حمٓ ١
التفسير
{حم} سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
{حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} قوله عز وجل: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} فيه وجهان: أحدهما: معناه قُضِي نزول الكتاب من الله العزيز الحكيم , قاله النقاش. الثاني: هذا الكتاب يعني القرآن تنزيل من الله العزيز الحكيم , قاله الحسن. قوله عز وجل: {مَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إِلَاّ بِالْحَقِّ} فيه أربعة أوجه: الماوردي ٥/ ٢٧٠الماوردي ٥/ ٢٧٠
أحدها: إلا بالصدق , قاله ابن إسحاق. الثاني: إلا بالعدل , وهو مأثور. الثالث: إلا للحق , قاله الكلبي. الرابع: إلا للبعث , قاله يحيى. {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} فيه وجهان: أحدهما: أنه أجل القيامة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الأجل المقدور لكل مخلوق، وهو محتمل. قوله عز وجل: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} قرأ الحسن وطائفة معه {أَوْ أَثَرَةٍ} وفي تأويل {أَوْ أَثَارَةٍ} وهي قراءة الجمهور ثلاثة أوجه: أحدها: رواية من علم , قاله يحيى. الثاني: بقية , قاله أبو بكر بن عياش , ومنه قول الشاعر:
(وذات أثارة أكلت عليها ... نباتاً في أكمته قفارا)
أي بقية من شحم. الثالث: أو علم تأثرونه عن غيركم , قاله مجاهد. ويحتمل رابعاً: أو اجتهاد بعلم , لأن أثارة العلم الاجتهاد. ويحتمل خامساً: أو مناظرة بعلم لأن المناظر في العلم مثير لمعانيه. ومن قرأ {أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} ففي تأويله خمسة أوجه: أحدها: أنه الخط , وقد رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: ميراث من علم , قاله عكرمة. الثالث: خاصة من علم، قاله قتادة. الرابع: أو بقية من علم، قاله عطية. الخامس: أثرة يستخرجه فيثيره، قاله الحسن. الماوردي ٥/ ٢٧١الماوردي ٥/ ٢٧١
يخبر تعالى أنه نزل الكتاب على عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ) أي: لا على وجه العبث والباطل، (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) أي: إلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص.
قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) أي: لاهون عما يراد بهم، وقد أنزل إليهم كتابا وأرسل إليهم رسول، وهم معرضون عن ذلك كله، أي: وسيعلمون غبّ ذلك.
ثم قال: (قُلْ) أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: (أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ) أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض، (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) أي: ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض، وما يملكون من قطمير، إن المُلْك والتصرّف كله إلا الله، عز وجل ، فكيف تعبدون معه غيره، وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: (اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا) أي: هاتوا كتابا من كتب الله المنزلة على الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام، يأمركم بعبادة هذه الأصنام، (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أي: دليل بَيِّن على هذا المسلك الذي سلكتموه (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: لا دليل لكم نقليًا ولا عقليا على ذلك؛ ولهذا قرأ آخرون: "أو أثَرَة من علم" أي: أو علم صحيح يأثرونه عن أحد ممن قبلهم، كما قال مجاهد في قوله: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أو أحد يأثُر علما. ابن كثير ٨/ ٢٧٤ابن كثير ٨/ ٢٧٤
وقال العَوْفي، عن ابن عباس: أو بينة من الأمر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثنا صفوان بن سُلَيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي ﷺ : "أو أثَرَة من علم" قال: "الخط" .
وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم. وقال الحسن البصري: (أَوْ أَثَارَةٍ) شيء يستخرجه فيثيره.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو بكر بن عياش أيضا: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) يعني الخط.
وقال قتادة: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) خاصة من علم.
وكل هذه الأقوال متقاربة، وهي راجعة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله وأكرمه، وأحسن مثواه.
وقوله: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) أي: لا أضل ممن يدعو أصناما، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجَارة صُمّ. ابن كثير ٨/ ٢٧٥ابن كثير ٨/ ٢٧٥
لا كتاب مختار.