والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا , قيِّما , ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا , وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين , غيظ الكافرين , وحتف الملحدين , المبعوث بدين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تم الكتاب بحمد الله وعونه
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا والحمد لله رب العالمين
أوائل شوال عام ستة وألف.
وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسباً في الفصاحة، على ما وصفه الله تعالى به، فقال عز من قائل: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها، مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) * (٣) وقوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (٤) فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلال.
وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره، فتأمله تعرف الفصل (٥) .
* * * / وفي ذلك معنى ثالث: وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها: من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة.
فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا، وقد قال الله عز وجل: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (٤) ) .
فإن قيل: هذه دعوى منكم، وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن [الاتيان] بمثله، وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله، وإن كنا عاجزين، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة، / وأسباب غامضة دقيقة، لا نقدر نحن عليها، ولا سبيل لنا - للطفها - إليها.
وإذا كان كذلك، لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل.
فَلَمَّا حَضَرُوهُ ٌقَالُواْ أَنْصِتُواْ، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّواْ إِلَى قَوْمِهِمِ مُنْذِرِينَ) (٢) إلى آخر ما حكى عنهم فيما يتلوه.
الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٥/ ٢٣
إعجاز القرآن والبلاغة النبويةمصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي، ت ١٣٥٦هـص ١٤١
أسلوب القرآن
من ذلك يخلصُ لنا أن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه، لأنه ليس وضعاً إنسانيأ ألبتة، ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوباً من أساليب العرب أو من جاء بعدهم إلى هذا العهد، ولا من الاختلاف فيه عند ذلك بد في طريقته ونسقِه ومعانيه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .
ولقد أحسَّ العرب بهذا المعنى واستيقنه بلغاؤهم ولولاه ما أفحموا
ولا انقطعوا من دونه، لأنهم رأوا جنساً من الكلام غير ما تؤديه طباعهم، وكيف لهم في معارضته بطبيعة غير مخلوقة؛
ولما حاول مسيلمة أن يعارضه جعل يطبع على قالِبه، فجاء بشيء لا يشبهه ولا يثبه كلام نفسه، وجنحَ إلى أقرب ما في الطباع الإنسانية وأقوى ما في أوهام العرب من طرق السجع، فأخطأ الفصاحة من كل جهاتها، وإن الرجل على ذلك لفصيح.
وما دامت قوة الخلق ليست في قدرة المخلوق، فليس في قدرة بشر معارضة هذا الأسلوب ما دامت الأرض أرضاً، وهذا هو الصريح من معنى قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) .
صدق الله العظيم.
وبعدُ فأنت تعرف أن أفصح الكلام وأبلغه وأسراه وأجمعه لحرِّ اللفظ ونادر المعنى، وأخلقَه أن يكون منه الأسلوب الذي يحسمُ مادة الطبع في معارضته، هو ذلك الذي تريده كلاماً فتراه نفساً حية، كأنها تُلقي عليك ما تقرؤه ممزوجاً بنبرات مختلفة وأصوات تدخل على نفسك - إن كنت