وَكَذَلِكَ صَوْمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} . وَقَالَ تَعَالَى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ} وَاَلَّذِي رُوِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ فِي الْحَجِّ شَاذٌّ غَيْرُ مَشْهُورٍ وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ بِمِثْلِهِ لَا تَثْبُتُ
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥
في الفقه
الحنفية٤٨
أَمَّا قَتْلُ الصَّيْدِ فَالْمُحْرِمُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وَالصَّيْدُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ مَا دَامَ مُحَرَّمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} وَأَمَّا الرَّفَثُ وَالْفُسُوقُ وَالْجِدَالُ فَالنَّهْيُ عَنْهَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} فَهُوَ نَهْيٌ بِصِيغَةِ النَّفْيِ، وَهَذَا آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ النَّهْيِ، وَفِي تَفْسِيرِ الرَّفَثِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الْجِمَاعُ بَيَانُهُ فِي قَوْله تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} وَالثَّانِي الْكَلَامُ الْفَاحِشُ.
وَإِنْ اخْتَارَ النُّسُكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِالْحَرَمِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً إلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ هُوَ الْحَرَمُ، وَهَذَا الدَّمُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِالزَّمَانِ فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ فَيَكُونُ كَفَّارَةً لِفِعْلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فَصَارَ أَصْلًا فِي كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْحَرَمِ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْهَدَايَا قَالَ:
(قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُحْرِمٌ دَلَّ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ الْمَدْلُولُ فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ لِأَنَّ الْجَزَاءَ وَاجِبٌ بِقَتْلِ الصَّيْدِ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} الْآيَةَ، وَالدَّلَالَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِعْلٌ مُتَّصِلٌ مِنْ الْقَاتِلِ بِالْمَقْتُولِ فَأَمَّا الدَّلَالَةُ وَالْإِشَارَةُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالْمَحِلِّ وَهُوَ الصَّيْدُ وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ فِيمَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْحَمَامَةِ شَاةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَزَعَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةً مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعُبُّ، وَيَهْدُرُ، وَفِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، وَاحْتَجَّا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} ، وَحَقِيقَةُ الْمِثْلِ مَا يُمَاثِلُ الشَّيْءَ صُورَةً وَمَعْنًى،
الْمُرَادُ الْقِيمَةُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَحَدُهَا مَا بَيَّنَّا، وَالثَّانِي أَنَّ الَّذِي أَتَى الْحَكَمَيْنِ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ فَإِذَا ظَهَرَتْ قِيمَتُهُ فَالْخِيَارُ إلَى الْمُحْرِمِ بَيْنَ التَّكْفِيرِ بِالْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخِيَارُ إلَى الْحَكَمَيْنِ فَإِذَا عَيَّنَا نَوْعًا عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِهِ بِعَيْنِهِ فَأَمَّا اعْتِبَارُ الْحَكَمَيْنِ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ شَاةٌ فَقَامَا مِنْ عِنْدِهِ وَجَعَلَ السَّائِلُ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ إنَّ فَتْوَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تُغْنِي عَنْك شَيْئًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ حَتَّى سَأَلَ غَيْرَهُ فَأَرَى أَنْ تَنْحَرَ رَاحِلَتَك هَذِهِ، وَتُعَظِّمَ شَعَائِرَ اللَّهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَدَعَاهُ وَعَلَاهُ بِالدُّرَّةِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي لَا أُحِلُّ لَك مِنْ نَفْسِي شَيْئًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك فَانْظُرْ لِنَفْسِك فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَاك حَسَنَ اللَّهْجَةِ وَالْبَيَانِ أَمَا سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فَأَنَا ذُو عَدْلٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ذُو عَدْلٍ،
وَمَنْ يَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى يُسَمَّى جَاهِلًا فِيكُمْ فَتَابَ الرَّجُلُ عَنْ مَقَالَتِهِ ثُمَّ احْتَجَّ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ قَالَ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَذَكَرَ الْهَدْيَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَحْكُمُ أَوْ مَفْعُولُ حُكْمِ الْحُكْمِ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ التَّعْيِينَ إلَى الْحَاكِمِ، وَفِي تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِعْلَهُمَا حُكْمًا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْإِلْزَامَ إلَيْهِمَا، وَلَيْسَ إلَيْهِمَا إلْزَامُ أَصْلِ الْوَاجِبِ فَعَرَفْنَا أَنَّ إلَيْهِمَا التَّعْيِينَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا الْحَاجَةُ إلَى الْحَكَمَيْنِ لِإِظْهَارِ قِيمَةِ الصَّيْدِ فَبَعْدَ مَا ظَهَرَتْ الْقِيمَةُ فَهِيَ كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فَإِلَيْهِ التَّعْيِينُ لِمَا يُؤَدِّي بِهِ الْوَاجِبَ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَكَمَا فِي ضَمَانِ قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَإِنَّ تَعْيِينَ مَا يُؤَدَّى بِهِ الضَّمَانُ إلَيْهِ دُونَ الْمُقَوِّمِينَ فَكَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِنْ اخْتَارَ التَّكْفِيرَ بِالْهَدْيِ فَعَلَيْهِ الذَّبْحُ فِي الْحَرَمِ، وَالتَّصَدُّقُ بِلَحْمِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَالْهَدْيُ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ،
وَإِمَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا كَامِلًا فَالصَّوْمُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَعِنْدَنَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الصَّوْمَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} وَحَرْفُ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ وَقَاسَ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، وَقَالَ حَرْفُ " أَوْ " لَا يَنْفِي التَّرْتِيبَ فِي الْوَاجِبِ كَمَا فِي حَقِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي قَوْله تَعَالَى {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} الْآيَةَ، وَلَكِنْ هَذَا خِلَافُ الْحَقِيقَةِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْحَقِيقَةِ وَاجِبٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ، وَقِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ بَاطِلٌ،
وَإِنْ كَانَ الرَّامِي فِي الْحَرَمِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ الرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ مِنْ الْحَرَمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يُقَالُ أَحْرَمَ إذَا عَقَدَ عَقْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَحْرَمَ إذَا دَخَلَ الْحَرَامَ كَمَا يُقَالُ أَشْأَمِ إذَا دَخَلَ الشَّامَ فَكَانَ فِي الْوَجْهَيْنِ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ، وَالرَّامِي فِي الْحِلِّ فَرَمَاهُ ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ فَيُصِيبُهُ فِيهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ فِي الرَّمْيِ غَيْرُ مُرْتَكِبٍ لِلنَّهْيِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ عِنْدَهُ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ فِي حِلِّ التَّنَاوُلِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ احْتِيَاطًا لِأَنَّ الْحِلَّ بِالذَّكَاةِ يَحْصُلُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ الصَّيْدُ صَيْدَ الْحَرَمِ لَمْ يَحِلَّ تَنَاوُلُهُ، وَعَلَى هَذَا إرْسَالُ الْكَلْبِ.
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، وَالْفِعْلُ الْمُوجِبُ لِلْحِلِّ مُسَمًّى بِاسْمِ الذَّكَاةِ شَرْعًا فَلَمَّا سَمَّاهُ قَتْلًا هُنَا عَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحِلِّ أَصْلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - هَلْ أَعَنْتُمْ هَلْ أَشَرْتُمْ هَلْ دَلَلْتُمْ؟ فَقَالُوا: لَا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَنْ فَكُلُوا» فَإِذَا ثَبَتَ بِالْأَثَرِ أَنَّ الْإِعَانَةَ مِنْ الْمُحْرِمِ تُوجِبُ الْحُرْمَةَ فَمُبَاشَرَةُ الْقَتْلِ هُنَا أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال وَعِنْدَكُمْ الصَّيْدُ لَا يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ بِإِشَارَةِ الْمُحْرِمِ وَدَلَالَتِهِ قُلْنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هُمَا فِي الزِّيَادَاتِ،
وَلَوْ كَانَ النَّصُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا مَا هُوَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ غَيْرُ الْمُؤْذِي، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَثْنَى الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْأَسَدَ أَلَا تَرَى «أَنَّهُ حِينَ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ قَالَ اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك فَافْتَرَسَهُ أَسَدٌ بِدُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ حُرْمَةٌ مُمْتَدَّةٌ إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَأْكُولَ اللَّحْمِ فَأَمَّا غَيْرُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَمُحَرَّمُ التَّنَاوُلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا النَّصُّ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، وَاسْمُ الصَّيْدِ يَعُمُّ الْكُلَّ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بِهِ لِتَنَفُّرِهِ، وَاسْتِيحَاشِهِ، وَبُعْدِهِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لَفْظَةَ الِاصْطِيَادِ بِهَذَا الْمَعْنَى تُطْلَقُ عَلَى أَخْذِ الرِّجَالِ قَالَ الْقَائِلُ
بِقَتْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَرَانِبُ وَالْيَرْبُوعُ يَجِبُ بِقَتْلِهِمَا الْقِيمَةُ عَلَى الْمُحْرِمِ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي الْقُنْفُذِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْفَأْرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ جَعَلَهُ كَالْيَرْبُوعِ فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانِ حَمَلًا أَوْ عَنَاقًا لَمْ يُجْزِهِ الْحَمَلُ وَلَا الْعَنَاقُ مِنْ الْهَدْيِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَدْنَى مَا يَجْزِي فِي ذَلِكَ الْجَذَعُ الْعَظِيمُ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ ذَلِكَ كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ، وَجُعِلَ هَذَا قِيَاسُ الْأُضْحِيَّةِ فَكَمَا لَا يَجْزِي هُنَاكَ التَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ دَمِ الْحَمَلِ وَالْعَنَاقِ كَمَقْصُودٍ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالنَّصِّ هُنَا الْهَدْيُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَكَمَا لَا يُجْزِئُ الْحَمَلُ وَالْعَنَاقُ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ لَا يُجْزِئُ هُنَا، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى جَوَّزُوا ذَلِكَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ اسْتِحْسَانًا بِالْآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِهِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالُوا فِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُسَمِّي الدَّرَاهِمَ وَالثَّوْبَ هَدْيًا أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَالْحَمَلُ وَالْعَنَاقُ أَوْلَى فِي ذَلِكَ،
(قَالَ) وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلِأَنَّ فِي امْتِنَاعِهِ عَنْ الشِّرَاءِ زَجْرًا لِلْمُحْرِمِ عَنْ اصْطِيَادِهِ فَإِنَّهُ تَقِلُّ رَغْبَتُهُ فِي الِاصْطِيَادِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى مِنْهُ الصَّيْدُ، وَسَوَاءٌ أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً جَزَاءٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} الْآيَةَ فَالتَّقْيِيدُ بِالْعَمْدِيَّةِ لِإِيجَابِ الْجَزَاءِ يَمْنَعُ وُجُوبَهُ عَلَى الْمُخْطِئِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا ضَمَانٌ يَعْتَمِدُ وُجُوبُهُ الْإِتْلَافَ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَامِدُ وَالْخَاطِئُ كَغَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ، وَهَذِهِ كَفَّارَةٌ تُوجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ فَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْمُخْطِئِ كَالْكَفَّارَةِ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ قَتْلَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا، وَارْتِكَابُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ مُوجِبٌ لِلْجَزَاءِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً فَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِالْعَمْدِ فِي الْآيَةِ فَلَيْسَ لِأَجْلِ الْجَزَاءِ بَلْ لِأَجْلِ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} إلَى قَوْلِهِ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} وَهَذَا الْوَعِيدُ عَلَى الْعَامِدِ دُونَ الْمُخْطِئِ ثُمَّ ذَكَرَ الْعَمْدَ هُنَا لِلتَّنْبِيهِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الْعَمْدِيَّةِ فِي الْقَتْلِ مَانِعَةٌ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِتَمَحُّضِ الْحَظْرِيَّةِ فَذَكَرَهُ اللَّهُ هُنَا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ هُنَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ عَمْدًا وَجَبَ إذَا كَانَ خَطَأً بِطَرِيقِ الْأَوْلَى،
قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ، وَلَكِنَّا نَقُولُ بِأَنَّ الْإِتْلَافَ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْعَوْدِ إلَيْهِ، وَجَزَاءُ الْجِنَايَةِ يَجِبُ عِنْدَ الْعَوْدِ إلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ جِنَايَةَ الْعَائِدِ أَظْهَرُ مِنْ جِنَايَةِ الْمُبْتَدِئِ بِالْفِعْلِ مَرَّةً فَأَمَّا الْآيَةُ فَالْمُرَادُ مِنْ عَادَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الرِّبَا {وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} يَعْنِي مَنْ عَادَ إلَى الْمُبَاشَرَةِ بَعْدَ الْعِلْمِ - بِالْحُرْمَةِ لَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْعَوْدَ إلَى الْقَتْلِ بَعْدَ الْقَتْلِ.
(قَالَ) وَإِذَا قَتَلَ الْحَلَالُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَ قَوْله تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: أَحْرَمَ، إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ، كَمَا يُقَالُ: أَشْتَى، إذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ.
المبسوطالمسألة ٧٧٣٠٤/ ١٠٠٤/ ١٠٠
(قَالَ) وَإِذَا ذَبَحَ الْهَدْيَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بِالْكُوفَةِ، وَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ الْهَدْيِ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْحَرَمُ كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى التَّبْلِيغِ إلَى الْحَرَمِ هُنَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَلَكِنْ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ مِثْلَ قِيمَةِ الصَّيْدِ أَجْزَأَهُ مِنْ الطَّعَامِ إذَا أَصَابَ كُلُّ مِسْكِينٍ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ عَلَى قِيَاسِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إذْ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ثَوْبًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُ مِنْ الطَّعَامِ دُونَ الْكِسْوَةِ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا أَصَابَ كُلَّ مِسْكِينٍ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ أَكْثَرَ.
المبسوطالمسألة ٧٧٤١٤/ ١٠١٤/ ١٠١
وَإِنْ اخْتَارَ الصَّوْمَ يَصُومُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمُدِّ يَوْمًا كَامِلًا أَوْ يُطْعِمُ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الصَّوْمَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} فَإِنْ شَاءَ تَابَعَ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ.
المبسوطالمسألة ٢٨٥٨٦١٢/ ٢٢١٢/ ٢٢
وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ فِي الْحِلِّ، وَقَدْ رَمَاهُ مِنْ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ مِنْ الْحَرَمِ قِيلَ مَحْظُورٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} قِيلَ مَعْنَاهُ وَأَنْتُمْ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ كَمَا يُقَالُ أَشْأَمَ إذَا دَخَلَ الشَّامَ وَالْمُوجِبُ لِلْحِلِّ الذَّكَاةُ لَا الْقَتْلُ الْمَحْظُورُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَى الرَّامِي فَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَنْزِلَةِ مُحْرِمٍ يَقْتُلُ صَيْدًا،
المبسوطالمسألة ٥٨٧١٦٢٤/ ١٥٢٢٤/ ١٥٢
وَلَوْ أَنَّ مُحْرِمًا قِيلَ لَهُ: لَنَقْتُلَنَّكَ، أَوْ لَتَقْتُلَنَّ هَذَا الصَّيْدَ، فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ حُرْمَةٌ مُطْلَقَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، فَكَأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَزِيمَةٌ، وَإِبَاحَةَ قَتْلِ الصَّيْدِ رُخْصَةٌ
التجريدالمسألة ١٥٠٣٥ص ١٩٣٦ص ١٩٣٦
احتجوا: بقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} .
التجريدالمسألة ١٥٣٦١ص ١٩٧٣ص ١٩٧٣
احتجوا: بقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء} .
التجريدالمسألة ١٥٣٦٣ص ١٩٧٣ص ١٩٧٣
وقال تعالى: {ليذوق وبال أمره} ،
التجريدالمسألة ١٥٣٦٤ص ١٩٧٣ص ١٩٧٣
{ومن عاد فينتقم الله منه} ، وهذا لا يتناول الصبي.
التجريدالمسألة ١٥٦٤١ص ٢٠٠٢ص ٢٠٠٢
لنا: قوله تعالى: {أو كفارة طعام مساكين} .
التجريدالمسألة ١٥٦٦١ص ٢٠٠٤ص ٢٠٠٤
قالوا: قال الله تعالى: {هديًا بالغ الكعبة} .
التجريدالمسألة ١٦٠٧٢ص ٢٠٤٥ص ٢٠٤٥
لنا: قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} . وهذا عام فيما له نظير وفيما لا نظير له،
التجريدالمسألة ١٦٠٧٣ص ٢٠٤٥ص ٢٠٤٥
ثم قال تعالى: {ومن قتله منكم متعمداً} .
التجريدالمسألة ١٦٠٧٦ص ٢٠٤٦ص ٢٠٤٦
ولأنه تعالى قال: {يحكم به ذوا عدل منكم} ، إن العدل إنما شرط فيما طريقه الخبر حتى لا يخبر من ليس بعدل بالكذب، والمثل من طريقة الخلقة يعلم بالمشاهدة؛
التجريدالمسألة ١٦٠٧٨ص ٢٠٤٦ص ٢٠٤٦
ولأنه تعالى قال: {يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً} ، والتخيير إذا حصل بين أشياء، فكل واحد منها يتعلق بما يتعلق به الآخر، فكأنه قال: هو هدي أو مثل أهو صيام، وهذا لا يكون إلا على قول من أوجب القيمة، قال: فأي الأصناف الثلاثة صرفها كانت هي المثل.
التجريدالمسألة ١٦٠٧٩ص ٢٠٤٦ص ٢٠٤٦
ولأن قوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} ظاهره يقتضي: أنه حكم غير باق أبداً، وهذا لا يكون إلا في القيمة التي تختلف باختلاف الأزمان،
التجريدالمسألة ١٦٠٨٦ص ٢٠٤٧ص ٢٠٤٧
قال مخالفونا: هذه الآية حجه لنا؛ لأن قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قال من النعم} ، لو اقتصر عليه لاقتضى مثله من جنسه، فلما قال: {من النعم} علم: أنه أراد مثله من النعم، فيكون تفسير الآية: فجزاء مثل ما قتل من النعم عن المقتول.
التجريدالمسألة ١٦١٠٧ص ٢٠٤٩ص ٢٠٤٩
قالوا: فقد قال الله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} ، والكناية عندكم نرجع إلى أقرب مذكور، وعندنا إلى الكل، فأي الأمرين كان فليس في الكلام فيه مذكور ترجع الكناية إليه.
التجريدالمسألة ١٦١٠٩ص ٢٠٤٩ص ٢٠٤٩
قالوا: قال الله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم هديا} فثبت أن المراد به: يحكمان بالجزاء هدياً.
التجريدالمسألة ١٦١١٦ص ٢٠٥٠ص ٢٠٥٠
وإن أضيف أحدهما إلى الآخر، كما قال: في الآية: {أو كفارة طعام مساكين} فأضاف الكفارة في هذه القراءة إلى الطعام،
التجريدالمسألة ١٦١١٩ص ٢٠٥٠ص ٢٠٥٠
وأما قراءة نافع {أو كفارة طعام مساكين} . المراد بالإضافة: إضافة اختصاص؛ لأن الكفارة تارة تكون طعاماً، وتارة تكون غيره، فأضافها إلى الطعام ليبين تخصيصها به إذا أخرجت.
التجريدالمسألة ١٦١٥٥ص ٢٠٥٤ص ٢٠٥٤
لنا: قوله تعالى: {ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين} . [فكأنه] قال: يحكم به ذوا عدل منكم هدياً أو جزاء، هو إطعام.
التجريدالمسألة ١٦١٦٦ص ٢٠٥٦ص ٢٠٥٦
لنا قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} ، فسمى ذلك هديا.
التجريدالمسألة ١٦٣٥٢ص ٢٠٧٦ص ٢٠٧٦
احتجوا بقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء} ؛ دليله: أن من لم يقتل فلا جزاء عليه. وهذا غلط؛ لأن دليل الخطاب هو الحكم إذا علق بوصف دل على نفي ما عداه، فيقضي: أن من فعله خطأ وجب عليه الجزاء،
التجريدالمسألة ١٦٥١٦ص ٢٠٩٣ص ٢٠٩٣
احتجوا بقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمداً فجزاء} ، ولم يفصل بين المحرم بإحرام واحد أو إحرامين.
التجريدالمسألة ١٦٥١٧ص ٢٠٩٣ص ٢٠٩٣
قلنا: قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} حال من الإحرام، فكأنه قال: لا تقتلوا في حال إحرامكم، وهذا يقضي كل حال للمحرم.
التجريدالمسألة ١٦٥١٨ص ٢٠٩٣ص ٢٠٩٣
وقوله: {ومن قتله منكم متعمداً} لا يرجع إلى الأول باللفظ، وإنما هو شرط وجزاء يرجع إلى قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا} ، وإنما شرطنا الإحرام فيه بدليل لا بالظاهر، فوجب أن يثبت مقدار ما دل الدلالة عليه.
التجريدالمسألة ١٦٥٧٩ص ٢٠٩٩ص ٢٠٩٩
لنا: قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء} ، وهذا شرط وجزاء، فكل واحد ممن دخل تحت الشرط يلزمه الجزاء بكماله، كمن قال: من دخل داري فله درهم، استحق كل داخل درهمًا بكماله.
التجريدالمسألة ١٦٧٢٣ص ٢١١٤ص ٢١١٤
لنا: قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ، واسم الصيد في اللغة: ما كان من جنسه ممتنعًا متوحشًا، وهذا موجود في المأكول وغيره.
التجريدالمسألة ١٦٧٢٩ص ٢١١٥ص ٢١١٥
قالوا: الآية تناولت صيدًا حرم بالإحرام؛ لأنه قال: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ، وما لا يؤكل لحمه محرم قبل الإحرام، فكان اصطياده وقتله لدفع ضرره، والانتفاع بجلده وقطع لحمه بخلافه، ويدل عليه: قوله عليه الصلاة والسلام: (خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم) ، والمحصور بعدد يدل على نفي ما سواه على قول كثير من أصحابنا،
التجريدالمسألة ١٦٧٤٥ص ٢١١٧ص ٢١١٧
لإاما قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ، فإنما حملناه على الصيد، بدلالة: وهو أن القتل لا يقع في الفعل، وإنما يقع في الحيوان.
التجريدالمسألة ٣٤٠٧٦ص ٤٣٦١ص ٤٣٦١
وكقوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء} ، إنا لا نخص عموم الآية بخصوص ما بعده بل نستعملها.
الشافعية٤٣
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَاسَهُ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} فَلَوْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ الْهَدْيُ أَوْ الطَّعَامُ، فَيُقَالُ: إذَا كَانَ لِلْمُحْصَرِ أَنْ يُحِلَّ بِدَمٍ يَذْبَحُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ حَلَّ وَذَبَحَ مَتَى وَجَدَ أَوْ جَاءَ بِالْبَدَلِ مِنْ الذَّبْحِ إذَا كَانَ لَهُ بَدَلٌ وَلَا يَحْبِسُ لِلْهَدْيِ حَرَامًا عَلَى أَنْ يُحِلَّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤْمَرُ فِيهِ بِالْإِحْلَالِ، وَقَاسَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا ذَكَرَ الْهَدْيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَجَعَلَ بَدَلَهُ غَيْرَهُ، وَجَعَلَ فِي الْكَفَّارَاتِ أَبْدَالًا،
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَجْزِي الصَّيْدُ مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً،
قِيلَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي قَتْلِ الْخَطَأِ {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وَقَالَ {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فَلَمَّا كَانَتْ النَّفْسَانِ مَمْنُوعَتَيْنِ بِالْإِسْلَامِ وَالْعَهْدِ فَأَوْجَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِمَا بِالْخَطَأِ دِيَتَيْنِ وَرَقَبَتَيْنِ كَانَ الصَّيْدُ فِي الْإِحْرَامِ مَمْنُوعًا بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} وَكَانَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ فِيمَا قُتِلَ مِنْهُ عَمْدًا بِجَزَاءٍ مِثْلِهِ وَكَانَ الْمَنْعُ بِالْكِتَابِ مُطْلَقًا عَامًّا عَلَى جَمِيعِ الصَّيْدِ وَكَانَ الْمَالِكُ لِمَا وَجَبَ بِالصَّيْدِ أَهْلَ الْحَرَمِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَنْ قَالَ هَذَا مَعَك؟ قِيلَ الْحُجَّةُ فِيهِ مَا وَصَفْت وَهِيَ عِنْدَنَا مُكْتَفًى بِهَا وَقَدْ قَالَهُ مِمَّنْ قَبْلَنَا غَيْرُنَا قَالَ فَاذْكُرْهُ قُلْت أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} قُلْت لَهُ فَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً أَيَغْرَمُ؟
خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ الَّذِي كَانَ بِهِ الْقَتْلُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِحُرُمِهِ فَذَلِكَ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَمَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ذَاكِرًا لِحُرُمِهِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، قَالَ عَطَاءٌ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ عَطَاءٌ نَأْخُذُ،
وَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا فَحُكِمَ عَلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لِآخَرَ قَالَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا عَادَ أَبَدًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمِنْ أَيْنَ قُلْته؟ قُلْت إذَا لَزِمَهُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ الثَّانِي وَكُلِّ مَا بَعْدَهُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ نَفْسًا دِيَتُهُ وَأَنْفُسًا بَعْدَهُ دِيَةٌ دِيَةٌ، فِي كُلِّ نَفْسٍ وَكَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ أَفْسَدَ مَتَاعًا لِأَحَدٍ ثُمَّ أَفْسَدَ مَتَاعًا لِآخَرَ ثُمَّ أَفْسَدَ مَتَاعًا كَثِيرًا بَعْدَهُ قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ فِي كُلِّ حَالٍ فَإِنْ قَالَ فَمَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ؟.
فَإِنْ قَالَ فَاذْكُرْهُ قُلْت أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ عَمْدًا: يُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا قَتَلَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} قِيلَ - اللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَعْنَى مَا أَرَادَ فَأَمَّا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فَيَذْهَبُ إلَى {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ لِقَتْلِ صَيْدٍ مَرَّةً فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} قَالَ عَفَا
اللَّهُ عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُلْت وَقَوْلُهُ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} قَالَ وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ زِيَادَةً قَالَ وَإِنْ عَمَدَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؟ قُلْت لَهُ: هَلْ فِي الْعَوْدِ مِنْ حَدٍّ يُعْلَمُ؟ قَالَ لَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا كَانَ كُلُّ مَا أُرِيدَ بِهِ هَدْيٌ مِنْ مِلْكِ ابْنِ آدَمَ هَدْيًا كَانَتْ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا وَكُلُّ مَا أَهْدَى فَهُوَ بِمَكَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ خَفِيَ عَنْ أَحَدٍ أَنَّ هَذَا هَكَذَا مَا انْبَغَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ الصَّيْدُ إذَا جَزَى بِشَيْءٍ مِنْ النَّعَمِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُجْزِئَ بِمَكَّةَ فَعُلِمَ أَنَّ مَكَّةَ أَعْظَمُ أَرْضِ اللَّهِ - تَعَالَى - حُرْمَةً وَأَوْلَاهُ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْ الدِّمَاءِ لَوْلَا مَا عَقَلْنَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي أَنَّهُ لِلْمَسَاكِينِ الْحَاضِرِينَ بِمَكَّةَ،
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ قَالَ هَذَا أَحَدٌ يُذْكَرُ قَوْلُهُ؟ قِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} قَالَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي حَرَمٍ يُرِيدُ الْبَيْتَ كَفَّارَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ.
أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قَالَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى يَتَصَدَّقُ الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ بِمَكَّةَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} قَالَ فَيَتَصَدَّقُ بِمَكَّةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} الْآيَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ
قَالَ لِعَطَاءٍ مَا قَوْلُهُ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} ؟ قَالَ إنْ أَصَابَ مَا عَدْلُهُ شَاةٌ فَصَاعِدًا أُقِيمَتْ الشَّاةُ طَعَامًا ثُمَّ جَعَلَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا يَصُومُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} إلَى قَوْلِهِ {صِيَامًا}
قِيلَ: نَعَمْ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} قَالَ عَطَاءٌ فَإِنْ أَصَابَ إنْسَانٌ نَعَامَةً كَانَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ أَنْ يَهْدِيَ جَزُورًا أَوْ عَدْلَهَا طَعَامًا أَوْ عَدْلَهَا صِيَامًا أَيَّتَهُنَّ شَاءَ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَجَزَاءٌ} كَذَا
فَقَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ مَا يَبْلُغُ فِيهِ شَاةً فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَأَمَّا {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَدْيُ الْعُصْفُورِ يُقْتَلُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ هَدْيٌ قَالَ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} عَدْلُ النَّعَامَةِ وَعَدْلُ الْعُصْفُورِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ، فَقَالَ عَطَاءٌ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ يَخْتَارُ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِقَوْلِ عَطَاءٍ فِي هَذَا أَقُولُ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وَرُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْت أَجْزَأَك» .
فَقَالَ قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} - إلَى قَوْلِهِ - {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْمِثْلُ مِنْ النَّعَمِ إلَّا فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْهُ وَالْمِثْلُ لِدَوَابِّ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ النَّعَمَ دَوَابُّ رَوَاتِعُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّوَابُّ مِنْ الصَّيْدِ كَهِيَ فِي الرُّتُوعِ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّهَا دَوَابُّ مَوَاشٍ لَا طَوَائِرُ وَأَنَّ أَبْدَانَهَا تَكُونُ مِثْلَ أَبْدَانِ النَّعَمِ وَمُقَارِبَةً لَهَا وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطَّيْرِ بِوَافِقٍ خَلْقَ الدَّوَابِّ فِي حَالٍ وَلَا مَعَانِيهَا مَعَانِيهَا،
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الضُّوَعُ طَائِرٌ دُونَ الْحَمَامِ وَلَيْسَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَمَامِ فَفِيهِ قِيمَتُهُ وَفِي كُلِّ طَائِرٍ أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ غَيْرَ حَمَامٍ فَفِيهِ قِيمَتُهُ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ أَوْ أَصْغَرَ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَالَ فِي الصَّيْدِ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ} .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي النَّفَرِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ قَالَ: عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ (قَالَ) : وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِأَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يَقُولُ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَهَذَا مِثْلٌ وَمَنْ قَالَ عَلَيْهِ مِثْلَانِ فَقَدْ خَالَفَ مَعْنَى الْقُرْآنِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ عِنْدَهُمْ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَكَانَ الصَّيْدُ مَا امْتَنَعَ بِالتَّوَحُّشِ كُلُّهُ، وَكَانَتْ الْآيَةُ مُحْتَمِلَةً أَنْ يَحْرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ صَيْدٍ، وَهُوَ يُجْزِي بَعْضَ الصَّيْدِ دُونَ بَعْضٍ.
فَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ مِنْ الصَّيْدِ شَيْئًا لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ كُلُّ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّيْدِ شَيْءٌ يَتَفَرَّقُ إلَّا بِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ، إمَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ أَنْ يَفْدِيَ الصَّيْدَ الْمُبَاحَ أَكْلُهُ وَلَا يَفْدِيَ مَا لَا يُبَاحُ أَكْلُهُ، وَهَذَا أَوْلَى مَعْنَيَيْهِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصِيدُونَ لِيَأْكُلُوا، لَا لِيَقْتُلُوا، وَهُوَ يُشْبِهُ دَلَالَةَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وَقَالَ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} فَذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إبَاحَةَ صَيْدِ الْبَحْرِ لِلْمُحْرِمِ وَمَتَاعًا لَهُ، يَعْنِي طَعَامًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ،
وَلَوْ أَهْدَى إنَّمَا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا هَدْيٌ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} فَقَدْ يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَهُوَ صَغِيرٌ أَعْرَجُ وَأَعْمَى، وَإِنَّمَا يُجْزِيهِ بِمِثْلِهِ.
وَمَنْ اجْتَهَدَ عَلَى غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ مُخْطِئًا. وَمِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَالْمِثْلُ لِلْمَقْتُولِ وَقَدْ يَكُونُ غَائِبًا فَإِنَّمَا يَجْتَهِدُ عَلَى أَصْلِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ فَيَنْظُرُ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ بِهِ شَبَهًا فَيُهْدِيه. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُبِحْ الِاجْتِهَادَ إلَّا عَلَى الْأُصُولِ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا أَمَرَ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ فَأَمَرَ بِالْمِثْلِ عَلَى الْأَصْلِ لَيْسَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ.
ثُمَّ تَرَكْت قَوْلَهُمْ قَالَ وَأَيْنَ؟ قُلْت قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الْآيَةَ فَلِمَ قُلْتُمْ يَجْزِيه مَنْ قَتَلَهُ خَطَأً وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَجْزِيه مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا قَالَ بِحَدِيثٍ عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي رَجُلَيْنِ، أَوْطَئَا ظَبْيًا قُلْت قَدْ يُوطِئَانِهِ عَامِدَيْنِ فَإِذَا كَانَ هَذَا عَنْك هَكَذَا فَقَدْ حَكَمَ عُمَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى قَاتِلَيْ صَيْدٍ بِجَزَاءِ وَاحِدٍ وَحَكَمَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى قَتَلَةِ صَيْدٍ بِجَزَاءِ وَاحِدٍ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ، وَالْمِثْلُ وَاحِدٌ لَا أَمْثَالٌ وَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ عَشْرَةً لَوْ قَتَلُوا صَيْدًا جَزَوْهُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالٍ قَالَ شَبَّهْته بِالْكَفَّارَاتِ فِي الْقَتْلِ عَلَى النَّفَرِ الَّذِينَ يَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَقَبَةٌ قُلْنَا وَمَنْ قَالَ لَك يَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَقَبَةٌ،
وَقِيلَ: لَهُ: حَكَمَ عُمَرُ لَهُ فِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ فَلِمَ زَعَمْت وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ هَدْيًا وَقُلْت لَا يَجُوزُ ضَحِيَّةً وَجَزَاءُ الصَّيْدِ لَيْسَ مِنْ الضَّحَايَا بِسَبِيلٍ جَزَاءُ الصَّيْدِ قَدْ يَكُونُ بَدَنَةً وَالضَّحِيَّةُ عِنْدَك شَاةٌ وَقِيلَ لَهُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَحَكَمَ عُمَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعُثْمَانُ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَزْمَانِ شَتَّى بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ فَحَكَمَ حَاكِمُهُمْ فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ وَالنَّعَامَةُ لَا تَسْوَى بَدَنَةً وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بِبَقَرَةٍ وَهُوَ لَا يَسْوَى بَقَرَةً وَفِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَهُوَ لَا يَسْوَى كَبْشًا وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَقَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ ثَمَنًا مِنْهَا أَضْعَافًا
ثُمَّ تَتْرُكُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَعَهُمَا خَمْسُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ فِي الْعِدَّةِ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَمَعَهُمَا الْقِيَاسُ، وَالْمَعْقُولُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَتْرُكُ قَوْلَ عُمَرَ فِي الصَّيْدِ أَنَّهُ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَقَوْلُ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ حَكَمَا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْطَئَا ظَبْيًا بِشَاةٍ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمَا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فَزَعَمْت أَنَّهُ يُجْزِي بِدَرَاهِمَ وَيَقُولَانِ فِي الظَّبْيِ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ وَاَللَّهُ يَقُولُ {مِثْلُ} وَأَنْتَ تَقُولُ جَزَاءَانِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} وَقَالَ {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} فَقَرَأَ إلَى {الْمُحْسِنِينَ} فَقَالَ عَامَّةُ مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتْعَةُ هِيَ لِلَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا قَطُّ وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا مَهْرٌ فَطَلُقَتْ وَلِلْمُطَلَّقَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا الْمَفْرُوضِ لَهَا بِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ لَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً دُونَ الْأُخْرَى بِدَلَالَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَثَرَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَغْوُ الْيَمِينِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى اللَّجَاجِ، وَالْغَضَبِ، وَالْعَجَلَةِ لَا يَعْقِدُ عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَعَقْدُ الْيَمِينِ أَنْ يُثْبِتَهَا عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ الشَّيْءَ فَيَفْعَلَهُ، أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ فَلَا يَفْعَلْهُ، أَوْ لَقَدْ كَانَ وَمَا كَانَ فَهَذَا آثِمٌ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ الْكَفَّارَاتِ فِي عَمْدِ الْمَأْثَمِ فَقَالَ تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} وَقَالَ {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} إِلَى {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي الظِّهَارِ {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} ،
وَلَوْ أَهْدَى تَامًّا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا هَدْيٌ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} فَقَدْ يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَهُوَ صَغِيرٌ وَأَعْرَجُ وَأَعْمَى وَإِنَّمَا يَجْزِيهِ بِمِثْلِهِ، أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْتُلُ الْجَرَادَ، وَالْعُصْفُورَ وَهُمَا مِنْ الصَّيْدِ فَيَجْزِي الْجَرَادَةَ بِتَمْرَةٍ، وَالْعُصْفُورَ بِقِيمَتِهِ وَلَعَلَّهُ قَبَضَهُ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى هَذَا كُلَّهُ هَدْيًا،
وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْمُحْرِمِ يُصِيبُ الصَّيْدَ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ عَنَاقٌ أَوْ جَفْرَةٌ أَوْ شِبْهُ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يُجْزِي فِي هَدْيِ الصَّيْدِ إلَّا مَا يُجْزِي فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ الْجَذَعُ بْنُ الضَّأْنِ إذَا كَانَ عَظِيمًا أَوْ الثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ لَا يُجْزِي مَا دُونَ ذَلِكَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَسَأَلْت ابْنَ أَبِي لَيْلَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ يُبْعَثُ بِهِ وَإِنْ كَانَ عَنَاقًا أَوْ حَمَلًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَخَذَ بِالْأَثَرِ فِي الْعَنَاقِ وَالْجَفْرَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قِيمَتُهُ وَبِهِ يَأْخُذُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) :
وَإِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ صَيْدًا صَغِيرًا فَدَاهُ بِشَاةٍ صَغِيرَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {مِثْلُ} وَالْمِثْلُ مِثْلُ الَّذِي يُفْدَى فَإِذَا كَانَ كَبِيرًا كَانَ كَبِيرًا وَإِذَا كَانَ الَّذِي يُفْدَى صَغِيرًا كَانَ صَغِيرًا وَلَا أَعْلَمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْدَى الصَّيْدُ الصَّغِيرُ بِصَغِيرٍ مِثْلِهِ مِنْ الْغَنَمِ إلَّا خَالَفَ الْقُرْآنَ وَالْآثَارَ وَالْقِيَاسَ وَالْمَعْقُولَ وَإِذَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّيْدَ مُحَرَّمٌ كُلُّهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ تُفْدَى الْجَرَادَةُ بِتَمْرَةٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ تَمْرَةٍ لِصِغَرِهَا وَقِلَّةِ قِيمَتِهَا وَتُفْدَى بَقَرَةُ الْوَحْشِ بِبَقَرَةٍ لِكِبَرِهَا فَكَيْفَ لَمْ يَزْعُمْ أَنَّهُ يُفْدَى الصَّغِيرُ بِالصَّغِيرِ وَقَدْ فَدَى الصَّغِيرَ بِصَغِيرٍ وَالْكَبِيرَ بِكَبِيرٍ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَإِنَّمَا رَفَعَ وَخَفَضَ بِالْمِثْلِ عِنْدَهُ فَكَيْفَ يَفْدِي بِتَمْرَةٍ وَلَا يَفْدِي بِعَنَاقٍ وَمَا لِلضَّحَايَا وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ هَلْ رَآهُ قِيَاسَ جَزَاءِ الصَّيْدِ حِينَ أَصَابَ الْمُحْرِمُ الْبَقَرَةَ بِأَنْ قَالَ: يَكْفِيه شَاةٌ كَمَا يَكْفِي الْمُتَمَتِّعَ أَوْ الْمُضَحِّيَ أَوْ قَاسَهُ حِينَ أَصَابَ الْمُحْرِمُ جَرَادَةً بِأَنْ قَالَ: لَا يُجْزِي الْمُحْرِمَ إلَّا شَاةٌ كَمَا لَا يُجْزِي الْمُضَحِّي وَالْمُتَمَتِّعَ إلَّا شَاةٌ فَإِنْ قَالَ: لَا قِيلَ أَلِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِثْلُ وَإِنَّمَا الْمِثْلُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا عَلَى قَدْرِ الْمُصَابِ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: فَمَا أَضَلُّك عَنْ الْجَفْرَةِ إذَا كَانَتْ مِثْلَ مَا أُصِيبَ وَإِنْ كُنْت تُقَلِّدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَحْدَهُ فِي أَقْضِيَةٍ لَا
سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَمَّنْ قَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ شَيْئًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْ دَوَابِّ الصَّيْدِ شَيْئًا جَزَاهُ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَالْمِثْلُ لَا يَكُونُ إلَّا لِدَوَابِّ الصَّيْدِ فَأَمَّا الطَّيْرُ فَلَا مِثْلَ لَهُ
وَمِنْ أَيْنَ؟ قِيلَ: تُفْدَى النَّعَامَةُ بِبَدَنَةٍ وَالْجَرَادَةُ بِتَمْرَةٍ وَهَذَا مِثْلُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمُرْتَفِعِ وَالْمُنْخَفِضِ وَالْكَفَّارَةُ شَيْءٌ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا إنْ كَانَ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً أَوْ عِتْقًا وَقَوْلُ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعْنَى الْقُرْآنِ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فَجَعَلَ فِيهِ الْمِثْلَ فَمَنْ جَعَلَ فِيهِ مِثْلَيْنِ فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ثُمَّ لَا تَمْتَنِعُونَ مِنْ رَدِّ قَوْلِ عُمَرَ لِرَأْيِ أَنْفُسِكُمْ وَمَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
قُلْت لِلشَّافِعِيِّ: فَمِنْ أَيْنَ قُلْت أَيُّ صَيْدٍ صِيدَ مِنْ أَجْلِ مُحْرِمٍ فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَغْرَمْ فِيهِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا أَوْجَبَ غُرْمَهُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ غَيْرَ مُحَرَّمٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيمَا جَنَى غَيْرُهُ فِدْيَةٌ كَمَا لَوْ قَتَلَ مِنْ أَجْلِهِ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ أَجْلِهِ عَقْلٌ وَلَا كَفَّارَةٌ وَلَا قَوَدٌ فَإِنَّ اللَّهَ قَضَى أَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَ: وَلَمَّا كَانَ الصَّيْدُ مَقْتُولًا فَأَمْسَكَ الْمُحْرِمُ عَنْ أَكْلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ صِيدَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ بِأَنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا مَقْتُولًا لَا فِدْيَةَ فِيهِ حِينَ قُتِلَ وَيَأْكُلُهُ بَشَرٌ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمْ فَإِذَا أَكَلَهُ وَاحِدٌ فَدَاهُ وَإِنَّمَا نَقْطَعُ الْفِدْيَةَ فِيهِ بِالْقَتْلِ فَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ وَلَا فِدْيَةَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ فِدْيَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَهَا قَتْلًا يُوجِبُ فِدْيَةً قُلْت: إنَّ الْأَكْلَ غَيْرُ جَائِزٍ لِلْمُحْرِمِ وَإِنَّمَا أَمَرْتُهُ بِالْفِدْيَةِ لِذَلِكَ قَالَ:
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَقُلْت لَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ} عَلَى الْمِثْلِ يَجْتَهِدَانِ فِيهِ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَخْتَلِفُ فَتَصْغُرُ وَتَكْبُرُ فَمَا أَمَرَ الْعَدْلَيْنِ أَنْ يَحْكُمَا بِالْمِثْلِ إلَّا عَلَى الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَجْعَلْ الْحُكْمَ عَلَيْهِمَا حَتَّى أَمَرَهُمَا بِالْمِثْلِ وَهَذَا يَدُلُّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ قَبْلَهُ مِنْ أَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي الْمِثْلِ اجْتِهَادٌ أَنْ يَحْكُمَ بِالِاجْتِهَادِ إلَّا عَلَى الْمِثْلِ وَلَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ وَلَا فِي الْقِبْلَةِ إذَا كَانَتْ مُغَيَّبَةً عَنْهُ فَكَانَ عَلَى غَيْرِ إحَاطَةٍ مِنْ أَنْ يُصِيبَهَا بِالتَّوَجُّهِ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ بِطَلَبِ الدَّلَائِلِ فِيهَا وَفِي الصَّيْدِ مَعًا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ كَالِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِ الْبَيْتِ فِي الْقِبْلَةِ وَالْمِثْلِ فِي الصَّيْدِ وَلَا يَكُونُ الِاجْتِهَادُ إلَّا لِمَنْ عَرَفَ الدَّلَائِلَ عَلَيْهِ مِنْ خَبَرٍ لَازِمٍ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ ثُمَّ يَطْلُبُ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِبَعْضِ مَا وَصَفْت كَمَا يَطْلُبُ مَا غَابَ عَنْهُ مِنْ الْبَيْتِ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ مِثْلِ الصَّيْدِ فَأَمَّا مَنْ لَا آلَةَ فِيهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْعِلْمِ شَيْئًا وَمَثَلُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ شَرَطَ الْعَدْلَ بِالشُّهُودِ وَالْعَدْلُ الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ وَالْعَقْلَ لِلشَّهَادَةِ فَإِذَا ظَهَرَ لَنَا هَذِهِ قَبِلْنَا شَهَادَةَ الشَّاهِدِ عَلَى الظَّاهِرِ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَسْتَبْطِنُ خِلَافَهُ وَلَكِنْ لَمْ نُكَلَّفْ الْمَغِيبَ فَلَمْ يُرَخَّصْ لَنَا إذَا كُنَّا عَلَى غَيْرِ إحَاطَةٍ مِنْ أَنَّ بَاطِنَهُ كَظَاهِرِهِ أَنْ نُجِيزَ شَهَادَةَ مَنْ جَاءَنَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَلَامَاتُ الْعَدْلِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ وَبَيَّنَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي الْعِلْمِ بِغَيْرِ مَا وَصَفْنَا قَالَ: أَفَتُوجَدُ نِيَّةٌ بِدَلَالَةٍ مِمَّا يَعْرِفُ النَّاسُ؟.
قَالَ فَعَلَى الَّذِي هُمَا عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنْ يُجِيزَهُمَا وَعَلَى الْآخَرِ الَّذِي هُمَا عِنْدَهُ غَيْرُ عَدْلَيْنِ أَنْ يَرُدَّهُمَا قُلْت لَهُ فَهَذَا الِاخْتِلَافُ قَالَ نَعَمْ فَقُلْت لَهُ أَرَاك إذَنْ جَعَلْت الِاخْتِلَافَ حُكْمَيْنِ فَقَالَ لَا يُوجَدُ فِي الْمُغَيَّبِ إلَّا هَذَا وَكُلٌّ وَإِنْ اخْتَلَفَ فِعْلُهُ وَحُكْمُهُ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ قُلْت فَهَكَذَا قُلْنَا وَقُلْت لَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ،
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فَكَانَ مَعْقُولًا عَنْ اللَّهِ فِي الصَّيْدِ النَّعَامَةُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ وَحِمَارُهُ وَالثَّيْتَلُ وَالظَّبْيُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْأَرْنَبُ وَالْيَرْبُوعُ وَغَيْرُهُ وَمَعْقُولًا أَنَّ النَّعَمَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَفِي هَذَا مَا يَصْغُرُ عَنْ الْغَنَمِ وَعَنْ الْإِبِلِ وَعَنْ الْبَقَرِ فَلَمْ يَكُنْ الْمِثْلُ فِيهِ فِي الْمَعْقُولِ وَفِيمَا حَكَمَ بِهِ مَنْ حَكَمَ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا أَنْ يَحْكُمُوا فِي الصَّيْدِ بِأَوْلَى الْأَشْيَاءِ شَبَهًا مِنْهُ مِنْ النَّعَمِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إذْ كَانَ الْمِثْلُ يَقْرُبُ قُرْبَ الْغَزَالِ مِنْ الْعَنْزِ وَالضَّبُعِ مِنْ الْكَبْشِ أَنْ يُبْطِلُوا الْيَرْبُوعَ مَعَ بُعْدِهِ مِنْ صَغِيرِ الْغَنَمِ وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا كَمَا أَمْكَنَهُمْ الِاجْتِهَادُ وَكُلُّ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَأَشْبَهُ لِهَذَا تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْقِيَاسِ وَحَظْرِ أَنْ يُعْمَلَ بِخِلَافِهِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ أَمْرَ اللَّهِ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا طَلَبَهُ بِالسَّبِيلِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ وَمَنْ قَالَ أَسْتَحْسِنُ لَا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَلَا عَنْ أَمْرِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْبَلْ عَنْ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ مَا قَالَ وَلَمْ يَطْلُبْ مَا قَالَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَلَا بِحُكْمِ رَسُولِهِ، وَكَانَ الْخَطَأُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا، بَيَّنَّا بِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: أَقُولُ وَأَعْمَلُ بِمَا لَمْ أُومَرْ بِهِ وَلَمْ أُنْهَ عَنْهُ وَبِلَا مِثَالٍ عَلَى مَا أُمِرْت بِهِ وَنُهِيت عَنْهُ وَقَدْ قَضَى اللَّهُ
مختصر المزنيالمسألة ١١٣١ص ١٦٨ص ١٦٨
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - جَلَّ وَعَزَّ - {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
المهذبالمسألة ٤١١٧٧/ ٢٩٣٧/ ٢٩٣
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قتل من النعم)
المهذبالمسألة ٤٢٦٥٧/ ٤٢٣٧/ ٤٢٣
(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قتل من النعم)
الحنابلة٢٠
مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد اللهالمسألة ٧٦٦ص ٢٠٦ص ٢٠٦
٧٦٥ - حَدثنَا قَالَ سَأَلت ابي عَن الْمحرم يذبح الشَّاة اَوْ يذبح الصَّيْد يُؤْكَل أم لَا قَالَ لَا بَأْس ان يذبح الْمحرم كل شَيْء لَيْسَ اصله من الصَّيْد لِأَن الله تَعَالَى يَقُول {لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم} سَمَّاهُ قتلا فَإِذا ذبح الْمحرم الصَّيْد لم يَأْكُلهُ لَان الله سَمَّاهُ قتلا فَلَا يعجبنا لَاحَدَّ ان يَأْكُلهُ سُئِلَ عَن الْمحرم ويتركه بِغَيْرِهِ ويذبح
مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد اللهالمسألة ٧٧٦ص ٢٠٨ص ٢٠٨
٧٧٥ - حَدثنَا قَالَ سَأَلت ابي عَن الصَّيْد يصيد الْمحرم عَامِدًا وَلَيْسَ عِنْده مَا يكفر فَقَالَ قَالَ الله {فجزاء مثل مَا قتل من النعم يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم} فَإِذا لم يُوجد جَزَاؤُهُ قوم الْجَزَاء دَرَاهِم ثمَّ قوم الدَّرَاهِم طَعَاما فصَام عَن كل مد يَوْمًا قلت لابي فَإِن صَامَ بعض الْأَيَّام ثمَّ وجد مَا يكفر فَقَالَ قد مضى فِي صَوْمه وَيجزئهُ وَكَذَلِكَ الَّذِي يكون عَلَيْهِ صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من ظِهَار اَوْ قتل خطأ فصَام وَهُوَ غير وَاجِد لِلْكَفَّارَةِ بعض الصَّوْم ثمَّ وجد فَإِنَّهُ يمْضِي فِي صَوْمه وَكَذَلِكَ كَفَّارَة الْيَمين اذا صَامَ الْيَمين اذا صَامَ يَوْمًا اَوْ يَوْمَيْنِ ثمَّ ايسر مضى صَوْمه
النوع الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين لقوله تعالى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} من أهل الخبرة
الفروعالمسألة ٢٧١٩٢/ ١٧٣٢/ ١٧٣
{أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَغْنَى بِقِرَاءَتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَنْ قِرَاءَةِ سَائِرِ الْقُرْآنِ، لِحَاجَتِهِ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْقَصَصِ، كَمَا لَا يُسْتَغْنَى مَنْ مَلَكَ نَوْعًا مِنْ الْمَالِ شَرِيفًا عَنْ غَيْرِهِ، وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ قَرَأَ:
الفروعالمسألة ١١٨٥٣٧/ ٤٦٧٧/ ٤٦٧
التَّاسِعُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ الْمَأْكُولِ وَاصْطِيَادُهُ, بِالْإِجْمَاعِ, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وَقَوْلِهِ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وَيَأْتِي حُكْمُ الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ,
الفروعالمسألة ١١٨٩٦٧/ ٤٧٤٧/ ٤٧٤
وَمَتَى ثَبَتَ اتِّحَادُ الْجَزَاءِ فِي الْهَدْيِ ثَبَتَ فِي الصَّوْمِ, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} وَلِمَا سَبَقَ.
الفروعالمسألة ١١٩٩٤٧/ ٤٩٠٧/ ٤٩٠
ثُمَّ لَهُ صَرْفُهَا فِي النَّعَمِ الَّتِي تَجُوزُ فِي الْهَدَايَا فَقَطْ. لَنَا {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ} الْآيَةَ.
الفروعالمسألة ١٢٠١٧٧/ ٤٩٥٧/ ٤٩٥
لِقَوْلِهِ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
الفروعالمسألة ١٢١١٩٧/ ٥١١٧/ ٥١١
وَكَذَا النَّمْلُ الْمُؤْذِي, وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ, لَكِنْ لَا جَزَاءَ, لِلْعِلَّةِ الْأُولَى. لَنَا أَنَّ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" عَلَّقَ تَحْرِيمَ صَيْدِ الْبَرِّ بِالْإِحْرَامِ وَأَرَادَ بِهِ الْمَصِيدَ, لِقَوْلِهِ: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} وَقَوْلِهِ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} لِأَنَّهُ أَضَافَ الصَّيْدَ إلَى الْبَرِّ, وَلَيْسَ الْمُحَرَّمُ صَيْدًا حَقِيقَةً, وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ "الضَّبُعُ صَيْدٌ وَفِيهِ كَبْشٌ" ٢ وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" متفق عليه, ولمسلم: "والغراب الأبقع" وللنسائي وابن ماجه
الفروعالمسألة ١٢٢٦٥٧/ ٥٣٧٧/ ٥٣٧
{وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ ثُمَّ عَادَ قِيلَ لَهُ اذْهَبْ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْك. رَوَاهُ النَّجَّادُ. وَكَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ; وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
الفروعالمسألة ١٢٣١٥٧/ ٥٤٦٧/ ٥٤٦
مُخْتَلَفٌ فِيهِ, وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ, رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ, لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا "وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ" وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ; لِأَنَّهُ كُلَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهَا, وَالْفَجُّ: الطَّرِيقُ وَلِأَنَّهُ نَحْرَهُ بِالْحَرَمِ كَمَكَّةَ وَمِنًى. وَقَوْلُهُ: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَقَوْلُهُ:
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ٤٨٦٥ص ٤٩١ص ٤٩١
الثامن: الصيد، حرام صيده وقتله وأذاه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وقوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} .
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ٤٩٥١ص ٤٩٦ص ٤٩٦
{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ٤٩٩٠ص ٤٩٩ص ٤٩٩
{وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ولم يذكر جزاء، والأول المذهب؛ لقول الله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وهذا يقتضي كل قاتل، ومثل الصيدين، أكثر من مثل واحد، ولأنه ضمان مال يختلف باختلافه فوجب في كل مرة، كضمان مال الآدمي.
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ٥٠١٤ص ٥٠٠ص ٥٠٠
{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الآية. وهو ضربان:
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ٥٠٢٤ص ٥٠١ص ٥٠١
والضرب الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة؛ لقول الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ويجوز أن يكون القاتل أحدهما؛ لدخوله في العموم، ولما روى طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجاً، فأوطأ منا رجل - يقال له إربد - ضباً، ففزر ظهره، فقدمنا على عمر فسأله إربد، فقال له: احكم فيه يا إربد.
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ٥٠٤٤ص ٥٠٢ص ٥٠٢
ومن وجب عليه جزاء صيد، فهو مخير بين إخراج المثل، أو يقوم المثل، ويشتري بقيمته طعاماً، ويتصدق به، أو يصوم عن كل مد يوماً؛ لقول الله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} و [أو] للتخيير،
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ٥١٢٧ص ٥٠٩ص ٥٠٩
وما وجب من الهدي والإطعام جزاء للصيد؛ لزمه إيصاله إلى مساكين الحرم؛ لقول الله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ٥١٣٥ص ٥٠٩ص ٥٠٩
لقول الله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فعلى هذا يبعثه إلى الحرم، ويواطئ من يبعثه على اليوم الذي ينحره فيه، فيحل حينئذ.
الكافي في فقه الإمام أحمدالمسألة ١٩٦٤٢٤/ ٢١٦٤/ ٢١٦
وإن نذر هدياً، لم يجزئه إلا ما يجزئ في الأضحية كذلك. وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم؛ لأن إطلاق الهدي يقتضي ذلك. قال الله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .
الفقه المقارن١٨
فقه السنةالمسألة ٨٥٧٢ص ٦٨٤ص ٦٨٤
ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم، هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما، ليذوق وبال أمره، عفا الله عما سلف،
فقه السنةالمسألة ١٦١٩٥٢/ ٤٧٣٢/ ٤٧٣
قال ابن كثير: إن ظاهر - أو - للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله تعالى في جزاء الصيد: " فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم، هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما ".
الفقه على المذاهب الأربعةالمسألة ١٠٤١٢ص ٦١٣ص ٦١٣
فإن العمد ذكر فيها لأنه الغالب، والمثلية المراد بها أن يكون مثلاً في المعنى، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمداً، فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم} الآية.
بداية المجتهدالمسألة ٣٢٢٩٢/ ٩٥٢/ ٩٥
وَأَمَّا الْمَحْظُورُ الْخَامِسُ فَهُوَ الِاصْطِيَادُ: وَذَلِكَ أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ، وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .
بداية المجتهدالمسألة ٣٥٥٤٢/ ١٢٣٢/ ١٢٣
فَنَقُولُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} . هِيَ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ.
بداية المجتهدالمسألة ٣٥٨٦٢/ ١٢٤٢/ ١٢٤
وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يُشَبِّهَ الْجَزَاءَ عِنْدَ إِتْلَافِ الصَّيْدِ بِإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَمْوَالَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تُضَمَّنُ خَطَأً وَنَسِيَانًا. لَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا الْقِيَاسَ اشْتِرَاطُ الْعَمْدِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ، فَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا - أَيِ الْعَمْدِ - إِنَّمَا اشْتَرَطَ؛ لِمَكَانِ تَعَلُّقِ الْعِقَابِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} . وَذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ ;
بداية المجتهدالمسألة ٣٦١٩٢/ ١٢٦٢/ ١٢٦
وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَوْله تَعَالَى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .
بداية المجتهدالمسألة ٣٦٧٨٢/ ١٣٠٢/ ١٣٠
وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ - فَقِيَاسًا عَلَى صِيَامِ التَّمَتُّعِ وَتَسْوِيَةِ الصِّيَامِ مَعَ الْإِطْعَامِ. وَلِمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي قَوْله تَعَالَى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} .
بداية المجتهدالمسألة ٣٧١٣٢/ ١٣٢٢/ ١٣٢
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوَاجِبِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هُوَ شَاةٌ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، وَمَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ شَاةٌ،
بداية المجتهدالمسألة ٣٨٥٢٢/ ١٤٠٢/ ١٤٠
وَقَالَ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .
بداية المجتهدالمسألة ٣٨٥٣٢/ ١٤٠٢/ ١٤٠
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهَا ذَبْحٌ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} - أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّحْرَ بِمَكَّةَ إِحْسَانًا مِنْهُ لِمَسَاكِينِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إِنَّمَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} - مَكَّةُ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ لِمَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ.
بداية المجتهدالمسألة ٨٦٦٥٤/ ١٠١٤/ ١٠١
وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ.
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)المسألة ٥٥٩٣٢/ ١٢٦٢/ ١٢٦
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ .
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)المسألة ٥٦٣٢٢/ ١٢٨٢/ ١٢٨
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ .
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)المسألة ٨٩١٧٢/ ٣٦٧٢/ ٣٦٧
٢ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ .
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)المسألة ٨٩٣٦٢/ ٣٦٩٢/ ٣٦٩
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ .
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)المسألة ٨٩٤١٢/ ٣٦٩٢/ ٣٦٩
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ .
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)المسألة ٩١٢٣٢/ ٣٨٢٢/ ٣٨٢
ظاهر قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ .
الحنفية٤٨
الاختيار لتعليل المختارص ١٤٥ص ١٤٥
قَالَ: (وَلَا يَقْتُلُ صَيْدَ الْبَرِّ، وَلَا يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}
الاختيار لتعليل المختارص ١٦٥ص ١٦٥
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى:{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} وَالصَّيْدُ: هُوَ الْحَيَوَانُ الْمُتَوَحِّشُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، الْمُمْتَنِعُ بِجَنَاحَيْهِ أَوْ بِقَوَائِمِهِ، إِلَّا الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ الْمُسْتَثْنَاةَ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهَا تَبْدَأُ بِالْأَذَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ وَالنَّاسِي وَالْعَامِدُ سَوَاءٌ. وَالْجَزَاءُ أَنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ عَدْلَانِ فِي مَكَانِ الصَّيْدِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ
الاختيار لتعليل المختارص ١٦٥ص ١٦٥
أَمَّا الْجَزَاءُ عَلَى الْقَاتِلِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} أَوْجَبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْقَاتِلِ.
الاختيار لتعليل المختارص ١٦٦ص ١٦٦
قَالَ: (وَالْجَزَاءُ أَنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ عَدْلَانِ فِي مَكَانِ الصَّيْدِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ هَدْيًا فَذَبَحَهُ، وَإِنْ شَاءَ طَعَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، فَإِنْ فَضَلَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ، إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ يَوْمًا) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} إِلَى قَوْلِهِ: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} .
الاختيار لتعليل المختارص ١٦٦ص ١٦٦
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَا تَجُوزُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ لَا يَذْبَحْهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ ; وَقَالَا: يَذْبَحُهُ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَلِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ إِذَا وَلَدَتْهُ الْأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ فَإِنَّهُ يُذْبَحُ مَعَ أُمِّهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى التَّقَرُّبَ بِالْإِرَاقَةِ لِكَوْنِهِ إِيلَامَ الْبَرِيِّ عَلَى مَا عُرِفَ وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي مَوَارِدِ النَّصِّ وَهِيَ الْأُضْحِيَّةُ وَالْمُتْعَةُ،
الاختيار لتعليل المختارص ١٦٦ص ١٦٦
وَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ، وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ كَالْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ تَجِبُ الْقِيمَةُ كَمَا قَالَا، لَهُ قَوْله تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَالْمِثْلِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ مِثْلًا لِلنَّعَمِ. وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِيجَابُ النَّظِيرِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ، وَعِنْدَهُ الْخِيَارُ إِلَى الْحَكَمَيْنِ،
الاختيار لتعليل المختارص ١٦٦ص ١٦٦
وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ فَكَمَا قَالَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} نُصِبَ مَفْعُولُ يَحْكُمُ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ رَفْعُ عَطْفٍ عَلَى الْجَزَاءِ،
الاختيار لتعليل المختارص ١٧٣ص ١٧٣
قَالَ: (وَلَا يَذْبَحُ الْجَمِيعَ إِلَّا فِي الْحَرَمِ) قَالَ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَفِي دَمِ الْإِحْصَارِ: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وَلِأَنَّ الْهَدْيَ مَا عُرِفَ قُرْبَةً إِلَّا فِي مَكَانٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ الْحَرَمُ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ» .
وقيل مجادلة المشركين في تقديم وقت الحج وتأخيره "ولا يقتل صيدا" لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
أما القتل فلقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ﴾ الآية نص على إيجاب الجزاء
وقال محمد والشافعي يجب في الصيد النظير فيما له نظير ففي الظبي شاة وفي الضبع شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة وفي النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾
فجزاء قيمة ما قتل من النعم الوحشي واسم النعم يطلق على الوحشي والأهلي كذا قاله أبو عبيدة والأصمعي رحمهما الله والمراد بما روي التدقير به دون إيجاب المعين ثم الخيار إلى القاتل في أن يجعله هديا أو طعاما أو صوما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد والشافعي رحمهما الله الخيار إلى الحكمين في ذلك فإن حكما بالهدي يجب النظير على ما ذكرنا وإن حكما بالطعام أو بالصيام فعلى ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف لهما أن التخيير شرع رفقا بمن عليه فيكون الخيار إليه كما في كفارة اليمين ولمحمد والشافعي قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً الآية ذكر الهدي منصوبا لأنه تفسير لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أو مفعول لحكم الحكم
وكذا قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ مرفوع فلم يكن فيها دلالة اختيار الحكمين وإنما يرجع إليهما في تقويم المتلف ثم الاختيار بعد ذلك إلى من عليه
"والهدي لا يذبح إلا بمكة" لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾
"ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم" لقوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فصار أصلا في كل دم هو كفارة ولأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان ومكانه الحرم قال عليه الصلاة والسلام "منى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر"
(فَصْلٌ: إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الْآيَةَ، وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ الدَّالِّ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِشَارَةِ وَالْأَمْرِ فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ اسْتِحْسَانًا بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ الْأَمْنِ وَارْتِكَابِ مَحْظُورِ إحْرَامِهِ، وَلَيْسَ زِيَادَةً عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْقَتْلِ، وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي الْحُكْمَ عَمَّا عَدَاهُ، وَحَقِيقَةُ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مُمْتَنِعٌ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِقَوَائِمِهِ أَوْ بِجَنَاحِهِ فَدَخَلَ الظَّبْيُ الْمُسْتَأْنَسُ،
أَمَّا كَوْنُهُ كَفَّارَةً فَلِوُجُودِ سَبَبِهَا، وَهُوَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ بِارْتِكَابِ مَحْظُورِ إحْرَامِهِ وَلِهَذَا قَالَ:{أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} ،
أَيْ الْجَزَاءُ مَا ذَكَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْعَمْدِ كَمَا فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ كَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ لَيْسَ كَفَّارَةً مَحْضَةً كَمَا قَدَّمْنَا وَالتَّقْيِيدُ بِهِ،
بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ الضَّمَانَ ثَمَّةَ جَزَاءُ الْفِعْلِ لَا جَزَاءُ الْمَحَلِّ، وَالصَّوْمُ يَصْلُحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ لَهُ وَلِصَرِيحِ النَّصِّ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى نَفْيِ الصَّوْمِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْهَدْيَ جَائِزٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ مَا جَنَى؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ كَانَتْ بِالْإِرَاقَةِ، وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِ مَا فَعَلَ،
وَمِنْ مَسَائِلِهَا فَرْعٌ غَرِيبٌ فِي الْمِعْرَاجِ رَجُلٌ قَالَ لِنِسْوَةٍ لَهُ مَنْ دَخَلَتْ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِرَارًا طَلَقَتْ بِكُلِّ مَرَّةٍ لِأَنَّ الدُّخُولَ لَمَّا أُضِيفَ إلَى جَمَاعَةٍ فَيُرَادُ بِهِ تَعْمِيمُهُ عُرْفًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} فَإِنَّهُ أَفَادَ عُمُومَ الصَّيْدِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ لَوْ قَالَ لِأَمِيرٍ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ وَاحِدٌ قَتِيلَيْنِ فَلَهُ سَلَبَهُمَا قِيلَ لَا حُجَّةَ لِمُحَمَّدٍ فِي الِاسْتِشْهَادَيْنِ لِأَنَّ الصَّيْدَ فِي قَوْلِهِ لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ عَامٌّ بِاعْتِبَارِ اللَّامِ الِاسْتِغْرَاقِيَّة، وَالْقَتِيلُ عَامٌّ لِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ،
وَفِي الْأَلْفِيَّةِ لِابْنِ مَالِكٍ وَاقْرُنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ... شَرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ وَتَوْضِيحُهُ كَمَا فِي الْمُغْنِي إنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي جَوَابٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا قَالَ وَهُوَ مُنْحَصِرٌ فِي سِتِّ مَسَائِلَ إحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً نَحْوُ:{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا جَامِدًا نَحْوُ {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا إنْشَائِيًّا نَحْوُ {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} الرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا مَاضِيًا لَفْظًا وَمَعْنًى نَحْوُ {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} الْخَامِسَةُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِحَرْفِ الِاسْتِقْبَالِ نَحْوُ {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ} وَنَحْوُ {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} السَّادِسَةُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِحَرْفٍ لَهُ الصَّدْرُ كَرُبَّ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ فِي نَحْوِ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} لِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ خَبَرَ الْمَحْذُوفِ فَالْجُمْلَةُ اسْمِيَّةٌ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ إذَا الْفُجَائِيَّةُ تَنُوبُ عَنْ الْفَاءِ نَحْوُ {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} ،
وَدَلَّ اقْتِصَارُهُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ كُلَّمَا أَنَّ مَنْ لَا تُقِيدُ التَّكْرَارَ فَعَلَى هَذَا مَا فِي الْغَايَةِ لَوْ قَالَ لِنِسْوَةٍ لَهُ مَنْ دَخَلَتْ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ الدَّارَ مِرَارًا طَلَقَتْ بِكُلِّ مَرَّةٍ تَطْلِيقَةً لِأَنَّ الْفِعْلَ، وَهُوَ الدُّخُولُ أُضِيفَ إلَى جَمَاعَةٍ فَيُرَادُ بِهِ تَعْمِيمُ الْفِعْلِ عُرْفًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} أَفَادَ الْعُمُومَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ وَاحِدٌ قَتِيلَيْنِ فَلَهُ سَلَبُهُمَا.
ويجب له مثل مثله وفي نحو الظبي شاة وفي النعامة بدنة وفي حمار الوحش بقرة لظاهر قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم}، بناء على حمل المثل على المماثل صورة/ ومن النعم بيان للجزاء أو المثل أولهما أن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى على لا يمكن الحمل محليه فحمل على المثل معنى لكونه معهودا في الشرع كما في حقوق العباد والآية تحتمل ذلك لأنها اشتملت على شرط وجزاء حذف منه المبتدأ بعد فالجزاء والخبر أي: فالواجب جزاء فيشتري بها هديًا وذبحه إن بلفت هديًا أو طعامًا، وتصدق به كالفطرة، أو فعليه جزاء، وفيه قراءتان قرأ الكوفيون بتنوين ورفع مثل على أنه صفة والباقون بإضافة مثل إليه إضافة بيانية أي: فجزاء مثل ما قته ومن النعم بيان لما قتل أو للعائد إلميها أي: ما قتله من النعم الوحش، وقد جاء إطلاقه عليه لغة كالأهلي وهي في موضع الحال من الضمير في فتل وجملة يحكم به ذوا عدل صفة لجزاء الذي هو القيمة أو المثل الذي هو هي لأن مثلاً لا يتعرف بالإضافة فجاز وصفها ووصف ما أضيف إليها بالجملة وبهذا اندفع قول أبي البقاء إن الصفة إنما هي على ألتنوين
بخلاف المضطر، وللمحرم ذبح شاة، وبقرة، كونه صيدًا أيضًا لعروض الاستئناس ثم عدم التجاوز عن قيمة الشاة مذهبنا وقال زفر: تجب قيمته بالغة ما بلغت اعتبارا بمأكول اللحم ولنا قوله خلاصه: (الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن) رواه الحاكم ولأن اعتبار قيمته لمكان الانتفاع بجلده لا لابنه محارب مؤذ ومن هذا الوجه لا تزداد قيمته على قيمة الشاة ظاهرة وأيد في (الفتح) ، ما ذهب إليه زفر بأن حديث الضبع يجب حمله على أنه كان قدر المالية في وقت التنصيص ولا تلزم المعارضة بينه وبين قوله تعالى:{فجزاء مثل ما قتل من النعم} وقولهم: ولأن اعتبار قيمته إلى آخره معارض لعموم هذا النص لأنه واجب عليه قيمة المقتول مطلقًا فتعتبر قيمة مجرد جلده في بعض المقتول خروج عن مقتضاه مع أن أخذه لم ينحصر في أخذ جلده بل قد يكون لغرض أن يصطاد به ومن هذا الوجه تجب قيمته انتهى.
(والكل) أي: وكل دم يجب على الحاج ولو هدياً يختص (بالحرم) لقوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} وقال تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} والمراد الحرم فيجوز الذبح في أي موضع شاء منه،
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا لَا تُنْزَحُ وَقَدْ وَجَبَ نَزْحُ مَا فِيهَا أَخْرَجُوا مِقْدَارَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ) وَفِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ سِتَّةُ أَوْجُهٍ وَجْهَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَحَدُهُمَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَصْحَابِ الْبِئْرِ إذَا قَالُوا بَعْدَ النَّزْحِ مَا كَانَ فِي بِئْرِنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَالثَّانِي يَنْزِلُ الْبِئْرَ رَجُلَانِ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِأَمْرِ الْمَاءِ وَيَقُولَانِ بَعْدَ النَّزْحِ مَا كَانَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اعْتَبَرَ قَوْلَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَجْهَانِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا يُحْفَرُ حَفِيرَةٌ لِقَدْرِ طُولِ الْمَاءِ وَعَرْضِهِ وَعُمْقِهِ وَتُجَصَّصُ بِحَيْثُ لَا يَنْشَفُ وَيُصَبُّ فِيهَا مَا يُنْزَحُ مِنْهَا حَتَّى تَمْتَلِئَ،
(قَوْلُهُ وَلَا يَقْتُلُ صَيْدًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} أَيْ وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ وَحُرُمٌ جَمْعُ حَرَامٍ وَالصَّيْدُ هُوَ كُلُّ حَيَوَانٍ مُمْتَنِعٍ مُتَوَحِّشٍ بِأَصْلِ خِلْقَتِهِ مَأْكُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ
وَكَذَا الْخَاطِئُ مِثْلُ النَّاسِي (قَوْلُهُ وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ) أَيْ الْمُبْتَدِئُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْعَائِدُ إلَى قَتْلِ صَيْدٍ آخَرَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا ضَمَانَ عَلَى الْعَائِدِ وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ اذْهَبْ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْك وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ذَكَرَ الِانْتِقَامَ وَسَكَتَ عَنْ الْجَزَاءِ وَيُجَابُ عَنْهُ فَيُقَالُ إنَّمَا سَكَتَ عَنْ الْجَزَاءِ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ بِأَوَّلِ الْآيَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا عَمْدًا سُئِلَ هَلْ قَتَلَتْ قَبْلَهُ شَيْئًا مِنْ الصَّيْدِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَيُقَالُ لَهُ اذْهَبْ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْك وَإِنْ قَالَ لَمْ أَقْتُلْ شَيْئًا يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ ثَانِيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ ثَانِيًا بِالْجَزَاءِ وَيَمْلَأُ بَطْنَهُ وَظَهْرَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَعِنْدَنَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ ثَانِيًا وَثَالِثًا
قَالَ فِي النِّهَايَةِ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَخْتَارَ الصَّوْمَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} وَحَرْفُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ.
وَكَذَا إذَا جَزَّ صُوفَ الصَّيْدِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ حَيًّا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ وَلَوْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا جَمِيعًا وَلَوْ قَتَلَهَا حَامِلًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حَامِلًا وَلَوْ أَدَّى جَزَاءَ الصَّيْدِ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَيْضًا قِيمَةُ مَا أَكَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَبِيحَةَ الْمُحْرِمِ مَيْتَةٌ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْجَزَاءُ وَلِأَنَّهُ إذَا أَطْعَمَهُ كِلَابَهُ لَمْ يَضْمَنْ فَكَذَا إذَا أَكَلَهُ وَلَهُ قَوْله تَعَالَى {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}
وَقَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَصَارَ أَصْلًا فِي كُلِّ دَمٍ هُوَ كَفَّارَةٌ وَلِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ.
وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ فَهِيَ بِالتَّصَدُّقِ وَالْأَكْلُ يُنَافِيهِ اهـ. وَنَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ النَّظَرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَنْعُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هَدْيًا قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحَرَمَ، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}- يَدُلُّ عَلَى تَسْمِيَتِهِ هَدْيًا قَبْلَ بُلُوغِهِ، سَوَاءٌ قُدِّرَ بَالِغَ، صِفَةً أَوْ حَالًا مُقَدَّرَةً وَلِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى بُلُوغِهِ الْحَرَمَ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهُ وَإِطْعَامُ الْغَنِيِّ دُونَ كَوْنِهِ هَدْيًا، وَلِذَا لَا يَرْكَبُهُ فِي الطَّرِيقِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَلَا يَحْلُبُهُ؛
(وَقَتْلُ الصَّيْدِ وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَالَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ اصْطَادَهُ أَبُو قَتَادَةَ هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ قَالُوا لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَّقَ حِلَّهُ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ وَالْأَمْرِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ قَدْ الْتَزَمَ بِالْإِحْرَامِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ بِمَا يُزِيلُ أَمْنَهُ وَالْأَمْرُ بِهِ وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ يُزِيلُ الْأَمْنَ عَنْهُ فَيَحْرُمُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَقْتَضِي الْحَضْرَةَ وَالدَّلَالَةَ تَقْتَضِي الْغَيْبَةَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
وَيَحْرُمُ الْأَوَّلُ عَلَى الْمُحْرِمِ دُونَ الثَّانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وقَوْله تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} الْآيَةَ وَالْخَمْسُ الْفَوَاسِقُ خَارِجَةٌ بِالنَّصِّ عَلَى مَا يَجِيءُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
أَمَّا وُجُوبُهُ بِالْقَتْلِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَقَدْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهِ بِهِ،
وَأَنْ يَنْفَلِتَ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْفَلَتَ صَارَ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ النَّاسِي وَالْعَامِدُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَا يَخْتَلِفُ بِهِمَا كَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْعَمْدِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} لِأَجْلِ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} وَالْمُبْتَدِئُ فِي الْحَجِّ، وَالْعَائِدُ فِيهِ سَوَاءٌ
وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ أَنَّهُ يَصُومُ أَوْ يَتَصَدَّقُ وَلَا يَذْبَحُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ النَّظِيرِ لِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ نِعْمَةً تَقْدِيرُهُ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ مِنْ النَّعَمِ مِثْلُ الْمَقْتُولِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مِثْلُهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْ النَّعَمِ، وَلَا مِنْ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمِثْلِ مَا يُمَاثِلُ الشَّيْءَ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَهُنَا مُمْكِنٌ؛
فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْبَقَرَةُ مِثْلًا لِلْبَقَرَةِ فَكَيْفَ تَكُونُ مِثْلًا لِحِمَارِ الْوَحْشِ، وَكَيْفَ تَكُونُ الشَّاةُ مِثْلًا لِلظَّبْيِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ مِثْلًا لِلشَّاةِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَفَسَادُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَهُنَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمِثْلِ مَعْنًى، وَهُوَ الْقِيمَةُ لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا فِي الشَّرْعِ أَوْ لِكَوْنِهِ مُرَادًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ مَا لَا نَظِيرَ لَهُ تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ فَلَا يَكُونُ النَّظِيرُ مُرَادًا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} عَامٌّ لِجَمِيعِ الصَّيْدِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} عَائِدٌ إلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} مِثْلًا لِلْكُلِّ، وَلَيْسَ لَنَا مِثْلٌ يَعُمُّ الْكُلَّ إلَّا الْقِيمَةَ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِثْلِ الْقِيمَةُ وَلِأَنَّ الْمِثْلَ لَوْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْمَنْظَرُ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْعَدْلَيْنِ؛
وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ الصَّوْمِ فَعَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْحَكَمَيْنِ لِإِظْهَارِ قِيمَةِ الصَّيْدِ وَبَعْدَ مَا ظَهَرَتْ قِيمَتُهُ يَكُونُ الْخِيَارُ إلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالْفِدْيَةِ وَلِمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} أَثْبَتَ لَهُمَا الْحُكْمَ فِي الْهَدْيِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ بِكَلِمَةِ أَوْ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِمَا ضَرُورَةً قُلْنَا قَوْله تَعَالَى {أَوْ كَفَّارَةٌ} مَعْطُوفٌ عَلَى فَجَزَاءٌ
وَكَذَا قَوْلُهُ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ حُكْمِهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ يَدْخُلُ أَنْ لَوْ كَانَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ يَحْكُمُ، وَهَذَا مَرْفُوعٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِيَارِ الْحَكَمَيْنِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَيْهِمَا فِي مَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ وَيُقَوِّمَانِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ فِي زَمَانِ الْقَتْلِ لِاخْتِلَافِ الْقِيَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمِنَةِ،
فَإِنْ اخْتَارَ التَّكْفِيرَ فَعَلَيْهِ الذَّبْحُ فِي الْحَرَمِ وَالتَّصَدُّقُ بِلَحْمِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّقْلِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ،
وَلَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْهَدْيِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} كَمَا انْصَرَفَ إلَيْهِ هَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وَأَوْجَبَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ صِغَارَ النَّعَمِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَوْجَبُوا جَفْرَةً وَعَنَاقًا قُلْنَا: يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْعَامِ كَالْمَذْبُوحِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِ السَّبُعِ؛ لِأَنَّهَا جُبِلَتْ عَلَى الْإِيذَاءِ فَكَانَتْ مِنْ الْفَوَاسِقِ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَلِأَنَّ اسْمَ الْكَلْبِ يَتَنَاوَلُ السِّبَاعَ بِأَسْرِهَا لُغَةً، وَقَدْ «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك» فَسُلِّطَ عَلَيْهِ أَسَدٌ، وَالْكَلْبُ مِنْ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ بِالْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهِ السِّبَاعُ لَا الْكَلْبُ الْمَعْرُوفُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْذٍ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَحِّشَ مِنْ السِّبَاعِ وَغَيْرَهُ؛
وَلَوْ كَانَ كَفَّارَةً لَمَا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْمُتْلِفِ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فَصَارَ كَالْحَلَالَيْنِ إذَا اشْتَرَكَا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَنَا أَنَّهُ كَفَّارَةُ قَتْلٍ وَبَدَلٌ لِلْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ كَفَّارَةً بِقَوْلِهِ {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} وَاعْتَبَرَ الْمُمَاثَلَةَ بِقَوْلِهِ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فَجَمَعْنَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى إحْرَامِهِ فَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ كَفَّارَةً وَتَفْوِيتٌ لِلصَّيْدِ فَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ بَدَلًا، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِصَاصَ جَزَاءُ الْفِعْلِ حَتَّى إذَا تَعَدَّدَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ وَاحِدٌ أَجْرَى عَلَى جَمِيعِهِمْ وَبَدَّلَ أَيْضًا حَتَّى يُورَثَ كَالدِّيَةِ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحْرِمَيْنِ كَامِلٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا مُوجِبُهُ
وَقَالَ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَلِأَنَّ الدَّمَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِالزَّمَانِ وَلَا بِالْمَكَانِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ التَّحَلُّلُ.
(فَفِيهَا إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ انْتَهَتْ الْيَمِينُ) يَعْنِي فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ انْتَهَتْ الْيَمِينُ وَانْحَلَّتْ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِلْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ لُغَةً فَبِوُجُودِ الْفِعْلِ مَرَّةً يَتِمُّ الشَّرْطُ وَلَا بَقَاءَ لِلْيَمِينِ بِدُونِ الشَّرْطِ، وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ رَجُلٌ قَالَ لِنِسْوَةٍ لَهُ مَنْ دَخَلَ مِنْكُنَّ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ مِرَارًا طَلُقَتْ بِكُلِّ مَرَّةٍ تَطْلِيقَةً؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَهُوَ الدُّخُولُ أُضِيفَ إلَى جَمَاعَةٍ فَيُرَادُ بِهِ تَعْمِيمُ الْفِعْلِ عُرْفًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} أَفَادَ الْعُمُومَ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ وَاحِدٌ قَتِيلَيْنِ فَلَهُ سَلَبُهُمَا وَفِيهِ إشْكَالٌ؛
(قَوْلُهُ: أَوْ؛ لِأَنَّ {هَدْيًا} [المائدة: ٩٥] حَالٌ إلَخْ) اقْتَصَرَ مِنْ إعْرَابِ الْآيَةِ عَلَى مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَعْرَبَهَا فِي الْفَتْحِ بِتَمَامِهَا فَنَذْكُرُ حَاصِلَهُ أَيْضًا حَالًا هُنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ قُرِئَ بِتَنْوِينِ جَزَاءً وَرَفْعِ مِثْلُ وَبِدُونِهِ عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ فَجَزَاءٌ هُوَ مِثْلُ مَا قَتَلَ، وَمَضْمُونُ الْآيَةِ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ حُذِفَ مِنْهُ الْمُبْتَدَأُ بَعْدَ فَاءِ الْجَزَاءِ أَوْ الْخَبَرُ أَيْ فَالْوَاجِبُ جَزَاءٌ أَوْ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ،
(قَوْلُهُ: وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ بَلَغَ الْحَرَمَ) نَظَرَ فِي هَذِهِ الْإِفَادَةِ فِي النَّهْرِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ النَّظَرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَنْعُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هَدْيًا قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحَرَمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَإِنَّ بَالِغَ سَوَاءً قُدِّرَ صِفَةً أَوْ حَالًا مُقَدَّرَةٌ عَلَى مَا مَرَّ يُفِيدُ تَسْمِيَتُهُ هَدْيًا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَطِبَ أَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ نَحَرَهُ وَصَبَغَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ وَضَرَبَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلَهُ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ إلَخْ
المالكية٢٦
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ خَاصَّةً شَرَعَ فِي مُحَرَّمَاتِهِ مَعَ الْحَرَمِ عَلَى أَنَّهُمَا مُرَادَانِ مِنْ قَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَا أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا قَالَ بِكُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فَقَالَ
(ص) وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِذَلِكَ (ش) يَعْنِي أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ لَيْسَ كَالْفِدْيَةِ وَالْهَدْيِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ يَسْتَلْزِمُ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَمَعْرِفَةَ مَا يَحْكُمُ بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ وَلَا تَكْفِي الْفَتْوَى وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِذَلِكَ الْبَابِ فَقَطْ، وَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ؛
وَالْإِحْرَامُ مَصْدَرُ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ أَوْ إذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ الصَّلَاةِ كَمَا يُقَالُ: أَنْجَدَ وَأَتْهَمَ وَأَمْسَى وَأَصْبَحَ إذَا دَخَلَ نَجْدًا أَوْ تِهَامَةَ وَالْمَسَاءَ وَالصَّبَاحَ؛ وَلِذَلِكَ يَتَنَاوَلُ قَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الْفَرِيقَيْنِ انْتَهَى. مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ الْخَامِسِ مِنْ الذَّخِيرَةِ،
وَقَالَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ: الْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} الْآيَةِ، وَالْحُرُمُ جَمْعُ مُحْرِمٍ، وَالْمُحْرِمُ مَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ، أَوْ فِي الْحُرُمَاتِ فَتَتَنَاوَلُ الْآيَةُ السَّبَبَيْنِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ... فَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَظْلُومًا أَيْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ ذُو الْحِجَّةِ انْتَهَى. قَالَ التَّادَلِيُّ، وَفِيهِ دَرَكٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مُحْرِمًا لَيْسَ بِمُفْرَدِ حُرُمٍ إنَّمَا مُفْرَدُهُ حَرَامٌ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَكْتَفِيَانِ فِي الْجَزَاءِ بِمَا رُوِيَ وَلْيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَا بِاجْتِهَادِهِمَا عَنْ آثَارِ مَنْ مَضَى اهـ أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَضَى فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَهِيَ دُونَ الْعَنَاقِ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ مُحْتَجًّا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَيْسَ بِهَدْيٍ لِصِغَرِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِاجْتِهَادِهِمَا لَا بِمَا رَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي عَنْ السَّلَفِ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَصِحُّ الْعُدُولُ عَنْهُ كَمَا فِي الضَّبُعِ أَنَّهُ قَضَى فِيهِ بِكَبْشٍ.
(وَإِنْ) قَتَلَهُ (لِمَخْمَصَةٍ) أَيْ شِدَّةِ مَجَاعَةٍ تُبِيحُ الْمَيْتَةَ (وَجَهْلٍ) لِحُكْمِ قَتْلِهِ أَوْ لِعَيْنِهِ (وَنِسْيَانٍ) أَيْ نَسِيَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ، أَوْ فِي الْحَرَمِ، أَوْ نَسِيَ أَنَّ هَذَا صَيْدٌ وقَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلَا إثْمَ فِي هَذَيْنِ كَالْمَخْمَصَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ
(بِخِلَافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ) فِيهَا: مَنْ جَامَعَ فِي حَجِّهِ فَأَفْسَدَ ثُمَّ أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ وَلَبِسَ وَتَطَيَّبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي مَجَالِسَ شَتَّى وَحَلَقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَعَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَرَّةٍ فِدْيَةٌ وَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ عَدَدًا مِنْ الْفِدْيَةِ وَعَلَيْهِ جَزَاءُ كُلِّ صَيْدٍ أَصَابَهُ. ابْنُ يُونُسَ: فَارَقَ الْوَطْءُ الصَّيْدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فَهُوَ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا صَغِيرًا فَعَلَيْهِ جَزَاءُ مِثْلِهِ وَكَبِيرًا عَلَيْهِ جَزَاءُ مِثْلِهِ فَكَذَلِكَ جَمَاعَةُ صَيْدٍ عَلَيْهِ جَزَاءُ مِثْلِهِمْ
وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الطَّعَامَ فَلَمَّا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ أَرَادَ الصِّيَامَ، فَهَا هُنَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِهِمَا بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الطَّعَامِ لَا مِنْ الصَّيْدِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} ، وَكَأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالطَّعَامِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحُكْمِ. اهـ. فَيَنْزِلُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِمَا قَوْلُهَا وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْ يَحْكُمَا عَلَيْهِ بِجَزَاءِ مَا أَصَابَ مِنْ النَّعَمِ أَوْ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالطَّعَامِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ أَمَرَهُمَا بِالْحُكْمِ فَالْجَزَاءُ مِنْ النَّعَمِ، فَحَكَمَا بِهِ وَأَصَابَا فَأَرَادَ بَعْدَ حُكْمِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الصِّيَامِ أَوْ الطَّعَامِ يَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِهِ هُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا فَلِذَلِكَ لَهُ اهـ.
عَبْدِ الْوَهَّابِ لَمْ يَكْتَفِ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أَفَادَهُ عب. الرَّمَاصِيُّ قَوْلُهُ وَاجْتَهَدَا إلَخْ أَمْرٌ لِلْحَكَمَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَمَانُهُ زَمَنُ اجْتِهَادٍ، قَالَ فِيهَا وَلَا يَكْتَفِيَانِ فِي الْجَزَاءِ بِمَا رُوِيَ وَلِيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَا بِاجْتِهَادِهِمَا عَنْ آثَارِ مَنْ مَضَى. اهـ. أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - . .
[منح الجليل] قَضَى فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَهِيَ دُونَ الْعَنَاقِ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُحْتَجًّا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَيْسَ بِهَدْيٍ لِصِغَرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِمَا لَا بِمَا رَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، أَيْ: عَنْ السَّلَفِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ بِأَنْ انْتَفَتْ كُلُّهَا بِأَنْ سَاقَهُ فِي عُمْرَةٍ نَذْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ سَبَقَ أَوْ عُمْرَةٍ كَذَلِكَ أَوْ سَاقَهُ لَا فِي إحْرَامٍ كَذَلِكَ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا بِأَنْ فَاتَهُ وُقُوفُ عَرَفَةَ أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ (فَمَكَّةُ) مَحَلُّهُ وُجُوبًا وَلَا يُجْزِئُ بِمِنًى وَلَا بِغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} . ابْنُ عَطِيَّةَ ذُكِرَتْ الْكَعْبَةُ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ الْحَرَمِ وَأُسُّهُ. وَأَجْزَأَ إنْ أُخْرِجَ لِحِلٍّ: كَأَنْ وَقَفَ بِهِ فَضَلَّ مُقَلَّدًا، وَنُحِرَ وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ [منح الجليل]
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٢٩٤٥/ ٢٩٤
وقال: وينبغي أن يكون لها أن تسافر به وإن لم يخف عليه الضيعة إذا لم يكن له وصي لِمَالَهَا من الشفقة كالأب، بل هي أعظم، وهذا إذا كان السفر بعيدا مما تسقط به الحضانة وإلا جاز من غير إذن الأب والوصي كما يأتي في باب الحضانة. انتهى. ثم شبه المصنف بما بعدَ وإلَّا قولَه: كجزاء صيد، الجزاء بالمد والهمز مصدر جزاه بما صنع أي كافاه؛ يعني أن الصيد الذي صاده الصبي محرما في غير الحرم لازم لوليه جزاؤه، سواء خاف الولي على الصغير الضيعة أو لم يخف عليه الضيعة، وجزاء الصيد هو ما يجعل في مقابلته من النعم {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} كما في التنزيل،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٤٨١٥/ ٤٨١
إلا من نساء؛ يعني أن كلا منهما يرجع حلالا من كل شيء إلا من النساء فإنه يجب عليه تجنبهن، وصيد؛ يعني أنه كما يحرم على كل منهما أن يَقْرَبَ النساء، يحرم عليه أيضا أن يتعرض للصيد، فكل منهما محرم بالنسبة للنساء والصيد من جملة من يشمله قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، وذلك أن كلا من النساء والصيد إنما يحل بالتحلل الأكبر وهو طواف الإفاضة. وكره الطيب؛
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٦٧٠٥/ ٦٧٠
ولما أنهى الكلام على محرمات الإحرام خاصة، شرع في محرماته مع الحرم على أنهما مرادان من قوله: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، وهو المعتمد عند الفقهاء، وسواء كان الإحرام بحج أو عمرة أو بهما،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٦٧٠٥/ ٦٧٠
أي بمعنى: في، وأن الواو بمعنى: أو كما في قول الشاعر: وقالوا نأت فاختر لها الصبر والبكى … فقلت البكى أشفى إذا لغليلي واعلم أنه قد اختلف أهل التفسير في قول الله عز وجل: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، فقيل: وقد أحرمتم بأحد النسكين،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٦٨٤٥/ ٦٨٤
بقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ؛ أي في الآخرة أو يعفو عنه، قال: وهو نص كتاب الله تعالى. انتهى. والجواب عما قال ابن عبد الحكم: أن ما في الآية خرج مخرج التغليظ، فلا ينافي الجزاء، وينتقم الله منه في الآخرة،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٦٨٤٥/ ٦٨٤
وإن شاء سامحه، وقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} الآية، خرج مخرج الغالب وقررت قوله: "وتكرر" ، على أنه مصدر داخل في حيز المبالغة تبعا لغير واحد، وقرره بعضهم على أنه فعل ماض وفاعله الجزاء، ومتعلق "تكرر" محذوف؛ أي وتكرر الجزاء بتكرر الصيد، وكان ينبغي له أن يأتي بالمتعلق، فيقول: وتكرر بتكرره.
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٦٩٨٥/ ٦٩٨
والله سبحانه أعلم. وكون ما صاده المحرم أو صيد له ميتة كبيضه هو مذهب الجمهور، وذهبت طائفة إلى أنه ليس بميتة، والحجة لنا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، والنهي يدل على فساد المنهي عنه،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٧٠٥٥/ ٧٠٥
ولما كان جزاء الصيد ليس كالفدية والهدي، بل لابد فيه من حكم الحكمين لقوله عز وجل: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ، أشار إلى ذلك
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٧٠٦٥/ ٧٠٦
بأن يعرفا ما يحكم به من قوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ، ثم قال: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} ، مثله؛ أي الصيد، وهو خبر المبتدأ؛ أعني قوله: "والجزاء" .
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٧٠٧٥/ ٧٠٧
وأما إن أراد الطعام فلما حكما عليه أراد الصيام، فهاهنا قال جماعة من أصحابنا: لا يحتاج إلى حكمهما في الصوم؛ لأن الصوم بدل من الطعام لا بدل من الهدي، بدليل قوله تعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} ، وكان الصوم مقدرا بالطعام بتقدير الشرع، فلا حاجة إلى الحكمين. انتهى. فينزل كلام ابن الحاجب تبعا لابن شأس على الأول، ونحوهما قول المدونة، والمحكوم عليه مخير إن شاء أن يحكما بجزاء ما أصاب من النعم أو بالصيام أو بالطعام، وكلام الطراز وابن عرفة والباجي على الثاني.
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٧١٥٥/ ٧١٥
وإذا كان الصيد معلما منفعة شرعية يرتفع بها ثمنه فتلغى تلك الصفة في الواجب لحق الله عز وجل، وتعتبر في القيمة الواجبة لربه. والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر أن قوله: "والصغير" ، عام في المثل والطعام والصيام، واستحسن اللخمي القول بأنه يقوم على حاله حتى في حق الله تعالى، لقوله عز وجل: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٧١٥٥/ ٧١٥
وكذا غير السمن والهزال من الأوصاف. ولمحمد بن الحسن بناني ما حاصله أن الحكم لا بد منه حتى في المروي فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو اتفق عليه السلف؛ لأن الله تعالى قال: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ} ،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٧١٦٥/ ٧١٦
تنبيه: قال في المدونة: وليبتدئا بالاجتهاد ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى. أبو الحسن الصغير: والذي روى أن في الظبية شاة وفي البقرة الوحشية بقرة. انتهى. عبد الوهاب: وإنما قلنا إن التحكيم يلزم فيما حكمت فيه الصحابة، ولا يكتفى بما تقدم من الحكم فيه، خلافا للشافعي في أنه يكتفى فيما حكمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فعم. انتهى. وقد علمت أن الحكمين لا يخرجان باجتهادهما عن آثار من مضى، مثل أن يخرجا عما وجب القضاء فيه ببدنة إلى الشاة أو بالعكس.
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٧٢٧٥/ ٧٢٧
فإن لم يرد الذبح بها صبر لقابل وذبح بمنى، وقوله: "بمكة" ، ولا يجزئ بمنى خلاف ما مر عن اللخمي، ولا غيرها لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ،
لوامع الدرر في هتك أستار المختصر٥/ ٧٣٥٥/ ٧٣٥
اللخمي: وإذا سيق الهدي عن واجب لم تبرأ الذمة إلا ببلوغه محله، لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ،
الشافعية٤٢
فتح العزيز بشرح الوجيز٧/ ٤٩٩٧/ ٤٩٩
إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحا ولا يجوز أن يخرجه حيا وبين أن يقوم المثل دراهم ثم لا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن ان شاء اشترى بها طعاما وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوما حيث كان قال الله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) إلى قوله صياما
فتح العزيز بشرح الوجيز٨/ ٤٧٨/ ٤٧
(وأما) تفصيلها فهي على ما ذكر في الكتاب ثمانية أنواع (احدها) دم التمتع وهو دم ترتيب وتقدير على ما ورد في نص الكتاب قال الله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلي الحج فما استيسر من الهدى) الآية وقد بينا شرح القول وبينا فيه ان دم القران في معناه وفى دم الفوات قولان نقلهما القاضي ابن كج (أصحهما) ولم يورد الاكثرون غيره انه كدم التمتع في الترتيب والتقدير وسائر الاحكام لان دم التمتع انما وجب لترك الاحرام من الميقات والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم * وقد روى عن عمر رضي الله عنه انه أمر الذين فاتهم الحج بالقضاء من قابل ثم قال (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع)(والثانى) انه كدم الجماع في الاحكام إلا أن ذلك بدنة وهذا شاة ووجه الشبه اشتراك الصورتين في التفريط المحوج إلى القضاء (الثاني) جزاء الصيد وهو دم تخيير وتعديل قال الله تعالى (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) الآية وما فيه التخيير يختلف يكون الصيد مثليا أو غير مثلي على ما سبق في موضعه وجزاء شجر الحرم كجزاء الصيد (الثالث) دم الحلق وفديته وهو دم تخيير وتقدير فإذا حلق جميع شعره أو ثلاث شعرات تخير بين أن يذبح شاة وبين أن يتصدق بعزق من طعامه على ستة مساكين وبين أن يصوم ثلاثة أيام والعزق ثلاثة آصع وكل صاع اربعة أمداد فتكون الآصع الثلاثة اثنى عشر مدا نصيب كل مسكين مدان وفى سائر الكفارات لا يزاد لكل مسكين على مد هذا هو المشهور * وحكي في العدة وجها آخر انه لا يتقدر ما يصرف إلي كل مسكين وإنما أخذ التخيير في هذا الدم من نص الكتاب قال الله تعالى (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)(وأما) التقدير فهو مأخوذ من حديث كعب بن عجرة وقد رويناه في باب المحظورات (وقوله) في الكتاب دم الفوات يجوز اعلامه بالواو لما رويناه من القول الثاني (وقوله) وتخيير في جزاء الصيد بالواو لقول حكيناه عن رواية أبى ثور من قبل انه علي الترتيب (وقوله) فهذه الثلاث منصوص عليها أي ورد نص الكتاب أو الخبر في كيفية وجوبها وما عداها مقيس بها * قال
المجموع شرح المهذب٧/ ٢٩٣٧/ ٢٩٣
ويحرم عليه الصيد المأكول من الوحش والطير فلا يجوز له أخذه لقوله تَعَالَى (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حرما) فان أخذه لم يملكه بالاخذ لان مَا مُنِعَ مِنْ أَخْذِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ لَمْ يملكه بالاخذ من غير اذنه كما لو غصب مال غيره فان كان الصيد لآدمي وجب رده الي مالكه وان كان من المباح وَجَبَ إرْسَالُهُ فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ عَلَى مَنْ يأخذه لِأَنَّ مَا حَرُمَ أَخْذُهُ لِحَقِّ الْغَيْرِ إذَا أخذه وجب رده إلى مالكه كالمغصوب وان هلك عنده وجب عليه الجزاء لانه مال حرام أخذه لحق الغير فصمنه بالبدل كمال الآدمى. فان خلص صيدا من فم سبع فداواه فمات في يده لم يضمنه لانه قصد الاصلاح * قال الشافعي رحمه الله ولو قيل يضمن لانه تلف في يده كان محتملا ويحرم عليه قتله فان قتله عمدا وجب عليه الجزاء لِقَوْلِهِ تَعَالَى (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قتل من النعم) وان قتله خطأ وجب عليه الجزاء لان ما ضمن عمده بالمال ضمن خطأه كمال الآدمى ولانه كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِالْقَتْلِ فَاسْتَوَى فيه الخطأ والعمد ككفارة القتل. وان كان الصيد مملوكا لآدمي وجب عليه الجزاء والقيمة وقال المزني لا يجب الجزاء في الصيد المملوك لانه يؤدي إلى إيجاب بدلين عن متلف واحد والدليل على أنه يجب أنه كفارة تجب بالقتل فوجبت بقتل المملوك ككفارة القتل ويحرم عليه جرحه لان ما منع من اتلافه لحق الغير منع من إتلاف أجزائه كالآدمي * فان أتلف جزءا منه ضمنه بالجزاء لِأَنَّ مَا ضُمِنَ جَمِيعُهُ بِالْبَدَلِ ضُمِنَتْ أَجْزَاؤُهُ كالآدمي * ويحرم عليه تنفير الصيد لقوله صلى الله عليه وسلم في مكة (لا ينفر صيدها) وَإِذَا حَرُمَ ذَلِكَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَجَبَ أن يحرم في الاحرام فان نفره فوقع في بئر فهلك أو نهشته حية أو أكله سبع وجب عليه الضمان لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ (دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه طائر فخاف أن ينجسه فطيره فنهشته حية فقال طير طردته حتى نهشته الحية فسأل من كان معه أن يحكموا عليه فحكموا عليه بشاة) ولانه هلك بسبب من جهته فأشبه إذا حفر له بثمر أو نصب له أحبولة فهلك بها * ويحرم عليه أن يعين علي قتله بدلالة أو إعارة آلة لان ما حرم قتله حرمت الاعانة علي قتله كالآدمي وإن أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إعَارَةِ آلَةٍ فقتل لم يجب عليه الجزاء لان لا ما يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ لَا يَضْمَنُهُ بِالدَّلَالَةِ عَلَى إتْلَافِهِ كمال الغير (الشَّرْحُ)
المجموع شرح المهذب٧/ ٣١٧٧/ ٣١٧
* وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم) فَأَوْجَبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَامِدِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَامِدِ الْقَتْلِ ذَاكِرًا لِلْإِحْرَامِ وَعَامِدِ الْقَتْلِ نَاسِيَ الاحرام فكانت الْآيَةُ مُتَنَاوِلَةً عُمُومَ الْأَحْوَالِ
المجموع شرح المهذب٧/ ٣١٧٧/ ٣١٧
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ لَنَا دَلَالَتَانِ (إحْدَاهُمَا) أَنَّ لَفْظَ الصَّيْدِ إشَارَةٌ إلَى الْجِنْسِ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ يَدْخُلَانِ لِلْجِنْسِ أَوْ الْعَهْدِ وليس في الصيد مَعْهُودٌ فَتَعَيَّنَ الْجِنْسُ وَأَنَّ الْجِنْسَ يَتَنَاوَلُ الْجُمْلَةَ والافراد فقوله تعالى (ومن قتله منكم) يَعُودُ إلَى جُمْلَةِ الْجِنْسِ وَآحَادِهِ (وَالدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وَحَقِيقَةُ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ يَفْدِيَ الْوَاحِدَ بِوَاحِدٍ وَالِاثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ وَالْمِائَةَ بِمِائَةٍ وَلَا يَكُونُ الْوَاحِدُ مِنْ النعم مثلا لجماعة صبود وَلِأَنَّهَا نَفْسٌ تُضْمَنُ بِالْكَفَّارَةِ فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْقَتْلِ كَقَتْلِ الْآدَمِيِّينَ وَلِأَنَّهَا غَرَامَةُ مُتْلَفٍ فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْإِتْلَافِ كَإِتْلَافِ أَمْوَالِ الْآدَمِيِّ
المجموع شرح المهذب٧/ ٤٢٣٧/ ٤٢٣
وإن قتل صيدا نظرت أن كان له مثل من النعم وجب عليه مثله من النعم والنعم هي الابل والبقر والغنم والدليل عليه قوله عز وجل (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قتل من النعم) فيجب في النعامة بدنة وفى الحمار الوحش وبقرة الوحش بقرة وفى الضبع كبش وفى الغزال عنز وفى الارنب عاق وفى اليربوع جفرة لما روى عن عثمان وعلى وابن عباس وزيد ابن ثابت وابن الزبير ومعاوية رضى الله عنهم انهم قضوا في النعامة ببدنة * وعن عمر رضى الله عنهم انه جعل في حمار الوحش بقرة وحكم في الضبع بكبش وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ * وَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَكَمَ فِي أم حبين بحلان وهو الحمل فما حكم فيه الصحابة لا يحتاج فيه إلى اجتهاد وما لم تحكم فيه الصحابة يرجع في معرفة المماثلة بينه وبين النعم إلى عدلين من أهل المعرفة لقوله تعالي (يحكم به ذوا عدل منكم هديا * وروى قبيصة بن جابر الاسدي قَالَ أَصَبْتُ ظَبْيًا وَأَنَا مُحْرِمٌ فَأَتَيْتُ عُمَرَ رضى الله عنه ومعى صاحب لى فذكرت ذلك له فاقبل على رجل إلى جانبه فشاوره فقال لى اذبح شاة فلما انصرفنا قلت لصاحبي ان أمير المؤمنين لم يدر ما يقول فسمعني عمر فاقبل على ضربا بالدرة وقال أتقتل الصيدا وأنت محرم وتغمص الفتيا أي تحتقرها وتطعن فيها قال الله عز وجل في كتابه (يحكم به ذوا عدل منكم) ها أنا ذا عمر وهذا ابن عوف
(فَإِنْ أَتْلَفَ) مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ (صَيْدًا) مِمَّا ذُكِرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا (ضَمِنَهُ) بِمَا يَأْتِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} الْآيَةَ، وَقِيسَ بِالْمُحْرِمِ الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ، وَلَا فَرْقَ فِي الضَّمَانِ بَيْنَ النَّاسِي لِلْإِحْرَامِ أَوْ كَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ وَجَاهِلِ الْحُرْمَةِ وَإِنْ عُذِرَ بِقُرْبِ إسْلَامٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَقَيَّدَ الْمُتَعَمِّدَ فِي الْآيَةِ وَمِنْكُمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيَحْرُمَ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مِنْ لَبَنٍ وَبَيْضٍ وَشَعْرٍ وَيَضْمَنُهَا بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ فِي وَرَقِ شَجَرِ الْحَرَمِ جَزَاءً؛
وَيَضْمَنُ الْمُحْرِمُ وَمَنْ بِالْحَرَمِ الصَّيْدَ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ لَا مِنْ نَوْعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وَالْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ تَقْرِيبًا لَا تَحْقِيقًا وَفِي الصُّورَةِ لَا فِي الْقِيمَةِ، فَيَفْدِي الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ
(وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ) مِنْ الصَّيْدِ عَنْ السَّلَفِ (يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ (عَدْلَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أَيْ وَلَوْ ظَاهِرًا أَوْ بِلَا اسْتِبْرَاءِ سَنَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ كَانَا قَاتِلَيْهِ خَطَأً أَوْ لِاضْطِرَارٍ لَا تَعَدِّيًا، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُمَا فَقِيهَيْنِ بِهَذَا الْبَابِ فَطِنَيْنِ، وَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْفِقْهِ مَحْمُولٌ عَلَى زِيَادَتِهِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ فَلَا يَجُوزُ بِقَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ حُكْمَهُ اشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِمَا وَحُرِّيَّتِهِمَا وَهُوَ كَذَلِكَ،
وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ حَيًّا وَلَا أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ (وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ) بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ (دَرَاهِمَ) أَوْ غَيْرَهَا (وَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لَهُمْ) مِمَّا يُجْزِي فِي الْفِطْرَةِ أَوْ يُخْرِجَ مِقْدَارَهَا مِنْ طَعَامِهِ إذْ الشِّرَاءُ مِثَالٌ (أَوْ يَصُومَ) فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ (عَنْ كُلِّ مُدٍّ) مِنْ الطَّعَامِ (يَوْمًا) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الْآيَةَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ ذَبْحُ الْمِثْلِ مَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا مِثْلِيًّا حَامِلًا فَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ مِثْلِهِ كَمَا مَرَّ بَلْ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ حَامِلًا وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ عَدَمُ اخْتِصَاصِ التَّقْوِيمِ بِالدَّرَاهِمِ.
(وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ) بِأَيِّ مَكَان (بِالْحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَلِخَبَرِ «نَحَرْت هَهُنَا»
(أَوْ) نَذَرَ (هَدْيًا) مِنْ نَعَمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَصِحُّ التَّصَدُّقُ بِهِ وَلَوْ فِي نَحْوِ دُهْنٍ نَجِسٍ وَعَيَّنَهُ فِي نَذْرِهِ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ أَوْ بَعْدَهُ مَحَلُّ نَظَرٍ لِأَنَّ التَّعْيِينَ بَعْدَ النَّذْرِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُطْلَقِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَصَرَّفُ فِيمَا يُجْزِئُ أُضْحِيَّةً فَلَا يَصِحُّ تَعْيِينُ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ حَمْلُهُ) إنْ كَانَ مِمَّا يُحْمَلُ وَلَمْ يَكُنْ بِمَحَلِّهِ أَزْيَدَ قِيمَةً كَمَا يَأْتِي (إلَى مَكَّةَ) أَيْ إلَى حَرَمِهَا إذْ إطْلَاقُهَا عَلَيْهِ سَائِغٌ: أَيْ إلَى مَا عَيَّنَهُ مِنْهُ إنْ عَيَّنَ وَإِلَّا فَإِلَيْهِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مَحِلُّ الْهَدْيِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَنْ) هُوَ مُقِيمٌ أَوْ مُسْتَوْطِنٌ (بِهَا) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرُهُمْ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ
الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاعص ٢٦٦ص ٢٦٦
بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مُعسرا أَو مُوسِرًا وَالدّين مُؤَجّلا فَلَيْسَ لَهُ مَنعه إِذْ لَا يلْزمه أَدَاؤُهُ حِينَئِذٍ فَإِن كَانَ الدّين يحل فِي غيبته اسْتحبَّ لَهُ أَن يُوكل من يَقْضِيه عِنْد حل حُلُوله وَلَا قَضَاء على الْمحصر المتطوع لعدم وُرُوده فَإِن كَانَ نُسكه فرضا مُسْتَقرًّا كحجة الْإِسْلَام فِيمَا بعد السّنة الأولى من سني الْإِمْكَان أَو كَانَت قَضَاء أَو نذرا بَقِي فِي ذمَّته أَو غير مُسْتَقر كحجة الْإِسْلَام فِي السّنة الأولى من سني الْإِمْكَان اعْتبرت الِاسْتِطَاعَة بعد زَوَال الْإِحْصَار (وَالرَّابِع الدَّم الْوَاجِب بقتل الصَّيْد) الْمَأْكُول الْبري الوحشي أَو الْمُتَوَلد من الْمَأْكُول الْبري الوحشي وَمن غَيره كمتولد بَين حمَار وَحشِي وحمار أَهلِي وَاعْلَم أَن الصَّيْد ضَرْبَان مَا لَهُ مثل من النعم فِي الصُّورَة والخلقة تَقْرِيبًا فَيضمن بِهِ وَمَا لَا مثل لَهُ فَيضمن بِالْقيمَةِ إِن لم يكن فِيهِ نقل وَمن الأول مَا فِيهِ نقل بعضه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَعضه عَن السّلف فَيتبع وَقد شرع المُصَنّف فِي بَيَان ذَلِك فَقَالَ (وَهُوَ) أَي الدَّم الْمَذْكُور (على التَّخْيِير بَين ثَلَاثَة أُمُور (إِن كَانَ الصَّيْد) الْمَقْتُول أَو المزمن (مِمَّا لَهُ مثل) شبه صوري من النعم وَذكر المُصَنّف الأول من هَذِه الثَّلَاثَة فِي قَوْله (أخرج الْمثل من النعم) أَي يذبح الْمثل من النعم وَيتَصَدَّق بِهِ على مَسَاكِين الْحرم وفقرائه فَفِي إِتْلَاف النعامة ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى بَدَنَة كَذَلِك فَلَا تجزىء بقرة وَلَا سبع شِيَاه أَو أَكثر لِأَن جَزَاء الصَّيْد يُرَاعى فِيهِ الْمُمَاثلَة وَفِي وَاحِد من بقر الْوَحْش أَو حِمَاره بقرة وَفِي الغزال وَهُوَ ولد الظبية إِلَى أَن يطلع قرناه معز صَغِير فَفِي الذّكر جدي وَفِي الْأُنْثَى عنَاق فَإِن طلع قرناه سمي الذّكر ظَبْيًا وَالْأُنْثَى ظَبْيَة وفيهَا عنز وَهِي أُنْثَى الْمعز الَّتِي تمّ لَهَا سنة وَفِي الأرنب عنَاق وَهِي أُنْثَى الْمعز إِذا قويت مَا لم تبلغ سنة وَفِي اليربوع جفرة وَهِي أُنْثَى الْمعز إِذا بلغت أَرْبَعَة أشهر وَفِي الضبع كَبْش وَفِي الثَّعْلَب شَاة وَمَا لَا نقل فِيهِ من الصَّيْد عَمَّن سَيَأْتِي يحكم فِيهِ بِمثلِهِ من النعم عَدْلَانِ لقَوْله تَعَالَى {يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم} الْآيَة وَالْعبْرَة بالمماثلة بالخلقة وَالصُّورَة تَقْرِيبًا لَا تَحْقِيقا فَأَيْنَ النعامة من الْبَدنَة لَا بِالْقيمَةِ فَيلْزم فِي الْكَبِير كَبِير وَفِي الصَّغِير صَغِير وَفِي الذّكر ذكر وَفِي الْأُنْثَى أُنْثَى وَفِي الصَّحِيح صَحِيح وَفِي الْمَعِيب معيب إِن اتَّحد جنس الْعَيْب وَفِي السمين سمين وَفِي الهزيل هزيل وَلَو فدى الْمَرِيض بِالصَّحِيحِ أَو الْمَعِيب بالسليم أَو الهزيل بالسمين فَهُوَ أفضل
الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاعص ٥٧٤ص ٥٧٤
وَأما من يحضرهم ليؤدي كل مِنْهُم الْجِزْيَة أَو يشتكي إِلَى الإِمَام من يعتدي عَلَيْهِم منا أَو مِنْهُم فَيجوز جعله عريفا لذَلِك وَلَو كَانَ كَافِرًا وَإِنَّمَا اشْترط إِسْلَامه فِي الْغَرَض الأول لِأَن الْكَافِر لَا يعْتَمد خَبره تَعَالَى {لَا تقتلُوا الصَّيْد وَأَنْتُم حرم} والذبائح جمع ذَبِيحَة بِمَعْنى = كتاب الصَّيْد والذبائح = مصدر صَاد يصيد ثمَّ أطلق الصَّيْد على المصيد قَالَ مذبوحة
وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا كَمَا مَرَّ بِالْجَزَاءِ الْآتِي مَعَ قِيمَتِهِ لِمَالِكِهِ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} الْآيَةَ وَمِنْكُمْ وَمُتَعَمِّدًا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَافِرٍ بِالْحَرَمِ وَنَاسٍ وَمُخْطِئٍ وَضِدُّهُمْ نَعَمْ إنْ قَتَلَهُ دَفْعًا لِصِيَالِهِ عَلَيْهِ أَوْ لِعُمُومِ الْجَرَادِ لِلطَّرِيقِ وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ وَطْئِهِ أَوْ بَاضَ أَوْ فَرَّخَ بِنَحْوِ فَرْشِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِتَنْحِيَتِهِ عَنْهُ فَفَسَدَ بِهَا أَوْ كَسَرَ بَيْضَةً فِيهَا فَرْخٌ لَهُ رَوْحٌ فَطَارَ وَسَلِمَ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ فَمٍ مُؤْذٍ لِيُدَاوِيَهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ كَمَا لَوْ انْقَلَبَ عَلَيْهِ فِي نَوْمِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُ مُمَيِّزٍ كَمَا مَرَّ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ جِهَاتِ ضَمَانِ الصَّيْدِ مُبَاشَرَةٌ،
(وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ) جَوَازًا، وَإِجْزَاءً حَيْثُ لَا حَصْرَ (بِالْحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} مَعَ خَبَرِ مُسْلِمٍ «نَحَرْت هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ»
لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْهَدْيِ قَالَ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} أَوْ التَّصَدُّقُ بِهِ (عَلَى مَنْ) هُوَ مُقِيمٌ أَوْ مُسْتَوْطِنٌ (بِهَا) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ السَّابِقِينَ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ
(فَإِنْ أَتْلَفَ) مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ (صَيْدًا) مِمَّا ذُكِرَ مَمْلُوكًا أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ (ضَمِنَهُ) بِمَا يَأْتِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} ، وَقِيسَ بِالْمُحْرِمِ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ الْآتِي ذِكْرُهُ بِجَامِعِ حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ فَيَضْمَنُ سَائِرَ أَجْزَائِهِ كَشَعْرٍ وَرِيشٍ بِالْقِيمَةِ
(وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ) مِنْ الصَّيْدِ عَمَّنْ سَيَأْتِي (يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ (عَدْلَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُمَاثَلَةِ بِالْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ تَقْرِيبًا لَا تَحْقِيقًا فَأَيْنَ النَّعَامَةُ مِنْ الْبَدَنَةِ، لَا بِالْقِيمَةِ. فَيَلْزَمُ فِي الْكَبِيرِ كَبِيرٌ،
وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ حَيًّا وَلَا أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ (وَبَيْنَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمِثْلُ) بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ (دَرَاهِمَ) أَوْ غَيْرَهَا (وَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لَهُمْ) مِمَّا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ أَوْ يُخْرِجَ مِقْدَارَهَا مِنْ طَعَامِهِ إذْ الشِّرَاءُ مِثَالٌ (أَوْ يَصُومَ) فِي أَيْ مَكَان شَاءَ (عَنْ كُلِّ مُدٍّ) مِنْ الطَّعَامِ (يَوْمًا) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} إلَى قَوْلِهِ: {صِيَامًا} وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ ذَبْحَ الْمِثْلِ مَا إذَا قَتَلَ صَيْدًا مِثْلِيًّا حَامِلًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُ مِثْلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا مَرَّ بَلْ يُقَوَّمُ الْمِثْلُ حَامِلًا وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا.
(وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ) بِأَيِّ مَكَان (بِالْحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَحَرْتُ هَهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَجُوزُ شِرَاءُ أَوْلَادِ الْمُهَادَنِينَ مِنْهُمْ لَا سَبْيُهُمْ. [كِتَابُ الصَّيْدِ] ِ هُوَ: مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ صَيْدًا، ثُمَّ أُطْلِقَ الصَّيْدُ عَلَى الْمَصِيدِ. قَالَ تَعَالَى:{لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (وَالذَّبَائِحُ) جَمْعُ ذَبِيحَةٍ بِمَعْنَى مَذْبُوحَةٍ،
فتح الوهاب بشرح منهج الطلابص ١٨٠ص ١٨٠
" فَإِنْ تَلِفَ " مَا تَعَرَّضَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ " ضَمِنَهُ " بِمَا يَأْتِي قَالَ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ١ وَقِيسَ بِالْمُحْرِمِ الْحَلَالُ الْمَذْكُورُ بِجَامِعِ حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ وَتَعْبِيرِي بِالتَّلَفِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْإِتْلَافِ فَيَضْمَنُ كل من المحرم والحلال فِي غَيْرِ مَا اسْتَثْنَى فِيهِ مَا تَلِفَ فِي يَدِهِ وَلَوْ وَدِيعَةً كَالْغَاصِبِ لِحُرْمَةِ إمْسَاكِهِ وَلَوْ أَحْرَمَ مَنْ فِي مِلْكِهِ صَيْدٌ زَالَ ملكه عنه ولزمه إرساله وإن تحلل ولا يمكن المحرم من صَيْدَهُ وَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ وَمَا أَخَذَهُ مِنْ الصَّيْدِ بِشِرَاءٍ لَا يَمْلِكُهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ شِرَائِهِ وَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ وَيُقَاسُ بِالْمُحْرِمِ الْحَلَالُ الْمَذْكُورُ فِي عَدَمِ مِلْكِهِ مَا يَصِيدُهُ ثُمَّ لَا فرق في الضمان بين العامل والخاطىء وَالْجَاهِلِ وَالنَّاسِي لِلْإِحْرَامِ وَالْمُتَعَمِّدُ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ نَعَمْ لَوْ صال عليه صيد فقتله أو جن فقتل صيدا أَوْ عَمَّ الْجَرَادُ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ وَطْئِهِ فَوَطِئَهُ فَمَاتَ أَوْ كَسَرَ بَيْضَةً فِيهَا فَرْخٌ لَهُ رُوحٌ فَطَارَ وَسَلِمَ أَوْ خلص صيدا من سَبُعٍ مَثَلًا وَأَخَذَهُ لِيُدَاوِيَهُ أَوْ يَتَعَهَّدَهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ ثُمَّ الصَّيْدُ ضَرْبَانِ ماله مثل في الصورة تقريبا فَيُضْمَنُ بِهِ وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ فَيُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَقْلٌ وَمِنْ الْأَوَّلِ مَا فِيهِ نَقْلٌ بَعْضُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْضُهُ عَنْ السَّلَفِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَيُتَّبَعُ. " فَفِي نعامة " ذكر وأنثى " بَدَنَةٌ " كَذَلِكَ لَا بَقَرَةٌ وَلَا شِيَاهٌ " وَ" فِي " وَاحِدٍ مِنْ بَقَرِ وَحْشٍ وَحِمَارِهِ بَقَرَةٌ وَ " فِي " ظَبْيٍ تَيْسٌ " هَذَا مِنْ زِيَادَتِي " وَ " فِي " ظَبْيَةٍ عَنْزٌ " وَهِيَ أُنْثَى الْمَعْزِ الَّتِي تَمَّ لَهَا سَنَةٌ " وَ " فِي " غَزَالٍ مَعْزٌ صَغِيرٌ" فَفِي الذَّكَرِ جَدْيٌ وَفِي الْأُنْثَى عَنَاقٌ وَقَوْلِي وَظَبْيَةٌ إلَى آخِرِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ وَفِي الْغَزَالِ عَنْزٌ لِأَنَّ الْغَزَالَ وَلَدُ الظَّبْيَةِ إلَى طُلُوعِ قَرْنَيْهِ ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ ظَبْيٌ أَوْ ظَبْيَةٌ
فتح الوهاب بشرح منهج الطلابص ١٨١ص ١٨١
" وَ " فِي " أَرْنَبٍ " ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى " عَنَاقٌ " وَهِيَ أُنْثَى الْمَعْزِ إذَا قَوِيَتْ مَا لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ وَغَيْرِهِ " وَ " فِي " يَرْبُوعٍ " وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ وَتَفْسِيرُ الْأَرْنَبِ فِي الْأَطْعِمَةِ " وَوَبْرٍ " بِإِسْكَانِ الْبَاءِ أَيْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا " جَفَرَةٌ " وَهِيَ أُنْثَى الْمَعْزِ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَفَصَلَتْ عَنْ أُمِّهَا وَالذَّكَرُ جَفْرٌ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ جَفَرَ جَنْبَاهُ أَيْ عَظْمًا لَكِنْ يَجِبُ كما قاله الشيخان أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَفَرَةِ هُنَا مَا دُونَ الْعَنَاقِ إذْ الْأَرْنَبُ خَيْرٌ مِنْ الْيَرْبُوعِ وَذِكْرُ الْوَبْرِ مِنْ زِيَادَتِي وَهُوَ جَمْعُ وَبْرَةٍ وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ أَصْغَرُ مِنْ السِّنَّوْرِ كَحْلَاءُ اللَّوْنِ لَا ذَنَبَ لَهَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. " وَ " فِي " حَمَامٍ " وهو ماعب وَهَدَرَ كَيَمَامٍ " شَاةٌ " بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِي " وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ " مِنْ الصَّيْدِ " يُحْكَمُ بِمِثْلِهِ " مِنْ النَّعَمِ " عَدْلَانِ " قَالَ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ٢ وَيُعْتَبَرُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا كَوْنُهُمَا فَقِيهَيْنِ فَطِنَيْنِ وَاعْتِبَارُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ لَكِنَّ الْفِقْهَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفِقْهِ الْخَاصِّ بِمَا يُحْكَمُ بِهِ هُنَا وَمَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ أَنَّ الفقه مستحب محمول على زيادته ويجزي فداء الذكر بالأنثى وعكسه والمعيب بالمعيب إنْ اتَّحَدَ جِنْسُ الْعَيْبِ " كَقِيمَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْهُ " أَيْ مِمَّا لَا نَقْلَ فِيهِ كَجَرَادٍ وَعَصَافِيرَ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ عَدْلَانِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمُتَقَوِّمَاتِ وَقَدْ حَكَمَتْ الصَّحَابَةُ بِهَا فِي الْجَرَادِ وَكَلَامُ الْأَصْلِ لَا يُفِيدُ هَذَا إلَّا بِعِنَايَةٍ وَخَرَجَ بِزِيَادَتِي مِنْهُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِمَّا فِيهِ نَقْلٌ كَالْحَمَامِ فَيُتَّبَعُ فِيهِ النَّقْلُ كَمَا مَرَّ.
فتح الوهاب بشرح منهج الطلابص ١٨٢ص ١٨٢
" وَحَرَمُ الْمَدِينَةِ وَوَجٌّ " بِالرَّفْعِ وَهُوَ مِنْ زِيَادَتِي وَادٍ بِالطَّائِفِ " كَحَرَمِ مَكَّةَ فِي حُرْمَةِ " التَّعَرُّضِ لِصَيْدِهِمَا وَنَابِتِهِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ " إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لا بتيها لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا" زَادَ مُسْلِمٌ وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ خَبَرَ إلَّا أَنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ حَرَامٌ مُحَرَّمٌ وَاللَّابَتَانِ الْحَرَّتَانِ تَثْنِيَةُ لَابَةٍ وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ وَهُمَا شَرْقَيْ الْمَدِينَةِ وَغَرْبَيْهَا فَحَرَّمَهَا مَا بَيْنَهُمَا عَرْضًا وَمَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا عَيْرٍ وَثَوْرٍ طُولًا " فَقَطْ " أَيْ دُونَ ضَمَانِهِمَا لِأَنَّ مَحَلَّهُمَا لَيْسَ مَحَلًّا لِلنُّسُكِ وَتَعْبِيرِي بِمَا ذُكِرَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ وَصَيْدُ الْمَدِينَةُ حَرَامٌ وَلَا يُضْمَنُ " وَفِي " جَزَاءِ صَيْدٍ " مِثْلِيٍّ ذُبِحَ مِثْلُهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ " الشَّامِلِينَ لِفُقَرَائِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَشْمَلُ الْآخَرَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُفَرِّقَ لَحْمَهُ وَمَا يَتْبَعُهُ عَلَيْهِمْ أَوْ يُمَلِّكَهُمْ جُمْلَتَهُ مَذْبُوحًا " أَوْ إعْطَاؤُهُمْ بِقِيمَتِهِ " أَيْ بِقَدْرِ قِيمَةِ مثله " طعاما " يجزىء فِي الْفِطْرَةِ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ وَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا لَهُمْ. " أَوْ صَوْمٌ " حَيْثُ كَانَ " لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا " قَالَ تَعَالَى: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} ١ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي الصَّوْمِ كَوْنَهُ فِي الْحَرَمِ لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ لِلْمَسَاكِينِ فِيهِ لَكِنَّهُ فِي الْحَرَمِ أَوْلَى لِشَرَفِهِ " وَ " فِي جَزَاءِ صَيْدٍ " غَيْرِ مِثْلِيٍّ " مِمَّا لَا نَقْلَ فِيهِ " تَصَدَّقَ " عَلَيْهِمْ " بِقِيمَتِهِ " أَيْ بِقَدْرِهَا " طَعَامًا أَوْ صَوْمٌ " لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا كَالْمِثْلِيِّ
فتح الوهاب بشرح منهج الطلابص ١٨٣ص ١٨٣
أَمَّا الجواز فأحالوه على ما قرروه في الكفارة وَتَعْبِيرِي بِمَا ذُكِرَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ وَالدَّمُ الْوَاجِبُ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لِشُمُولِهِ دَمَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَغَيْرِهِمَا كَالْحَلْقِ بِعُذْرٍ وَتَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْمَوْقِفِ " وَيَخْتَصُّ " ذَبْحُهُ " بِالْحَرَمِ " حَيْثُ لَا حَصْرَ قَالَ تَعَالَى: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ١
قال: (فإن أتلف) أي: المحرم أو الحلال في الحرم (صيدًا .. ضمنه)؛ لقوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الآية.
فدعاه وقال: أما قرأت كتاب الله؟ قال: لا، قال إن الله تعالى يقول: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ثم قال عمر: إن فى الإنسان عشرة أخلاق تسعة حسنة وواحدة سيئة، فيفسد الخلق الساء التسعة الصالحة، فإياك وعثرات اللسان).
قال (وما لا تقل فيه: يحكم بمثله عدلان)؛ لقوله تعالى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فيتبع ما حكما به، والعبرة فى المماثلة بالخلفة والصورة تقريبًا لا بالقيمة، فيلزم فى الكبير كبير، وفى الصغير صغير، وفى الذكر ذكر، وفى الانثى انثى، وفى الصحيح صحيح، وفى المعيب معيب، وفى السمين سمين، وفى الهزيل هزيل.
قال: (ويتخير في الصيد المثلي بين ذبح مثله والصدقة به على مساكين الحرم، وبين أن يقوم المثل دراهم ويشتري بها طعاما لهم، أو يصوم عن كل مد يومًا) ؛ لقوله تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}.
وأما التعديل ..... فلقوله تعالى:{أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}.
قال: (ويختص ذبحه بالحرم فى الأظهر) ؛ لقوله تعالى:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}، وروى مسلم [١٢١٨] عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر) وسواء في هذا دم التمتع والقرآن وسائر ما يجب بسبب في الحل أو الحرم، أو بسبب مباح أو محرم.
وقال تعالى:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} في أرنب قيمته درهم، أخرجت من هذه؟) قالوا: نعم.
*********** [كتاب الصيد والذبائح] الصيد مصدر صاد يصيد صيدًا، ثم أصلق علي المصيد، قال الله تعالى:{لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}.
قال: (أو هديًا) أي: نذر أن يهدي شيئًا معينًا إلى الحرم (.. لزمه حمله إلى مكة) أي: عند الإمكان؛ لأنها محل الهدي وإن لم يسمها ولا نواها لقوله تعالى:{هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ}
قال: (عدل) فلا يولى الفاسق؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في أقل الحكومات فقال:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}، ولأنه ممنوع من النظر في مال الولد مع وفور شفقته فنظره في أمر الكافة أولى بالمنع، والعدالة معتبرة في سائر الولايات.
(فَإِنْ أَتْلَفَ) مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ الِاصْطِيَادُ الْمَذْكُورُ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ لِحَلَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ (صَيْدًا) مِمَّا ذُكِرَ مَمْلُوكًا أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ (ضَمِنَهُ) بِمَا سَيَأْتِي قَالَ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الْآيَةَ وَقِيسَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْحَلَالُ الْمَذْكُورُ بِجَامِعِ حُرْمَةِ الِاصْطِيَادِ وَلَوْ تَسَبَّبَ فِي تَلَفِ الصَّيْدِ كَأَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا فَأَتْلَفَهُ، أَوْ نَصَبَ الْحَلَالُ شَبَكَةً فِي الْحَرَمِ أَوْ نَصَبَهَا الْمُحْرِمُ حَيْثُ كَانَ فَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ وَهَلَكَ ضَمِنَهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ،
وَالْأَصَحُّ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْآمِرِ ثُمَّ الصَّيْدُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ عَلَى التَّقْرِيبِ فَيَضْمَنُ بِهِ وَمِنْهُ مَا فِيهِ نَقْلٌ عَنْ السَّلَفِ فَيُتْبَعُ قَالَ تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ بِقَدْرِهَا مِنْ طَعَامِهِ (لَهُمْ) أَيْ لِأَجْلِهِمْ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالدَّرَاهِمِ (أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ) مِنْ الطَّعَامِ (يَوْمًا) حَيْثُ كَانَ قَالَ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}
(وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ) قَالَ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} [المائدة: ٩٥] إلَخْ) لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِلْحَلَالِ بِالْحَرَمِ، فَهُوَ إنَّمَا قِيسَ عَلَى الْمُحْرِمِ كَمَا يَأْتِي وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِهِ الْآتِي
قَوْلُهُ: (وَكَذَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي الْمُبَاشَرَةِ) اعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ فِي الْمُبَاشَرَةِ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ وَالصَّيْدِ عَلَّلَ الْأَوَّلَيْنِ بِتَعَلُّقِهَا بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» ، وَعَلَّلَ الصَّيْدَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى:{لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وَمَنْ قَالَ بِالْحِلِّ نَظَرَ إلَى أَنَّهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا يُوجِبُ تَعَاطِيهَا إفْسَادًا فَكَانَتْ كَالْحَلْقِ.
الحنابلة١٤٥
(السادسُ: قَتلُ صيد البرِّ المأكول وذبحُه) إجماعًا ؛ لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (واصطياده) لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (وأذاه) ولو لم يقتله أو يخرجه في الاصطياد أو الأذى. (وهو) أي: صيد البرّ (ما كان وحشيًّا أصلًا لا وصفًا، فلو تأهل وحشيٌّ) كحمام وبط
أمَّا كونه يضمنه بالجزاء إذا أتلفه فبالإجماع ؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ،
(ويضمنه المُحرم) إذا قتله؛ لقوله تعالى:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} (إلا أن يكون) الصيدُ (في الحرم، فيشتركان) أي: الحلال والمُحرِم (في الجزاء كالمُحرِمين) لتحريم صيد الحرم على الحلال والمُحرم.
لعموم: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} فعطف بـ: "أو"، وهي للتخيير كما تقدم
ولو قُتلت الصيود معًا؛ لقوله تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ومثلُ جزاء الاثنين فأكثر لا يكون مثلَ أحدهما.
وأما جزاء الصيد؛ فلقوله تعالى:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}،
وكل هَدي قلنا: إنه لمساكين الحرم، فإنه (يلزمه (٤) ذَبْحُه في الحرم) ويجزئه الذبحُ في جميع الحرم؛ لما روي عن جابر مرفوعًا:"كُلُّ فجَاجِ مكَّةَ طريق ومَنْحَرٌ" رواه أحمد وأبو دارد ، لكنه في مسلم عنه مرفوعًا:"منى كُلُّها مَنْحَرٌ" وإنما أراد الحرم؛ لأنه كلُّه طريق إليها، والفجُّ: الطريق. وقوله تعالى:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}، وقوله:{ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ} لا يمنع الذبح في غيرها، كما لم يمنعه بمنى. (و) يلزمه (تفرقة لحمِه فيه) أي: في الحرم (أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكينه) أي: الحرم (من المسلمين إن قَدَر على إيصاله إليهم (٤) بنفسه، أو بمن يرسله معه) لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه، ولا يحصُل بإعطاء غيرهم.
(النوع الثاني: ما لم تقضِ فيه الصحابةُ، فيُرجعُ فيه إلى قول عَدلين) لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}، فلا يكفي واحد (من أهل الخِبرةِ) لأنه لا يتمكَّن من الحُكم بالمثل إلا بهما فَيَعْتَبِران الشَّبَه خلقة لا قيمة، كفعل الصحابة.
وعند مالك: يستأنف الحكم ولا يكتفى به؛ لقوله سبحانه وتعالى:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}.
وإن جعل لهذا جزاء فقال: إن دخلت الدار وأنت طالق فعبدي حر: صح ولم يعتق العبد حتى تدخل الدار وهي طالق " لأن الواو هنا للحال. لقول (١) الله سبحانه وتعالى: {لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] .
(و) يخير (بجزاء صيد بين) ذبح (مثل إن كان) له مثل من النعم (أو تقويمه) أي: المثل بمحل التلف أو قربه (بدراهم يشتري بها طعاما) يجزئ في فطرة أو يخرج بعدله من طعامه (فيطعم كل مسكين مدا) إن كان الطعام برا، وإلا فمدين. (أو يصوم عن كل مد) من البر (يوما) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الآية،
(بخلاف صيد) ففيه بعدده ولو في دفعة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
باب جزاء الصيد] أي مثله في الجملة إن كان وإلا فقيمته، فيجب المثل من النعم فيما له مثل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}«وجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الضبع كبشا» ويرجع فيما قضت به الصحابة إلى ما قضوا به فلا يحتاج أن يحكم عليه مرة أخرى لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب، ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ومنه (في النعامة بدنة) روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية لأنها تشبهها.
[مَسْأَلَة تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَاصْطِيَادِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ] (٢٣٣٩) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَا يَصِيدُهُ، وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَلَالًا وَلَا حَرَامًا) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَاصْطِيَادِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ، وَلَا الطِّيبُ، وَلَا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} . وَهَذَا حَرَامٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَمْنَعُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ أَحْكَامِ الْإِحْرَامِ. (٢٥٥٢) فَصْلٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، أَنَّ الْحِلَّ، إنَّمَا يَحْصُلُ بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ مَعًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا قُلْنَا عَلَيْهِ طَوَافَانِ، لَزِمَهُ جَزَاءَانِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَمِثْلُ الصَّيْدَيْنِ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَجَبَ جَزَاؤُهُمَا،
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِهِ، وَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي الْجَزَاءِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، إلَّا الْحَسَنَ وَمُجَاهِدًا، قَالَا: إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ،
وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَالذَّاكِرُ لِإِحْرَامِهِ مُتَعَمِّدٌ،
وَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} . وَالْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمَا. وَقَتْلُ الصَّيْدِ نَوْعَانِ، مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ، فَالْمُحَرَّمُ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُ قَتْلَهُ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ.
[الْفَصْل الثَّانِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَم فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ] (٢٦٦٦) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَلَى الْمُتَعَمِّدِ بِالْكِتَابِ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ بِالسُّنَّةِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا كَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَدَاوُد؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} .
[الْفَصْل الرَّابِع الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إلَّا بِقَتْلِ الصَّيْدِ] (٢٦٦٨) الْفَصْلُ الرَّابِعُ، أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إلَّا بِقَتْلِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} . وَالصَّيْدُ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَكْلُهُ، لَا مَالِكَ لَهُ، مُمْتَنِعًا. فَيَخْرُجُ بِالْوَصْفِ الْأَوَّلِ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ لَا جَزَاءِ فِيهِ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالْمُسْتَخْبَثِ مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَالطَّيْرِ، وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا جُعِلَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّيْدِ الْمُحَلَّلِ أَكْلُهُ.
وَيَجُوزُ فِيهَا الْمِثْلُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبُعِ كَبْشًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْتَأْنَفُ الْحُكْمُ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَقَالَ: «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ» . وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، وَأَبْصَرُ بِالْعِلْمِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ، وَاَلَّذِي بَلَغَنَا قَضَاؤُهُمْ فِي؛ الضَّبُعِ كَبْشٌ. قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيهِ شَاةٌ. وَقَضَاءُ عُمَرَ أَوْلَى. وَالْعَنَاقُ: الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ، وَالذَّكَرُ جَدْيٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، فَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} . فَيَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ النَّعَمِ، مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ، لَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَضَاءَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ بِالْمِثْلِ فِي الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَكَمِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الضَّبِّ، وَلَمْ يَسْأَلْ أَفَقِيهٌ هُوَ أَمْ لَا؟
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} . وَالْقَاتِلُ مَعَ غَيْرِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنَّا. وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ "، وَالشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ "، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَأُوطَأْ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ ضَبًّا، فَفَزَرَ ظَهْرَهُ، فَقَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَسَأَلَهُ أَرْبَدُ، فَقَالَ لَهُ: اُحْكُمْ يَا أَرْبَدُ فِيهِ. قَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: إنَّمَا أَمَرْتُك أَنْ تَحْكُمَ، وَلَمْ آمُرْك أَنْ تُزَكِّيَنِي.
وَفِي الْمَعِيبِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} . وَلَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ صَغِيرٌ وَلَا مَعِيبٌ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَتْلِ حَيَوَانٍ، فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِصَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ، كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ اخْتَلَفَ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، كَالْبَهِيمَةِ، وَالْهَدْيُ فِي الْآيَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْمِثْلِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الضَّمَانِ بِمَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا، كَالْجَفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ. وَكَفَّارَةُ الْآدَمِيِّ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْهُ، وَلَا تَجْرِي مَجْرَى الضَّمَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ فِي أَبْعَاضِهِ،
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَضْمَنُهَا بِمَاخِضٍ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَإِيجَابُ الْقِيمَةِ عُدُولٌ عَنْ الْمِثْلِ مَعَ إمْكَانِهِ،
[مَسْأَلَة وُجُوبِ ضَمَانِ صَيْدِ الحرم مِنْ الطَّيْرِ] (٢٦٧٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ) قَوْلُهُ: " بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ " يَعْنِي يَجِبُ قِيمَتُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ. لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ ضَمَانِ الصَّيْدِ مِنْ الطَّيْرِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْ الْحَمَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَهَذَا لَا مِثْلَ لَهُ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .
وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّ فِيهَا قِيمَتَهَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. وَاتِّبَاعُ النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَالْآثَارِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّعَامَةَ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خِلْقَتِهِ، فَكَانَ مِثْلًا لَهَا، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: فِيهِ قِيمَتُهُ. إلَّا أَنَّ مَالِكًا وَافَقَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ لِحُكْمِ الصَّحَابَةِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. قُلْنَا: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَمَامِ حَالَ الْإِحْرَامِ كَمَذْهَبِنَا، وَلِأَنَّهَا حَمَامَةٌ مَضْمُونَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَضُمِنَتْ بِشَاةٍ، كَحَمَامَةِ الْحَرَمِ، وَلِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ الشَّاةُ مِثْلًا لَهَا فِي الْحَرَمِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحِلِّ، فَيَجِبُ ضَمَانُهَا بِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَقِيَاسُ الْحَمَامِ عَلَى الْحَمَامِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ لِيَعْدِلَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ. هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي عِيَاضٍ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} . " وَأَوْ " فِي الْأَمْرِ لِلتَّخْيِيرِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ أَوْ أَوْ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} . وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ (٢٦٨٤) . الْفَصْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ مَتَى اخْتَارَ الْإِطْعَامَ، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ. وَبِهِ قَالَ، الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجِبُ إلَّا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} . وَلَمْ يُوجِبْ جَزَاءً. وَالثَّالِثَةُ، إنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ، فَيَدْخُلُ جَزَاؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، كَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا هَدْيٌ وَالْآخَرُ صَوْمٌ، فَعَلَى الْمُهْدِي بِحِصَّتِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ صَوْمٌ تَامٌّ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَالصَّوْمُ كَفَّارَةٌ، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} . وَالْجَمَاعَةُ قَدْ قَتَلُوا صَيْدًا، فَيَلْزَمُهُمْ مِثْلُهُ، وَالزَّائِدُ خَارِجٌ عَنْ الْمِثْلِ، فَلَا يَجِبُ،
وَمَتَى ثَبَتَ اتِّخَاذُ الْجَزَاءِ فِي الْهَدْيِ، وَجَبَ اتِّخَاذُهُ فِي الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} . وَالِاتِّفَاقُ حَاصِلٌ أَنَّهُ مَعْدُولٌ بِالْقِيمَةِ،
فَإِنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِ لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُ عَلَى نَظِيرِهِ. وَاثْنَانِ مُخَيَّرَانِ؛ أَحَدُهُمَا، فِدْيَةُ الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} . الثَّانِي، جَزَاءُ الصَّيْدِ، وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} .
فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ بِمَكَّةَ، أَوْ كَانَ مِنْ الصَّيْدِ، فَكُلٌّ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} . وَمَا كَانَ مِنْ فِدْيَةِ الرَّأْسِ فَحَيْثُ حَلَقَهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي قَتْلِ الصَّيْدِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يَفْدِي حَيْثُ قَتَلَهُ.
وَإِنْ جَعَلَ لِهَذَا جَزَاءً، فَقَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ فَعَبْدِي حُرٌّ. صَحَّ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ. وَهِيَ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ هَاهُنَا لِلْحَالِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} . وَقَوْلِهِ:{فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} .
وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ، لَمْ يُبَحْ قَتْلُهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .
[فَصْلٌ وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا لَزِمَهُ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ] (٨١٩٢) فَصْلٌ: وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا، لَزِمَهُ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْهَدْيِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .
الشرح الممتع على زاد المستقنع٨/ ٥١١٨/ ٥١١
واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فإن من المعلوم أن الهدي لا يذبح في الكعبة، وإنما يذبح داخل حدود الحرم في مكة أو خارجها.
الشرح الممتع على زاد المستقنع٨/ ٥٢٥٨/ ٥٢٥
وقال الله فيه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ أي: غير معذور ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ولم يبطل الله الإحرام، فدل هذا على أن الحج والعمرة لهما أحوال خاصة؛ لقوة لزومهما وثبوتهما، فلا يفسدهما المُحَرَّمُ فيهما إلا ما أجمع العلماء عليه، وهو فيما أعلم الجماع، ثم إنه أي: المحظور ينجبر بالبدل،
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ١٤٣٩/ ١٤٣
والدليل على هذا من القرآن، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية، فجعل إتلاف الصيد قتلاً،
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ١٧١٩/ ١٧١
لقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ والمثل هذا يذبحه، ويتصدق به على فقراء الحرم لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ . «أو تقويمه بدراهم يشترى بها طعاماً فيطعم كل مسكين مدًّا، أو يصوم عن كل مد يوماً»، (أو) في كلام المؤلف بمعنى الواو، فمعنى الكلام أنه يخير في جزاء الصيد بين ذبح مثله يتصدق به على فقراء الحرم، وتقويمه بدراهم … إلخ لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الكفارة ما بَيَّنَها الله عز وجل ولكن يقال: إن البدل له حكم المبدل، فتكون الكفارة تساوي المثل أو الصيد، والقرآن ليس فيه إفصاح بهذا ولا هذا؛
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ١٧٢٩/ ١٧٢
وقوله:«أو تقويمه بدراهم يشترى بها طعاماً»، هذا على سبيل المثال، وليس على سبيل التعيين، فله أن يقومه بدراهم، ثم يخرج من الطعام الذي عنده ما يساوي هذه الدراهم. مثال ذلك: الحمامة، مثلها شاة، فالشاة جزاء الحمامة؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ، والمشابهة بينهما في شرب الماء، فالشاة تعبُّ الماء عبَّا، والحمامة تعُبُّه عبًّا كمص الصبي للثدي، والدجاجة إذا ملأت منقارها رفعت رأسها لينزل الماء، لكن الحمامة إذا وضعت منقارها في الماء لا ترفع رأسها حتى تروى،
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ١٧٢٩/ ١٧٢
وكذلك الشاة. فهذا رجل محرم قتل حمامة، نقول: أنت بالخيار اذبح شاة وتصدق بها على فقراء الحرم، أو قوِّم الشاة بدراهم، وأخرج بدل الدراهم طعاماً، ولا تخرج الدراهم؛ لأنه قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فإذا قدرنا الشاة بمائتي ريال، وقدرنا الطعام كل صاع بريال، فتكون مائتي صاع يساوي ثمانمائة مد، فنقول: إن شئت أخرج الطعام،
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ١٧٢٩/ ١٧٢
ومن الذي يقدر المثل؟ الجواب: قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ «يحكم به» أي: بالمثل «ذوا عدل منكم»، فالواحد لا يكفي فلا بد من اثنين، وسيأتينا ـ إن شاء الله ـ في الباب الذي يليه أن ما قضت به الصحابة رضي الله عنهم وجب الرجوع إليه، وما لم تقض به الصحابة يقضي به رجلان.
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ١٩٦٩/ ١٩٦
فنقول: ـ سبحان الله ـ الحاكم في عباده وبين عباده يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ، ونحن نقول من قتله متعمداً وغير متعمدٍ، فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم، هذا لا يمكن!
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ٢٠٥٩/ ٢٠٥
فإن جزاء الصيد لا بد أن يبلغ إلى الحرم؛ لقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى أن قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ .
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ٢٠٩٩/ ٢٠٩
ووجه ذلك أن جزاء الصيد يشترط فيه المماثلة، قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وسبع البدنة والبقرة لا يماثل الحمامة، فلا يجزئ عنها. وليعلم أن سبع البدنة والبقرة يجزئ عما تجزئ عنه الشاة، وعلى هذا
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ٢١١٩/ ٢١١
بَابُ جَزَاء الصيَّدِ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ ........ «باب جزاء الصيد»، أي: باب المثل في جزاء الصيد؛ لأنه لا يريد أن يبين ما يجب في الصيد، بل يريد أن يبين المثل، ولم يقل فدية؛ لأن الله عبر به في القرآن فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والصيد هو الذي يحرم على المحرم صيده، أو في الحرم،
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ٢١٤٩/ ٢١٤
الجواب: لا تدخل؛ لأن الله قال: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ يَحْرُمُ صَيْدُهُ عَلَى المُحْرِمِ والحَلَالِ، ........... «الحرم»، أل هنا للعهد الذهني، يعني بذلك حرم مكة والمدينة، وعلى هذا فـ «أل» هنا للجنس، أي: باب صيد ما يسمى حرماً، وليس في الدنيا شيء حرم إلا هذان الحرمان، حرم مكة، وحرم المدينة،
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ٢١٥٩/ ٢١٥
ويحرم على الحلال من وجه واحد هو الحرم، وهل يلزم المحرم إذا قتل صيداً في الحرم جزاءان لوجود السببين؟ الصحيح أنه لا يلزمه جزاءان؛ لأنه النفس واحدة، وقد قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. ودليل ذلك أن النبي ﷺ أعلن هذا التحريم عام فتح مكة، فقال:«إن الله حرمه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة»،
الشرح الممتع على زاد المستقنع٩/ ٤٤٣٩/ ٤٤٣
ولو سمى وأنهر الدم؛ لأنه محرَّم لحق الله، ولهذا قال النبي ﷺ للصعب بن جثامة رضي الله عنه قال:«إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم»، وهذا يتبين بالتعبير القرآني: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ، ولم يقل لا تصيدوا الصيد، فدل هذا على أن صيد الصيد والإنسان محرم يعتبر قتلاً، لا صيداً، والقتل لا تحل به المقتولة.
الشرح الممتع على زاد المستقنع١٧/ ١٧١٧/ ١٧
ولكن على كل حال فإن استثناء المؤلف إيّاها يجعلنا نطالبه بالدليل؛ لأن استثناءه إيّاها من ذلك يدل على أنه يرى أنها من السباع التي تفترس بنابها، والدليل على إخراجها أن النبي ﷺ جعل فيها شاةً إذا قتلها المُحْرِم ، وهذا يدل على أنها من الصيد؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ، وبهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله أن النبي ﷺ جَعَل فيها كبشاً، وذلك يدل على أنها حلال.
فعليه جزاؤه إجماعا لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ويعتبر كونه أصلا لا وصفا
الحرم . (فـ) ـإنه يلزمه ذبحه في الحرم لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ، وقوله في جزاء الصيد: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وقيس عليه الباقي.
لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} وتقدم قول الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدا بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة، وجزاء بالمد والهمز، مصدر: جزيته، جزاء بما صنع، ثم أوقع موقع المفعول، تقول: الكبش جزاء الضبع، وجزي الشيء عنك وأجزأ إذا قام مقامك.
لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (فَجَزَاءٌ) مبتدأ منون، خبره محذوف و (مثل) صفة أو بدل، {مِنَ النَّعَمِ} صفة لـ (جزاء) و {يَحْكُمُ بِهِ} صفة له أيضا أي يجب على المحرم جزاء مثل ما قتله، إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، وهو مذهب مالك، والشافعي، وخالف أبو حنيفة، وما حكم به الصحابة، وذهب إليه الجمهور، أولى بالاتباع، وقرئ بالإضافة والعطف،
فيه الصحابة يرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من حيث الخلقة، لا القيمة، كقضاء الصحابة لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ولأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا بها،
الروض الندي شرح كافي المبتديص ١٨١ص ١٨١
(و) في (غزال عنز) وهي الأنثى من المعز، (و) في (وبر) بسكون لاباء دويبة كحلاء لا ذنب لها دون السنور جدى، (و) في (ضب جدى) وهو الذكر من أولاد المعز له ستة أشهر، (و) في (يربوع جفرة) من المعز لها أربعة أشهر (و) في أرنب (عناق) أنثى من أولاد المعز أصغر من الجفرة، (و) في كل (حمامة شاة) والحمام كل ما عب وهدر فيدخل فيه فواخت ووراشين وقطا وقمرى ونحوها، و (بهذا) أى بما تقدم (قضت) فيه (الصحابة) رضي الله تعالى عنهم، فيجب فيه ما قضت لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب. (و) النوع الثاني (ما لم تقض فيه) الصحابة وله مثل من النعم (فيرجع) بالبناء للمفعول (فيه إلى قول عدلين) لقوله تعالى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} (من أهل الخبرة) ليحصل المقصود منهما فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من حيث الخلقة لا القيمة،
حاشية الخلوتي على المنتهى٣/ ٣٦٠٣/ ٣٦٠
* * * باب جزاء الصيد * قوله: (من مثله ومقاربه وشبهه) الظاهر أن العطف تفسيري، كما يدل عليه قول الجلال في تفسير قوله -تعالى-: {مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}: "أيْ: شبهه في الخلق"، انتهى.
حاشية الخلوتي على المنتهى٣/ ٣٦٤٣/ ٣٦٤
قال: لا، فقال: هل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا، فقال: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربًا، ثم قال: إن اللَّه عز وجل يقول في كتابه العزيز: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}.
حاشية الخلوتي على المنتهى٣/ ٣٦٦٣/ ٣٦٦
الظاهر لا مانع من ذلك: بدليل قوله -تعالى-: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} ومشى عليه شيخنا في شرحه .
الشرح الكبير على المقنع٨/ ٢٧٣٨/ ٢٧٣
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (السّادِسُ، قَتْلُ صَيْدِ البَرِّ واصْطِادُه؛ وهو ما كان وَحْشِيًّا مَأْكُولًا، أو مُتَوَلِّدًا منه ومِن غيرِه) لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ قَتْل صَيْدِ البَرِّ واصْطِادِه على المُحْرِمِ. والأصْلُ فيه قولُ اللهِ سُبْحانَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. وقَوْلُه تَعالَى:{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}. والصَّيْدُ المُحَرَّمُ على المُحْرِمِ ما جَمَع ثَلَاثةَ أشْياءَ؛ أحَدُها، أن يَكُونَ وَحْشِيًّا، وما ليس بوَحْشِيٍّ لا يَحْرُمُ على المُحْرِمِ أكْلُه، ولا ذَبْحُه؛
الشرح الكبير على المقنع٨/ ٢٧٦٨/ ٢٧٦
وقد دَلَّ عليه قَوْلُه سُبْحانَه: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}. قال شيخُنا ، رَضِىَ الله عنه: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في قَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، أنَّ فيه الجَزاءَ، إلَّا الحسنَ، ومُجاهِدًا، قالا: يَجِبُ في الخَطإِ والنِّسْيانِ،
الشرح الكبير على المقنع٨/ ٣٨١٨/ ٣٨١
(الثّانِى، جَزاءُ الصَّيْدِ؛ يَتَخَيَّرُ فيه بينَ المِثْلِ وتَقْويمِه بدَرَاهِمَ يَشْتَرِى بها طَعامًا، فيُطْعِمُ لكلِّ مِسْكِين مُدًّا، أو يَصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وإن كان ممّا لا مِثْلَ لة، خُيِّرَ بينَ الإطْعامِ والصِّيامِ. وعنه، أنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ المِثْلُ، فإن لم يَجدْ، لَزِمَه الإطْعامُ، فإن لم يَجِدْ، صام) الكَلامُ في هذه المسألةِ في فُصُولٍ؛ أحَدُها، في وُجُوبِ الجَزاءِ على المُحْرِمِ في قَتْلِ الصَّيدِ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِه في الجُمْلَةِ، وقد نَصَّ الله تعالى عليه بقَوْلِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}.
الشرح الكبير على المقنع٨/ ٣٨١٨/ ٣٨١
وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه لا إطْعامَ في كَفّارَةِ الصَّيْدِ؛ وإنَّما ذَكَرَه في الآيَةِ ليَعْدِلَ به الصِّيامَ، لأنَّ مَن قَدَر على الإِطْعامِ قَدَر على الذَّبْحِ. هكذا قال ابنُ عباسٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ. ولَنا، قَوْلُه سُبْحانَه:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}. و «أوْ» في الأمْرِ للتَّخْيِيرِ. رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: كلُّ شئٍ «أوْ» فهو مُخَيَّرٌ،
الشرح الكبير على المقنع٨/ ٤٢٣٨/ ٤٢٣
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}. ومِثلُ الصَّيْدَيْن لا يَكُونُ مِثلَ أحَدِهما، ولأنَّه لو قَتَل صَيْدَيْن دُفْعَة واحِدَةً وَجَب جَزاؤهما،
الشرح الكبير على المقنع٨/ ٤٢٦٨/ ٤٢٦
وعنه، لا كَفّارَةَ على المُخْطِئ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوُسٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وداودَ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّدًا}. فيَدُلُّ بمَفْهُومه على أنَّه لا جَزاءَ على الخاطِئَ، ولأنَّ الأصلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، فلا يَشْغَلُها إلَّا بدَلِيل، ولأنَّه محظورٌ بالإحرامِ لا يَفْسُدُ به، فَفُرِّقَ بينَ عَمده وخَطَئِه، كاللُّبْسِ. ووَجْهُ الأُولَى قَوْلُ جابِرٍ رَضِىَ الله عنه: جَعَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الضَّبُعِ يَصِيدُه المُحرِمُ كَبْشًا.
الشرح الكبير على المقنع٨/ ٤٣٨٨/ ٤٣٨
فقالَ: أمّا إذا كان بمَكَّةَ، أو كان مِن الصَّيْدِ، فكلُّه بمَكَّةَ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}. وذَكَر القاضى في قَتْلِ الصَّيْدِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَفدِى حيثُ قَتَلَه، كحَلْقِ الرَّأُسِ. وهذا يُخالِفُ نصَّ الكِتابِ، ومَنْصُوصَ أحمدَ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وما وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ أو فَواتٍ فهو لمساكِينِ الحَرَمِ دُونَ غيرِهم؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَب لتَرْكِ نُسُكٍ، أشْبَهَ دَمَ القِرانِ.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٥٩/ ٥
ويَجُوزُ صَرْفُها إلى المِثْلِ؛ لأنَّ الصَّيْدَ ليس بمِثْلِىٍّ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}. وجَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في الضبع كَبْشًا . وأجْمَعَ الصَّحابَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، على إيجابِ المِثْلِ، فقال عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ: في النَّعامَةِ بَدَنَةٌ. وحَكَم عُمَرُ وعلىٌّ في الظَّبْىِ بِشاةٍ. وحَكَم عُمَرُ في حِمارِ الوَحْشِ ببَقَرَةٍ. حَكَمُوا بذلك في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، والبُلْدانِ المُتَفَرِّقَةِ، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليس على وَجْهِ القِيمَةِ؛
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٥٩/ ٥
وقال مالكٍ: يُسْتَأنَفُ الحُكْمُ فيه؛ لأنَّ الله تعالى قال:{يحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ منكُم}. ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أصْحَابِى كالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» . وقال:«اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنَ مِنْ بَعْدِى، أبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ». ولأنَّهم أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وأبْصَرُ بالعِلْمِ، فكانَ حُكْمُهم حُجَّةً على غيرِهم، كالعالِمِ مع العامِّىِّ، فالذى بَلَغَنا قَضاؤهم فيه النَّعامَةُ. حَكَم فيها عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ، رَضِىَ الله عنهم، بِبَدَنَةٍ. وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأكْثَرُ العُلَماءِ.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ١٣٩/ ١٣
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: فيه قِيمَتُه. إلَّا أنَّ مالكًا وافَقَ في حَمامِ الحَرَمِ دُونَ الإحْرامِ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى القِيمَةَ في كلِّ الطَّيْرِ، تَرَكْناه في حَمامِ الحَرَمِ بحُكْمِ الصَّحابَةِ، ففيما عَداه يَبْقَى على الأصْلِ. قُلْنا: قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في الحَمامِ في حالِ الإحْرامِ، كقَوْلِنا. ولأنَّها حَمامَةٌ مَضْمُونَةٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، فضُمِنَتْ بشاةٍ، كحَمامَةِ الحَرَمِ، ولأنَّها متى كانَتِ الشّاةُ مِثْلًا لها في الحَرَمِ، فكذلك في الحِلِّ، فيَجِبُ ضَمانُها بها؛ لقول اللهِ تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ١٥٩/ ١٥
١٢٣٧ - مسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، ما لم تَقْضِ فيه الصَّحابَةُ، فَيُرْجَعُ فيه إلى قولِ عَدْلَيْن مِن أهْلِ الخِبْرَةِ، ويَجُوزُ أن يَكُونَ القاتِلُ أحَدَهما) وذلك لقولِ اللهِ تعالى:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}. فيَحْكُمان فيه بأشْبَهِ الأشْياءِ به مِن النَّعَمِ، مِن حيثُ الخِلْقَةُ، لا مِن حيثُ القِيمَةُ؛ بدَلِيلِ أنَّ قَضاءَ الصَّحابَةِ لم يَكُنْ بالمِثْلِ في القِيمَةِ. وليس مِن شَرْطِ الحَكَمِ أن يَكُونَ فَقِيهًا؛ لأنَّ ذلك زِيادَةٌ على أمْرِ الله تِعالى به، وقد أمَر عُمَرُ أرْبَدَ أن يَحْكُمَ في الضَّبِّ، ولم يَسْألْ أفَقِيهٌ أمْ لا؟
الشرح الكبير على المقنع٩/ ١٥٩/ ١٥
وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ. حَكاه أبو الحُسَيْنِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه سبحانه:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}. والقَاتِلُ مع غَيْرِه ذَوَا عَدْلٍ مِنّا. وقد روَى الشافعىُّ في «مُسْنَدِه»، عن طارِقِ بنِ شِهابٍ، قال: خَرَجْنا حُجَّاجًا، فأوْطَأ رجلٌ مِنّا -يُقالُ له: أرْبَدُ- ضَبُّا، ففَقَرَ ظَهْرَه، فقَدِمْنا على عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فسَألَه أرْبَدُ، فقالَ: احْكُمْ يا أرْبدُ فيه. قال: أنْتَ خَيْرٌ مِنِّى يا أمِيرَ المُؤْمِنين. قال: إنَّما أمَرْتُك أن تَحْكُمَ، ولم آمُرْك أن تُزَكِّيَنِى.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ١٨٩/ ١٨
وقال مالكٌ: لا يُجْزِئُ إلَاّ كَبِيرٌ صَحِيحٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}. ولا يُجْزِئُ في الهدىِ صَغِيرٌ ولا مَعِيبٌ، ولأنَّها كَفّارَةٌ مُتَعَلِّقَة بقَتْلِ حَيَوانٍ، فلم تَخْتَلِفْ بصِغَرِه وكِبَرِه، كقَتْلِ الآدَمِىِّ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}. ومِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، ومِثْلُ المَعِيبِ مَعِيبٌ، ولأنَّ ما ضُمِنَ باليَدِ والجِنايَةِ اخْتَلَفَ ضَمانُه بالصِّغَرِ والكِبَرِ، كالبَهِيمَةِ. والهدىُ في الآيَةِ مُقَيّدٌ بالمِثْلِ. وقد أجْمَعَ الصَّحابَةُ، رِضْوانُ الله عِليهم، على إيجابِ ما لا يَصْلُحُ هديًا، كالجَفْرَةِ والعَناقِ والجَدىِ.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٢٢٩/ ٢٢
مسألة: (الضَّرْب الثّانِى، ما لا مِثْلَ له؛ وهو سائِر الطيْرِ فيَجب؛ فيه قِيمَته، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، فهل تَجب؛ فيه قِيمَتُه أو شاةَ؟ على وَجْهيْن) يَجب؛ فداء ما لا مِثْلَ له بقِيمَتِه في مَوْضعِه الذى أتْلَفَه فيه، كإتْلافِ مالِ الآدَمِىِّ. ولا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجوبِ ضَمانِ الصيْدِ مِن الطَّيْرِ، إلَاّ ما حكِىَ عن داودَ، ما كان أصغَرَ مِن الحَمامِ لا يضْمَنُ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٢٢٩/ ٢٢
وهذا لا مِثْلَ له. ولَنا، عموم قَوْلِه تعالى:{لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى:{لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ}: يعنِى الفَرخَ والبَيْضَ، وما لا يَقْدِرُ أن يفِر مِن صِغارِ الصَّيْدِ، {وَرِمَاحُكُمْ}: يَغنِى الكِبارَ. وقد رُوِىَ عن عُمَرَ وابنِ عباس، رَضِىَ الله عنهما، أنهُما. حَكَما في الجَرادِ بجَزاءٍ . ودَلالَةُ الآيَةِ على وُجُوبِ جَزاءِ غيرِه لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ الجَزاءِ في هذا بدَلِيل آخرَ، ويُفْدَى بقِيمَتِه؛ لأنَّ الأصلَ أن يُضْمَنَ بقِيمَتِه، كا لو أتْلَفَه لآدَمىٍّ ، لكنْ تَرَكْنا هذا الأصلَ لدَلِيل، ففيما عَداه تَجِبُ القِيمَةُ بقَضِيَّةِ الأصْلِ.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٣٢٩/ ٣٢
مسألة: (وكُلَّما قَتَل صَيْدًا حُكِمَ عليه) يَعْنِي يَجِبُ الجَزاءُ بقَتْلِ الصَّيْدِ الثّانِي، كما يَجِبُ إذا قَتَلَه ابْتِداءً. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. قال أبو بَكْرٍ: وهذا أوْلَى القَوْلَيْن بأبِي عبدِ اللهِ. وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وابنُ المُنْذِرِ. وفيه رِوايَةٌ ثانِيَة، أنَّه لا يَجِبُ إلَّا في المَرَّةِ الأُولَى. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وبه قال شُرَيْحٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ}.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٣٣٩/ ٣٣
وإن أهْدَى أحَدُهما أو أطْعَمَ، وصام الآخَرُ، فعلى المُهْدِى بحِصَّتِه، وعلى الآخَرِ صِيامٌ تامٌّ؛ لأنَّ الجَزاءَ ليس بكَفّارَةٍ، وإنَّما هو بَدَلٌ، بدَلِيلِ أنَّ الله تعالى عَطَف عليه الكَفّارَةَ، فقال:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ. . . . أَوْ كَفَّارَةٌ}. والصومُ كَفّارَةٌ، فيُكْمَلُ، ككَفّارَةِ قَتْلِ الآدَمِىِّ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}. والجَماعَةُ إنَّما قَتَلُوا صَيْدًا، فلَزِمَهم مِثْلُه، والزائِدُ خارِجٌ عن المِثْلِ، فلا يَجِبُ.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٣٣٩/ ٣٣
ومتى ثَبَت اتِّحادُ الجَزاءِ في الهَدْىِ، وَجَب اتِّحادُه في الصيامِ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}. والاتِّفاقِ حاصِلٌ على أنَّه مَعْدُولٌ بالقِيمَةِ؛
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٣٣٩/ ٣٣
قال القاضى: وإذا قُلْنا: على القارِنِ طَوافان. لَزِمَه جَزَاءان. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}.
الشرح الكبير على المقنع٩/ ٢١١٩/ ٢١١
وقال مالكٌ: لا يَحِلُّ له النِّساءُ، ولا الطِّيبُ، ولا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لقَوْلِه سبحانه:{لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. وهذا حَرامٌ. وقد ذَكَرْنا ما يَرُدُّ هذا القولَ، ويَمْنَعُ أنَّه مُحْرِمٌ، وإنَّما بَقِىَ بعضُ أحكامِ الإِحْرامِ. ١٣٠٦ -
الشرح الكبير على المقنع٢٢/ ٤٦٢٢٢/ ٤٦٢
وإن جعلَ لهذا جَزاءً، فقال: إن دخَلْتِ الدَّارَ وأنتِ طالقٌ فعبْدِي حُرٌّ. صَحَّ، ولم يَعْتِقِ العبدُ حتى تدْخُلَ الدَّارَ وهي طالقٌ؛ لأنَّ الواوَ ههُنا للحالِ، كقولِ اللهِ تعالى:{لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}.
الشرح الكبير على المقنع٢٧/ ٢٠٦٢٧/ ٢٠٦
وفي الحديثِ:«الحَيَّةُ» مكانَ: «الْفَأْرَةُ». ولو كانت مِن الصَّيدِ المُباحِ، لم يُبَحْ قَتْلُها؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١١٠٢/ ١١٠
أما كون قتل صيد البر من محظورات الإحرام؛ فلقوله تعالى:{يا أيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١١٠٢/ ١١٠
وأما وجوب الجزاء على من أتلف ذلك؛ فلقوله تعالى:{ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم}.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٢٩٢/ ١٢٩
فقال سبحانه وتعالى: {ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما}.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٤١٢/ ١٤١
وأما وجوب جزاء واحد وإن تعدد القتل على الرواية الثانية فلأن الله سبحانه قال:{ومن عاد فينتقم الله منه} ولم يوجب جزاء ثانياً.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٤٢٢/ ١٤٢
وأما عدم وجوب الكفارة فيما إذا قتل صيداً مخطئاً على روايةٍ فلأن الله سبحانه وتعالى قال:{ومن قتله منكم متعمداً} شرط التعمد فدل على أنه لا جزاء في الخطأ.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٤٥٢/ ١٤٥
أما كون الهدي والإطعام غير ما استثني لمساكين الحرم فلقوله سبحانه:{هدياً بالغ الكعبة}، وقوله:{ثم محلها إلى البيت العتيق}.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٤٧٢/ ١٤٧
باب جزاء الصيد] جزاء الصيد واجب لقوله سبحانه وتعالى:{ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم}.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٤٧٢/ ١٤٧
أما وجوب المثل فيما له مثل؛ فلقوله تعالى:{فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم}.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٥٠٢/ ١٥٠
أما الرجوع فيما لم تقض الصحابة فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة فلقوله تعالى:{يحكم به ذوا عدل منكم}، والمراد منهما أن يحكما فيه بأشبه الأشياء به من النَّعَم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قضوا بالمثل لا بالقيمة.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٥٠٢/ ١٥٠
وأما جواز كون القاتل أحدهما فلأن الله تعالى قال:{ذوا عدل منكم} والقاتل من عُدولنا.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٥١٢/ ١٥١
والصحيح في الصحيح والمعيب في المعيب فلأن الله تعالى قال:{فجزاء مثل ما قتل من النعم} ومَثَل الكبير كبير، والصغير صغير،
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٥١٢/ ١٥١
والثاني: يجب مثلها قاله أبو الخطاب لقوله: {فجزاء مثل ما قتل من النعم}.
الممتع في شرح المقنع٢/ ١٥٦٢/ ١٥٦
وأما إذا اشترك جماعة في قتل صيد ففيه ثلاث روايات: إحداها: يجب عليهم كلهم جزاء واحد لأن الله تعالى قال: {فجزاء مثل ما قتل من النعم}
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٣٦٣/ ١٣٦
(السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ) إِجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (وَاصْطِيَادُهُ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (وَهُوَ) أَيِ: الصَّيْدُ الْمُحَرَّمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ (مَا كَانَ وَحْشِيًّا) ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ لَا يَحْرُمُ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالْخَيْلِ وَالدَّجَاجِ إِجْمَاعًا، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلُ،
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٣٧٣/ ١٣٧
فِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا أَتْلَفَهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٥٨٣/ ١٥٨
فَإِنْ تَعَذَّرَ صَامَ (إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ فَيُخَيَّرُ) جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ يَتَعَلَّقُ بِمَحْظُورٍ يَخْتَصُّ الْإِحْرَامَ كَدَمٍ يَجِبُ بِتَرْكِ رَمْيٍ، وَمُجَاوَزَةِ مِيقَاتٍ. (الثَّانِي جَزَاءُ الصَّيْدِ يُخَيَّرُ فِيهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} فَعَطَفَ هَذِهِ الْخِصَالَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِـ " أَوْ " الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْيِيرِ كَفِدْيَةِ الْأَذَى وَالْيَمِينِ،
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٦٨٣/ ١٦٨
وَعَنْهُ: عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} وَلَمْ يُوجِبْ جَزَاءً ثَانِيًا، وَلِأَنَّهُ مَحْظُورٌ أَشْبَهَ غَيْرَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا تَتَعَدَّدُ إِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الْأَوَّلِ، وَنَقَلَ أَيْضًا: إِنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ ثَانِيًا فَلَا جَزَاءَ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ،
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٧٢٣/ ١٧٢
(وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْحَرَمِ أَوِ الْإِحْرَامِ (فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَقَوْلِهِ {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٧٣٣/ ١٧٣
لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فَجَزَاءٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ،
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٧٣٣/ ١٧٣
وَمَنْ نَوَّنَ " جَزَاءٌ " - وَقُرِئَ بِهِ فِي السَّبْعَةِ - فَـ " مِثْلُ " صِفَةٌ، " و {مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] " صِفَةٌ أُخْرَى لَهُ،
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٧٣٣/ ١٧٣
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ " {مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] " بِقَوْلِهِ " فَجَزَاءٌ " إِنْ نَصَبْتَ " مِثْلًا " لِعَمَلِهِ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ صِلَتِهِ
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٧٣٣/ ١٧٣
وَيَجُوزُ جَعْلُهُ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ " قَتَلَ "؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ يَكُونُ مِنَ النَّعَمِ، " و {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: ٩٥] " صِفَةٌ لِجَزَاءٍ إِذَا نَوَّنْتَهُ،
المبدع في شرح المقنع٣/ ١٧٧٣/ ١٧٧
(فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
(السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ بَرٍّ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}
(وَ) النَّوْعُ الثَّانِي (مِنْ) نَوْعَيْ (التَّخْيِيرِ: جَزَاءُ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ فِيهِ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ (بَيْنَ) : ذَبْحِ (مِثْلِ) الصَّيْدِ مِنْ النَّعَمِ، وَإِعْطَائِهِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، فَلَا يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا. (أَوْ: تَقْوِيمِهِ) ، أَيْ: الْمِثْلِ، (بِمَحَلٍّ تَلَفِ) الصَّيْدِ (وَبِقُرْبِهِ) ، أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ (بِدَرَاهِمَ) مَثَلًا (يَشْتَرِي بِهَا) ، أَيْ: الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ قِيمَةُ الْمِثْلِ (طَعَامًا، إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ؛ أَخْرَجَ مِنْهُ (مَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ) كَوَاجِبٍ فِي فِدْيَةِ أَذًى وَكَفَّارَةٍ، (فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ، (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} ،
(وَ) إنْ فَعَلَ مَحْظُورًا (مِنْ أَجْنَاسٍ؛ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ جِنْسٍ فِدَاءٌ) ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، اتَّحَدَتْ فِدْيَتُهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ، لِأَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ مُوجِبُهَا، كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ. (وَ) تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَاتُ (فِي الصُّيُودِ، وَلَوْ قُتِلَتْ مَعًا) ، فَيَجِبُ كَفَّارَاتٌ (بِعَدَدِهَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ،
وَقَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي. (يَلْزَمُ ذَبْحُهُ) ، أَيْ: الْهَدْيِ، (بِالْحَرَمِ وَجَوَانِبِهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ، (كَهُوَ) قَالَ أَحْمَدُ: مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ:" مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ".
(وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (ضَرْبَانِ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مَا) ، أَيْ: ضَرْبٌ (لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ) خِلْقَةً لَا قِيمَةً (فَيَجِبُ فِيهِ) ذَلِكَ (الْمِثْلُ) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} (وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ، (نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ)
(الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ) الصَّحَابَةُ، وَلَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ، (فَيُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، (خَبِيرَيْنِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إلَّا بِهِمَا، فَيَعْتَبِرَانِ الشَّبَهَ خِلْقَةً لَا قِيمَةً، كَفِعْلِ الصَّحَابَةِ،
(وَيُضْمَنُ صَغِيرٌ) بِمِثْلِهِ، (وَكَبِيرٌ) بِمِثْلِهِ، (وَصَحِيحٌ) بِمِثْلِهِ، (وَمَعِيبٌ) بِمِثْلِهِ، (وَمَاخِضٌ، وَهِيَ: الْحَامِلُ) مِنْ صَيْدٍ (بِمِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} .
وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَمِثْلُ الْمَعِيبِ مَعِيبٌ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ، وَالْجِنَايَةِ، يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْعَيْبِ وَغَيْرِهِمَا، كَالْبَهِيمَةِ، وقَوْله تَعَالَى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} ؛ مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إيجَابِ مَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا كَالْجَفَرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ،
وَإِنْ صَرَّحَ بِالْجَزَاءِ فَقَالَ إنْ قُمْتِ وَأَنْتِ طَالِقٌ فَعَبْدِي حُرٌّ؛ لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُهُ حَتَّى تَقُومَ وَهِيَ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ هُنَا لِلْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}{لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}
(السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (وَاصْطِيَادُهُ) أَيْ صَيْدُ الْبَرِّ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}
(وَ) عَلَيْهِ (فِي الصُّيُودِ وَلَوْ قُتِلَتْ مَعًا جَزَاءٌ بِعَدَدِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} وَمِثْلُ الْمُتَعَدِّدِ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَحَدِهَا
وَقَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي (يَلْزَمُ ذَبْحُهُ) أَيْ الْهَدْيِ (فِي الْحَرَمِ) قَالَ أَحْمَدُ: مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ لِأَنَّهُ كُلُّهُ طَرِيقٌ إلَيْهَا وَالْفَجُّ الطَّرِيقُ (وَ) يَلْزَمُ (تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ) أَيْ الْهَدْيِ الْمَذْكُورِ لِمَسَاكِينِهِ (أَوْ إطْلَاقُهُ لِمَسَاكِينِهِ) أَيْ الْحَرَمِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَبْحِهِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ،
(وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ (ضَرْبَانِ مَا) أَيْ ضَرْبٌ (لَهُ مِثْلٌ) أَيْ شَبِيهٌ (مِنْ النَّعَمِ) خِلْقَةً لَا قِيمَةً (فَيَجِبُ فِيهِ) ذَلِكَ الْمِثْلُ (نَصًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} وَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا (وَهُوَ) أَيْ الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ (نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ) فَيَجِبُ فِيهِ مَا قَضَتْ بِهِ نَصًّا لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ، وَقَوْلُهُمْ أَقْرَبُ لِلصَّوَابِ.
وَفِي الْخَبَرِ «اقْتَدُوا بِاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَفِيهِ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وقَوْله تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} لَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ: لَا تَضْرِبْ زَيْدًا وَمَنْ ضَرَبَهُ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، لَا يَتَكَرَّرُ الدِّينَارُ بِضَرْبٍ وَاحِدٍ
(النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ (وَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (خَبِيرَيْنِ) لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِهِمَا فَيَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ لَا الْقِيمَةُ كَقَضَاءِ الصَّحَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَقِيهًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ
(وَيُضْمَنُ صَغِيرٌ) بِمِثْلِهِ (وَكَبِيرٌ) بِمِثْلِهِ (وَصَحِيحٌ) بِمِثْلِهِ (وَمَعِيبٌ بِمِثْلِهِ (وَمَاخِضٌ) أَيْ حَامِلٌ مِنْ صَيْدٍ (بِمِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ وَمِثْلُ الْمَعِيبِ مَعِيبٌ وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْعَيْبِ وَغَيْرِهِمَا كَالْبَهِيمَةِ وقَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إيجَابِ مَا لَا يَصْلُحُ هَدْيًا، كَالْجَفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ وَإِنْ فُدِيَ الصَّغِيرُ أَوْ الْمَعِيبُ بِكَبِيرٍ صَحِيحٍ كَانَ أَفْضَلَ
(وَكُلَّمَا قَتَلَ) مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ (صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} وَعُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ حَكَمُوا فِي الْخَطَإِ وَفِيمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ هَلْ كَانَ قَتْلٌ أَوْ لَا؟ وَذَكَرَ فِي الْعُقُوبَةِ قَوْلَهُ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ
شرح منتهى الإرادات٣/ ١١٦٣/ ١١٦
كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} .
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ١٢٣٣/ ١٢٣
قال: ولا يقتل الصيد ولا يصيده. ش: هذا إجماع والحمد لله [وقد شهد له] قَوْله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] وقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة: ٩٦] . والله أعلم.
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٣٥٣/ ٣٣٥
قال: ومن قتل، وهو محرم، من صيد البر عامدا أو مخطئا، فداه بنظيره من النعم، إن كان المقتول دابة. ش: وجوب الجزاء بقتل صيد البر على المحرم إجماع في الجملة، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] ، الآية.
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٣٥٣/ ٣٣٥
(والثانية) يختص الضمان بالعمد، لظاهر قوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] ، ودليل خطابه أن غير المعتمد لا جزاء عليه، وأجيب بأن الآية نزلت في المتعمد، بدليل: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: ٩٥] ، وما نزل على سبب لا مفهوم له اتفافا، انتهى. والجزاء هو فداء الصيد بنظيره من النعم إن كان المقتول دابة،
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٣٥٣/ ٣٣٥
لقوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] ، وهذا على قراءة من نون (جزاء) ورفع (مثل) واضح، إذ التقدير: فعليه جزاء مثل الذي قتل من النعم، أي: صفته مثل ما قتل، ف (مثل) هي نعت للجزاء.
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٣٥٣/ ٣٣٥
فقال: لا. فقال: هل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا. فقال: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا، ثم قال: إن الله عز وجل يقول في كتابه: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: ٩٥] وهذا عبد الرحمن بن عوف. رواه مالك في الموطأ.
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٤٧٣/ ٣٤٧
١٨٠٤ - ويحكى هذا عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولا عمل عليه. إذا تقرر هذا فمن أراد إخراج النظير لزمه ذبحه، لأن الله سماه هديا، والهدي يجب ذبحه، والتصدق به على مساكين الحرم، لأن الله سبحانه قال: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: ٩٥] ، ولا يختص ذبحه بأيام النحر، بل بالحرم،
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٥٠٣/ ٣٥٠
تمسكا بظاهر قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: ٩٥] . [ويجاب] بأن الانتقام لأجل المخالفة، وانتهاك محارم الرب سبحانه، وذلك لا يمنع وجوب البدل،
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٥٠٣/ ٣٥٠
ويرشح هذا أن قوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} [المائدة: ٩٥] ، أي والله أعلم قاصدا للفعل، غير عالم بالتحريم، وهذا هو الخاطئ،
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٥٠٣/ ٣٥٠
ثم قوله بعد: {وَمَنْ عَادَ} [المائدة: ٩٥] ، أي: إلى القتل، بعد أن علم النهي،
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٥١٣/ ٣٥١
لظاهر قوله سبحانه: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] ، أي: فالواجب مثل [ما قتل] من النعم. أو: فعلى القاتل مثله. وهذا يشمل الواحد والجماعة، ويمنع من إيجاب زائد على ذلك، ولأنه بدل متلف، فلم يجب فيه إلا جزاء واحد، كبدل مال الآدمي.
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/ ٣٧١٣/ ٣٧١
وكذلك جزاء الصيد، على المذهب بلا ريب، لقوله سبحانه: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: ٩٥] .
شرح الزركشي على مختصر الخرقي٦/ ٦٠٠٦/ ٦٠٠
كتاب الصيد والذبائح] ش: الصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيدا فهو صائد، ثم أطلق على المصيد، تسمية للمفعول بالمصدر، قال الله تعالى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: ٩٥] . والصيد: قال ابن أبي الفتح: ما كان ممتنعا حلالا لا مالك له. والأجود قول بعضهم: ما كان متوحشا طبعا، غير مقدور عليه، مأكولا بنوعه.