ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ٣٥
التفسير
هذا الذي حلَّ بكم مِن عذاب الله ; بسبب أنكم اتخذتم آيات الله وحججه هزوًا ولعبًا، وخدعتكم زينة الحياة الدنيا، فاليوم لا يُخرجون من النار، ولا هم يُرَدُّون إلى الدنيا؛ ليتوبوا ويعملوا صالحًا.
قال الله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) أي: وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة، (وَحَاقَ بِهِمْ) أي: أحاط بهم (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: من العذاب والنكال، (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ) أي: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم (كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) أي: فلم تعملوا له لأنكم لم تصدقوا به، (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)
وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: "ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ابن كثير ٨/ ٢٧٢ابن كثير ٨/ ٢٧٢
ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتَرْبَع؟ فيقول: بلى، يا رب. فيقول: أفظننت أنك مُلاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني " .
قال الله تعالى: (ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريا، تسخرون وتستهزئون بها، (وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها، فأصبحتم من الخاسرين؛ ولهذا قال: (فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا) أي: من النار (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) أي: لا يطلب منهم العتبى، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب.
ثم لما ذكر حكمه في المؤمنين والكافرين قال: (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السماواتِ وَرَبِّ الأرْضِ) أي: المالك لهما وما فيهما؛ ولهذا قال: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
ثم قال: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السماواتِ وَالأرْضِ) قال مجاهد: يعني السلطان. أي: هو العظيم الممجد، الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه. وقد ورد في الحديث الصحيح: "يقول الله تعالى العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما أسكنته ناري". ورواه مسلم من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، رضي الله عنهما ، عن رسول الله ﷺ ، بنحوه .
وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ) أي: الذي لا يغالب ولا يمانع، (الحكيم) في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس، لا إله إلا هو .
آخر تفسير سورة الجاثية [ولله الحمد والمنة] ابن كثير ٨/ ٢٧٣ابن كثير ٨/ ٢٧٣
لا كتاب مختار.