ثم غدا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذكر الحديث. والغدو إنما يكون أول النهار. وقال أبو الخطاب: يستحب التغليظ بهما، فيتلاعنان بعد العصر، لقول الله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} يعني: بعد العصر، ويكون في الأماكن الشريفة عند المنابر في الجامع، إلا في مكة بين الركن والمقام، وفي المسجد الأقصى عند الصخرة؛
واليمين المشروعة التي يبرأ بها المطلوب هى اليمين بالله تعالى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} ، وقال سبحانه: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} ، وقال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} «وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لركانة بن عبد يزيد في الطلاق: الله ما أردت إلا واحدة؟ قال: الله ما أردت إلا واحدة» .
وفي الزمان أن يحلف بعد العصر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} ويحلف بين الأذانين، وفي المكان: أن يحلف بين الركن والمقام بمكة، وعند منبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة، وعند الصخرة بالقدس، وعند المنبر في سائر المساجد، لما روى مالك في الموطأ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار» ولأنه ثبت التغليظ في أهل الذمة، فنقيس عليهم غيرهم،
ولا مرضي، ولا هو منا، إلا أن شهادة أهل الكتاب، تقبل في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، ويستحلف مع شهادته بعد العصر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} الآيات، نزلت في تميم الداري وعدي وكانا نصرانيين، شهدا بوصية مولى لعمرو بن العاص، روى هذه القصة أبو داود وغيره، وروى حنبل عن أحمد: أن شهادة بعضهم على بعض جائزة، لما روى جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجاز شهادة بعض أهل الذمة على بعض» ، رواه ابن ماجة، ولأن بعضهم يلي بعضاً، فتجوز شهادتهم عليهم، كالمسلمين، والمذهب الأول.
وقال ابن أبي موسى: لا تثبت الوصية إلا بشاهدين؛ لقول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
قول الاوزاعي لقول الله تعالى: - " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين.
قال: (ويغلط بزمان، وهو بعد عصر جمعة) ؛ لأن يوم الجمعة أشرف أيام الأسبوع، والماد بعد صلاة عصره؛ لأن المقصود من اللعان الزجر والردع فاعتبر فيه الوقت الذي يكون اليمين فيه أغلط وهو بعد العصر، قال تعالى:{تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله}.
ولا يصحُّ حَمْلها على التحمُّل؛ لأنه أمر بإحلافهم، ولا يمين في التحمُّل، وحَمْلها على اليمين غير معقول ؛ لقوله تعالى:{وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ}؛ ولأنه عطف على ذوي العدل من المؤمنين وهما شاهدان.
(و) التغليظ في (الزمان: أن يحلف بعد العصر) لقوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة}، قيل: المراد صلاة العصر؛ لأنه وقت تُعظِّمه أهل الأديان، كما تقدَّم . (أو بين الأذان والإقامة) لأنه وقت يُرجى فيه إجابة الدُّعاء، فتُرجى فيه معاجلة الكاذب.
وكذلك قال سهل:" فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسولى الله صلى الله عليه وسلم " . (و) سن (أن لا ينقصوا عن أربعة) من الرجال؛ لأن الزوجة ربما تصدق على الزنا فيشهدون على إقرارها عند الحاكم. (و) أن يكون تلاعنهما (بوقت ومكان معظمين) . فالوقت المعظم: بعد العصر يوم الجمعة؛ لقول الله سبحانه وتعالى:{تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}.
وحملها على التحمل لا يصح أيضا، لأنه أمر بإحلافهم ولا يمين في التحمل. وحملها على اليمين لا يصح أيضا، لقوله سبحانه وتعالى:{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ}.
موحد مع رفقة كفار ... وعدم المسلم في الأسفار إنَّ شهدوا وحلفوا ما بدلوا ... تقبل في الإيصاء نصًا نقلوا أي: إذا كان مسلم مع رفقة كفار مسافرين ولم يوجد غيرهم من المسلمين فوصى وشهد بوصيته اثنان منهم قبلت شهادتهما ويستحلفان بعد العصر لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وإنّها لوصية الرَّجل بعينه،
ولنا: قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] الآية، وهذا نصّ الكتاب، وقد قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن عبّاس رواه أبو داود ، وقضى به بعده أبو موسى وابن مسعود كما تقدّم، وحمل الآية على أنَّه أراد من غير عشيرتكم لا يصح؛ لأنّ الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين ، ودلت عليه الأحاديث، ولأنّه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان؛
فإذا قال قائل: وجدنا في القرآن قبول شهادة غير المسلم قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني من المسلمين ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: غير المسلمين، فقوله تعالى: ﴿اثْنَانِ﴾ خبر المبتدأ، وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ معطوف عليه يعني أو شهادة هذه الوصية ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ بشرط: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يعني سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ، يعني جاءكم الموت، وهذان الآخران من غيركم موجودان عندكم فأشهدوهما على الوصية، مع أن الوصية فيها ضرر على الورثة؛
وكذا، نقبل شهادتهما وهما كافران مع أنه يوجد إضرار بالورثة، لكن الآية فيها احتياطٌ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، لكن متى؟ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ ، يعني فإن لم ترتابوا فلا حاجة إلى الحبس، وهذا يدل على أننا قد لا نرتاب في شهادة الكافر، فيكون في هذا تأييد لما أسلفنا من قبل في مسألة ما لو نقل الحادث بالصورة.
وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: من بعد صلاة العصر، والمراد بالحبس أن نأتي بهما ونوقفهما ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ ، يعني أننا ما شهدنا من أجل حظ من الدنيا،
ولو كان أقرب قريب إلينا ولا نكتم شهادة الله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ، ففي هذه الآية دليل واضح على قبول شهادة غير المسلم في وصيةٍ في سفر لم يحضرها غيرهما من المسلمين، فهل نحكم بهذا؟
(ويَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ فيما طَرِيقُه الرُّؤْيَةُ، إذا فُهِمَت إشَارتُه) لأنَّ إشارَتَه بمَنْزِلَةِ نُطْقِه، كما في سائرِ أحْكامِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّا إنَّما قَبِلْنا إشارَتَه فيما يَخْتَصُّ به للضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورةَ ههُنا. (الرابعُ، الإسلامُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ كافرٍ، إلَّا أهلَ الكتابِ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، إذا لم يُوجَدْ غيرُهم، وحضَرَ المُوصِىَ الموْتُ، فتُقْبَلُ شهادَتُهم، ويُحَلِّفُهم الحاكمُ بعدَ العَصْر: لا نَشْتَرِى به ثَمَنًا ولو كانَ ذا قُرْبَى، ولا نَكْتُمُ شَهادةَ اللهِ، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرجلِ) بَعْييهِ (فإن عُثِرَ على أنَّهما اسْتَحَقّا إثْمًا، قام آخَران مِن أوْلِياءِ الموصِى فحَلَفَا باللهِ: لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهما، ولقد خانَا وكَتَما.
وإنَّ الجامَ لصاحبِهم. فنزلَتْ فيهم:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآية. وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّ رجلًا مِن المُسلمين حضَرَتْه الوَفَاةُ بِدَقُوقَا ، ولم يَجِدْ أحدًا مِنَ المُسلمين يُشْهِدُه على وَصِيَّتِه، فأشْهَدَ رجُلَيْن مِن أهلِ الكِتابِ، فقَدِما الكُوفَةَ، فأَتَيا الأشْعَرِىَّ، فأخْبَراه، وقَدِمَا بتَرِكَتِه ووَصِيَّتِه، فقال الأشْعَرِىُّ: هذا أمرٌ لم يكُنْ بعدَ الذى كان في عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأحْلَفَهما بعدَ العَصْرِ، ما خَانا، ولا كَذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيَّرَا، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ، وتَرِكَتُه، فأمْضَى شَهادتَهما.
لأنَّه أمرَبإحْلافِهم، ولا أيْمانَ في التَّحَمُّلِ. وحَمْلُها على اليَمِينِ لا يَصِحُّ؛ لقولِه:{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ}. ولأنَّه عَطَفَها على ذَوَىِ العَدْلِ مِن المُؤْمِنين، وهما شَاهِدان. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ في «النَّاسِخِ والمَنْسُوخِ» أنَّ ابنَ مَسعودٍ قَضَى بذلك في زَمَنِ عُثمانَ. قال أحمدُ: أهلُ المَدينةِ ليس عندَهم حديثُ أبى موسى، مِن أينَ يَعْرِفُونَه؟ فقد ثَبَت هذا الحُكْمُ بكتابِ اللهِ، وقَضاءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقَضاءِأصْحابِه به وعَملِهم بما ثِبَت في الكِتابِ والسُّنَّةِ، فتَعَيَّنَ المصِيرُ إليه، والعَملُ به، سواءٌ وَافقَ القِياسَ أو خالَفَه.
فإنَّ ما ذُكِرَ عن الخَليفَتَيْن عمرَ وعثمانَ، مع مَن حَضَرهما، لم يُنْكَرْ، وهو في مَحَلِّ الشُّهْرَةِ، فكان إجْماعًا. وقولُه تعالى:{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ}. إنَّما كان في حَقِّ أهلِ الكتابِ، [والوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وهى قَضِيَّةٌ خُولِفَ فيها القِياسُ في مَواضِعَ؛ منها قَبولُ شَهادةِ أهلِ الكتابِ] على المسلمين، ومنها اسْتِحْلافُ الشَّاهِدَيْنِ، ومنها اسْتِحْلافُ خُصومِهما عندَ العُثورِ على اسْتِحْقاقِهما الإِثْمَ، وهم لا يَعْمَلُون بها أصلًا، فكيفَ يحْتَجُّون بها!
تنييه: يحْتَمِلُ قولُه: ويُحَلِّفُهم الحاكِمُ بعدَ العَصْرِ: لا نَشتَرِى به ثَمَنًا ولو كان ذا قُرْبَى، ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ، وإنَّها لوَصِيَّةُ الرَّجُلِ. أنَّ تحْلِيفَهم على سَبِيلِ الوُجوبِ . وهو الظَّاهِرُ، وهو ظاهِرُ كلام أكْثَرِهم. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو الأشْهَرُ، وهو أحدُ الوَجْهَيْن. وقدَّمه فى «الرِّعايةِ الكُبْرَى». والوَجْهُ الثَّانى، يُحَلِّفُهم على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ. وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
قال: (الرابع: الإسلام. فلا تُقبل شهادة كافر إلا أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم، وحضر الموصي الموت فتقبل شهادتهم، ويحلفهم الحاكم بعد العصر: لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، وأنها لوصية الرجل، فإن عُثر على أنهما استحقا إثماً قام آخران من أولياء الموصي فحلفا بالله لشهادتُنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم. وعنه: أن شهادة بعض أهل الذمّة تقبل على البعض. والأوّل المذهب) .
وأما كون شهادته بالوصية في السفر بالشروط التي ذكرها المصنف تقبل ويحلفه الحاكم على الوجه المتقدم ذكره؛ فلأن الله عز وجل قال:{يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبةُ الموت}.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قضوا بذلك. فروى ابن عباس قال:«خرجَ رجلٌ من بني سهمٍ مع تميمٍ الداري وعدي بن زيد، فماتَ السهمي بأرضٍ ليس بها مسلمٍ، فلما قدما بتركته فقدوا جامَ فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهب. فأحلفهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. ثم وجدوا الجامَ بمكة. فقالوا: اشتريناهُ من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتُنا أحق من شهادتهما وإن الجامَ لصاحبهم. فنزلت فيهم: {يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم إذا حضر أحدكم الموت ... الآية} [المائدة: ١٠٦] ».
قال: وتجوز شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر، إذا لم يكن غيرهم. ش: الأصل في ذلك قَوْله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: ١٠٦] الآية وهذا ظاهر في ذلك.
٣٨٤٦ - ثم قد زاده إيضاحا بحيث صيره نصا ما روي «عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري، وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جاما من فضة، مخوصا بذهب، فأحلفهما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم الداري، وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما.
وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] » رواه البخاري وأبو داود فقد وافق قضاء الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآية الكريمة،
رواه أبو داود.
٣٨٤٨ - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قضى بذلك في زمان عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، وقد تبين بمجموع هذا (رد قول من زعم) أن المراد {مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] أي من غير عشيرتكم، (وقول من زعم) أن المراد بالشهادة الحضور، كما في قوله {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: ٢] ويكون المعنى فليحضر اثنان، أي يوصي إليهما في هذه الحالة، تأكيدا أو نحو ذلك، (وقول من زعم) أن المراد بالشهادة اليمين، كما في آية اللعان أيضا، وأبعد من هذه الأقوال (من زعم) نسخ الآية [الكريمة، إذ لا دليل على ذلك، مع أن السلف عملت عليه،
قال: وإن كان الحالف كافرا إلا أنه إن كان يهوديا قيل له: قل: والله الذي أنزل التوراة على موسى، وإن كان نصرانيا قيل له: قل: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وإن كان لهم مواضع يعظمونها، ويتقون أن يحلفوا فيها كاذبين حلفوا فيها. ش: يعني أن حكم الكافر حكم المسلم، في أنه يبرأ إذا حلف بالله سبحانه فقط، لإطلاق ما تقدم، ولقول الله سبحانه: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة: ١٠٦] وزاد أنه إن كان يهوديا قيل له: قل والله الذي أنزل التوراة على موسى.