وإن قال: له علي ألف وخمسون درهماً، أو ألف وثلاثة دراهم، فالجميع دراهم؛ لأن الدرهم المفسر في كلامهم يفسر جميع ما قبله، كقوله سبحانه: {تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} وقوله: {أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} والفرق بينها وبين التي قبلها أن الدرهم هاهنا للتفسير، لا يجب به زيادة على العدد، وفي التي قبلها، ذكر للإيجاب، ولهذا يجب به زيادة على الألف، ويحتمل أن يرجع في تفسير الألف إليه، لما ذكرنا في التي قبلها.
أما القرآن فقالوا: إن الظاهر من قصة داود عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه وتعالى لَامَهُ حيث حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع حجة الآخر، في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ *﴾ [ص]، ثم قال المدعي ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ *﴾ [ص] هذه صورة الدعوى، الحكم: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ ، ولم يسمع حجة الخصم.
فإذا كان الله عز وجل قد كلفه أن يقوم بهذه المهمة، فلا ينبغي أن يختص الوقت لنفسه، ولهذا لما جاؤوا ووجدوا المحراب مغلقاً تسوَّروه؛ لأنهم أصحاب حاجة، كما أن داود عليه الصلاة والسلام حكم قبل أن يدلي الخصم بحجته التي يدافع بها عن نفسه، فبمجرد ما قال المدعي: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ إلى آخره، قال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾، وهذا يدل على أنه لا يحكم لأحد إلا بسماع حجة صاحبه.
أما كون الجميع فيما إذا قال: له عليّ ألفٌ وخمسون درهماً دراهم على المذهب؛ فلأن المفسر إذا تعقب أشياء رجع إليها في لسان العرب، ولهذا لما قال الله تعالى حكاية عن أحد الخصمين:{إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة} كانت النعجة تفسيراً للتسع والتسعين.