فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٍۢ ٢٨
التفسير
فلما رآهم لا يأكلون أحسَّ في نفسه خوفًا منهم، قالوا له: لا تَخَفْ إنا رسل الله، وبشروه بأن زوجته "سَارَةَ" ستلد له ولدًا، سيكون من أهل العلم بالله وبدينه، وهو إسحاق عليه السلام.
هذه القصة قد تقدمت في سورة "هود" و "الحجر" أيضا. وقوله: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) أي: الذين أرصد لهم الكرامة. وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل.
وقوله: (قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ) : الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرده أفضل من التسليم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ، فالخليل اختار الأفضل.
وقوله: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) : وذلك أن الملائكة وهم: جبريل وإسرافيل وميكائيل قدموا عليه في صور شبان حسان عليهم مهابة عظيمة؛ ولهذا قال: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) . ابن كثير ٨/ ٤٢٠ابن كثير ٨/ ٤٢٠
وقوله: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) أي: انسل خفية في سرعة، (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) أي: من خيار ماله. وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] أي: مشوي على الرَّضف، (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) أي: أدناه منهم، (قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ) : تلطف في العبارة وعرض حسن.
وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة؛ فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال: "نأتيكم بطعام؟ " بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم، لم يضعه، وقال: اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: (أَلا تَأْكُلُونَ) على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل .
وقوله: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) : هذا محال على ما تقدم في القصة في السورة الأخرى، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧٠، ٧١] أي: استبشرت بهلاكهم؛ لتمردهم وعتوهم على الله، فعند ذلك بشرتها الملائكة (بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) . ﴿ (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) ﴾ [هود ٧٢، ٧٣] ؛ ولهذا قال هاهنا: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) ، فالبشارة له هي بشارة لها؛ لأن الولد منهما، فكل منهما بشر به.
وقوله: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) أي: في صرخة عظيمة ورنة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم والثوري والسدي وهي قولها: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) أي: ضربت بيدها على جبينها، قاله مجاهد وابن سابط.
وقال ابن عباس: لطمت، أي تعجبا كما تتعجب النساء من الأمر الغريب، (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) أي: كيف ألد وأنا عجوز [عقيم] ، وقد كنتُ في حال الصبا عقيما لا أحبل؟.
(قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) أي: عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله. ابن كثير ٨/ ٤٢١ابن كثير ٨/ ٤٢١
لا كتاب مختار.