والاسلام في هذه الحال يوصي بالصبر والاحتمال، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية، قال الله تعالى: " وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " (١) .
وإنما حرم ذلك حتى لا يجتمع على المرأة فراق الزوج والغرامة المالية، وقال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن (١) لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (٢) " .
{ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} والنهي يقتضي الفساد عند الحنابلة، نعم إذا كان الخلع بلفظ الطلاق، أو بلفظ الخلع ونحوه، ولكن نوى به الطلاق فإنه يقع به الطلاق رجعياً،
{ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ، فإنها إذا فعلت فاحشة كان للزوج عضلها وتأديبها حتى تكف عن الفاحشة، أو تفتدي منه، ومثل ذلك ما إذا كان النشوز من جهتهما معاً، وهو المذكور في آية {إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله} .
• وجه الدلالة: نهى اللَّه -سبحانه وتعالى- الأزواج عن إخراج النساء غضبًا عليهن بسبب الطلاق، كما نهى النساء عن الخروج، وكان النهي أبلغ حين أوقعه بلفظ الخبر في قوله: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} (٧) .
ولما في الموطأ من (حديث حبيبة زوجة ثابت بن قيس) فلولا أنه جائز لما أباح له عليه السلام الأخذ منها، وذهب ابن القصار إلى أنه مكروه وهو ظاهر كلام ابن رشد في المقدمات؛ إذ ذكره في قسم الطلاق البدعي. انتهى. وعرف المؤلف الخلع بقوله: وهو الطلاق بعوض يعني أن الخلع هو أن يطلق الزوج وتعوضه المرأة مالا على طلاقها، والطلاق في الشرع حل عقدة التزويج، وقد تقدم تعريف ابن عرفة له، والطلاق لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره، ومحل جواز الخلع ما لم تلجأ المرأة إلى الفداء بسبب إضراره بها وإلا فلا يجوز له أخذ الفداء حينئذ لقوله تعالى {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} ، ولم يعرف ابن عرفة الخلع، قال الرصاع: وقع لبعض الشيوخ من قال وهذه أنه عرفه بقوله: عقد معاوضة على البضع تملك به المرأة نفسها ويملك به الزوج العوض، قال: وهذا صواب جار على قاعدة الشيخ في رسم العقود،
ولو زنت المرأة فمنعها الزوج بعض مالها فافتدت بمال .. صح الخلع وحل له الأخذ، وحمل عليه قوله تعالى:{ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} الآية.
وينبغي إمساكها مع الكراهة لها؛ لقوله تعالى:{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، قال ابن عباس: ربما رُزق منها ولدًا، فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا .
(وإن عَضَلها، أي: ضارَّها، بالضَّرب، والتضييق عليها، أو مَنَعَها حقوقها، من القَسْم والنَّفَقة، ونحوِ ذلك) كما لو أنقصها شيئًا من ذلك (ظُلْمًا؛ لتفتدِيَ نفسَها؛ فالخُلْع باطل، والعِوض مردودٌ، والزوجيَّة بحالها) لقوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ}؛ ولأن ما تفتدي به نفسَها مع ذلك عوض أُكرهت على بذله بغير حق، فلم يستحق أخذه منها، للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد
(وإن فعل) الزوج (ذلك) أي: ما ذُكر من المُضارّة، بالضرب، والتضييق، والمنع من الحقوق (لا لتفديَ) منه فالخلع صحيح؛ لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض مالها، ولكن عليه إثم الظلم. (أو فَعَله لزِناها، أو نُشُوزِها، أو تركها فرضًا) كصلاة أو صوم (فالخُلع صحيح) لقوله تعالى: {إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} وقيس الباقي عليها.
وينبغي إمساكها مع كراهته لها، لقوله سبحانه وتعالى:{فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}. قال ابن الجوزي وغيره: قال ابن عباس: ربما رزق منها ولداً فجعل الله فيه خيراً كثيراً.
باب عشرة النساء] العشرة؛ بكسر العين: الاجتماع، يقال لكل جماعة: عشرة ومعشر، وهي هنا ما يكون بين الزوجين من الألفة والانضمام. (يلزم) كلا من (الزوجين العشرة) أي: معاشرة الآخر (بالمعروف) فلا يمطله بحقه ولا يتكره لبذله ولا يتبعه أذى ومنة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، وقوله:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، وينبغي إمساكها مع كراهته لها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} ، قال ابن عباس: ربما رزق منها ولدا، فجعل الله فيه خيرا كثيرا.
ثم نقول: نحن نوافقكم إذا جئتم بمثل رسول الله ﷺ ومثل عائشة رضي الله عنها وهل يمكن أن يأتوا بذلك؟! لا يمكن، إذن نقول: سبحان الله العظيم، كيف نأخذ بهذا الدليل الذي ليس بدليل؟! وعندنا دليل من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ وكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل عن امرأة، تزوجها ابن عمه غصباً عليها .
ولو رأى منها ما يكره لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ سبحان الله، ما أبلغ القرآن، فلم يقل جل وعلا: فعسى أن تكرهوهن، بل قال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ أي شيء يكون، فقد يكره الإنسان أن يذهب إلى بيت صاحبه ويجعل الله في هذا الذهاب خيراً كثيراً، وقد يكره الإنسان أن يشتري شيئاً، ويشتريه وهو كاره، فيجعل الله فيه خيراً كثيراً، ولقول ـ النبي ﷺ :«لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر»، ونبَّه الرسول ﷺ على هذا بقوله: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها» .
فإذا خالعت في هذه الحال لا يصح الخلع؛ لأنه قد أرغمها، وقد قال الله عز وجل ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ،
مع أن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن الصبر أولى فقال: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ،
بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} أي لا تضاروهن في العشرة، لتترك بعض ما أصدقتها، أو كله، أو حقا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك، على وجه القهر لها والإضرار، قال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة، وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضرها لتفتدي به، فنهى تعالى عن ذلك، ثم قال {إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} يعني الزنا، فله أن يسترجع منها الصداق الذي أعطاها، ويضاجرها حتى تتركه له، ويخالعها،
(و) يلزمه (أن لا يتكره لبذله) أى بذل الواجب بل يبذل ما عليه ببشر وطلاقة وجه ولا يتبعه أذى ولا منة، قال الله تعالى {وعاشروهن بالمعروف} وقال {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}. وينبغي إمساكها مع كراهته لها قال تعالى {فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} وحقه عليها أعظم من حقها عليه، ولكن غيورا من غير افراط.
والثالثُ، مُباحٌ، وهو عندَ الحاجةِ إليه لسُوءِ خُلُقِ المرأةِ، وسُوءِ عِشْرَتِها، والتَّضَرُّرِ منها مِن غيرِ حُصولِ الغَرَضِ بها. والرابعُ، مندوبٌ إليه، وهو عندَ تَفْريطِ المرأةِ في حُقوقِ اللَّهِ الواجبةِ عليها، مثلَ الصَّلاةِ ونحوها، ولا يُمْكِنُه إجْبارُها عليها، أو يكونُ له امرأةٌ غيرُ عَفِيفةٍ. قال أحمدُ: لا يَنْبَغِى له إمْساكُها. وذلك لأَنَّ فيه نَقْصًا لدينِه ، ولا يأْمَنُ إفْسادَها فِراشَه، وإلْحاقَها به وَلَدًا مِن غيرِه، ولا بأْسَ بعَضْلِها في هذه الحالِ، و التَّضْيِيقِ عليها لتَفْتَدِىَ منه، قال اللَّهُ تَعالى:{وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}.
- -? - ومنها: أنها لو أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها لم يحرم خلعها لأن الله تعالى قال: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينة}. والاستثناء من النهي إباحة.
[القسم بين الزوجات] قال: وعلى الرجل أن يساوي بين زوجاته في القسم. ش: هذا مما لا خلاف فيه والحمد لله، وقد تقدم قَوْله تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ١٩] ومن المعروف التسوية بينهن.
ومما قد يدخل تحت كلام الخرقي إذا عضلها لتفتدي نفسها، فإنه خلع لغير ما ذكره، لكن لا نزاع عندنا في عدم صحة هذا للآية الكريمة: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: ٢٢٩] ولقوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: ١٩] نعم يستثنى من ذلك صور: (إحداها) : إذا زنت له أن يعضلها لتفتدي، لقوله سبحانه: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: ١٩] ؛ (الثانية) : إذا ضربها على نشوزها ونحو ذلك لم يحرم خلعها لذلك، لأنها إذا لم تجبه لما يجب له عليها فقد خافت ألا تقيم حدود الله؛