قلنا: هذا محمول على الصد عن نفس المسجد؛ ولأن المشركين ضربوا وجوه البدن وردوها في طرف الحرم، وهذا معنى قوله تعالى: {والهدى معكوفًا أن يبلغ محله} ، فلما وقع الصلح لم يمنعوهم من الحرم وإن منعوهم من دخول مكة.
قال في البيان. قوله نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه بالحديبية في الحرم، معناه: نحر هديه في الحرم إذ كان بالحديبية؛ لأن الحديبية في الحل، لكنه لم يكن صلى الله عليه وسلم ممنوعا من دخول الحرم، فبعث بهديه من الحديبية إلى الحرم فصحت لمالك الحجة بذلك، كما ذهب إليه من أن محل الهدي من الحرم مكة القرية بنفسها لا جميع الحرم؛ لإخبار الله تعالى أنه لم يبلغ محله لقوله: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} . انتهى.
(ودمُ الإحصار يخرجه حيث أُحصر) من حِلٍّ أو حرم، نصَّ عليه ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نَحرَ هديهُ في موضِعِهِ بالحُدَيبيَةِ" وهي من الحلِّ. ودلَّ على ذلك قوله تعالى:{وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}؛ ولأنه موضع حِلِّه، فكان موضع نَحْرِه، كالحرم.
فلو لم يخفْ على المسلمين، لكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي، لم يجز رميهم؛ لقوله تعالى:{وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ} الآية . قال الليث : تَرْك فَتْح حصن يُقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق.
فصل
(و) يجزئ (دم إحصار حيث أُحصر) من حل أو حرم. نص على ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه في موضعه بالحديبية " ، وهي من الحل. وقد دل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}.
فلو لم يخف على المسلمين لكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي لم يجز؛ لقوله سبحانه وتعالى {وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} الآية] الفتح: ٢٥].
ويروَى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نَحَر هَدْيَه عندَ الشجَرَةِ التى كانَتْ تَحتَها بَيْعَةُ الرضْوانِ. وهي مِن الحِلِّ بِاتِّفاقِ أهْلِ السيرِ والنقْلِ. وقد دَلَّ عليه قَولُه سُبْحانَه:{وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}. ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نحْرِه، كالحَرَمِ.
فإن لم يَخَفْ على المسلمين، لكنْ لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا بالرَّمْى، فقال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: لا يجوزُ رَمْيُهم. وهو ظاهِرُ كلامِه في هذا الكِتابِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ} الآية. قال اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْن يُقْدَرُ على فَتْحِهِ، أفْضَلُ مِن قَتْلِ مسلم بغيرِ حَقٍّ.