﷺ يَثْبت للأمَّة؛ وإِلا لم يكُنْ لقوله: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ فَائدةٌ.
وما الدليل على أنه لا يصح إلا بهذين اللفظين؟ ليس هناك دليل، لا في القرآن، ولا في السنة أنه لا يصح النكاح إلا بهذا اللفظ، لكن يقولون: لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن، ففي القرآن الكريم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ، فاللفظان اللذان ورد بهما القرآن هما النكاح والزواج، فلا نتعداهما، فنقتصر على الألفاظ الواردة؛ وذلك لعظم خطر النكاح، فهو أعظم العقود خطراً وأشدها تحرياً، ولا شك أن هذا التعليل عليل، بل هو ميت.
فإن كانوا في منزلة واحدة فالأقوى، فأخ شقيق وأخ لأب، الولي الأخ الشقيق. ثُمَّ الْمَوْلَى المُنْعِمُ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ نَسَباً، ثُمَّ وَلَاءً، ثُمَّ السُّلْطَانُ، «ثم المولى المنعِمُ» هذا عصبة السبب؛ أي: ثم المولى المنعِم بالعتق، قال ذلك؛ أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ، وهو زيد بن حارثة رضي الله عنه. «ثم أقرب عصبته نسباً» أي: عصبة المولى المنعم، على ترتيب الميراث، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن عصبة المولى يرتبون ترتيب الميراث، فيقدم ابن المولى على أبيه،
٢٥٥٠ - وعن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يتخير أربعا منهن» . رواه الترمذي وابن ماجه، وهذا وإن كان مرسلا على الصحيح عند الأئمة، قاله الإمام أحمد والبخاري وغيرهما، إلا أنه قد عضده الذي قبله، فصار حجة بالاتفاق، ولهذا احتج به أحمد في رواية أبي الحارث، وتأويله بأن «اختر أربعا» بمعنى: اختر أربعا تعقد عليهن عقدا جديدا، مردود بأن في الدارقطني «أمسك منهن أربعا» والإمساك إنما هو بالعقد الأول، كما في قوله سبحانه: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: ٣٧]