وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ١
لها في الأقسام:الدلائل
التفسير
أقسم الله تعالى بالنجوم إذا غابت، ما حاد محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الهداية والحق، وما خرج عن الرشاد، بل هو في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، وليس نطقه صادرًا عن هوى نفسه. ما القرآن وما السنة إلا وحي من الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
١ - قوله عز وجل: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى }
قال ابن عباس - رضي الله عنهما- في رواية الوالبي والعوفي ومجاهد برواية ابن أبي إنجيح) يعني: والثريا إذا سقطت وغابت ، والعرب تسمي الثريا نجمًا وإن كان في العدد نجومًا .
قال أبو بكر محمد بن (الحسن) بن دريد: وهي سبعة أنجم، ستة منها ظاهرة وواحد منها خفي يمتحن الناس به أبصارهم ومنه قول العرب: الثعلبي ٢٥/ ٦٧الثعلبي ٢٥/ ٦٧
إذا طلع النجم عشاء ... فابتغ للراعي كساء
وهي مذكورة في كلامهم كثيرًا.
قال ذو الرمة في قصيدة له:
وردتُ اعتِسافًا والثرَّيا كأنَّها ... على قِمَّةِ الرأسِ ابنُ ماءٍ محقق
وقال امرؤ القيس:
كأن الثُّريَّا عُلِّقَتْ في مَصَامِها ... بِأمْرَاصِ كَتَّان إلى صُمِّ جَنْدلِ
وقال آخر:
كأن الثريا هودج فوق ناقة ... يحث به حاد من الليل مزعج وقد زهرت حتى كأن نجومها ... قوارير فيها زئبق يترجج الثعلبي ٢٥/ ٦٨الثعلبي ٢٥/ ٦٨
وعن مجاهد: هي الثريا إذا سقطت مع الفجر، فأقسم الله تعالى بها لكثرة ما ذكرت في كلامهم) .
وقال أيضًا: يعني نجوم السماء كلها حين تغرب يعني أنَّ لفظه واحد ومعناه جمع ، كقول الراعي:
فباتَتْ تَعُدّ النجمَ في مُسْتَحيرةٍ ... سَرِيعٌ بِأيْدي الآكلينَ جمُودُها
وسمي الكوكب نجمًا لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجمَ السِنُّ والقرنُ والنبتُ إذا طلعت . الثعلبي ٢٥/ ٦٩الثعلبي ٢٥/ ٦٩
وروى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه الرجوم من النجوم، يعني: ما يرمى به الشياطين عند استراقهم السمعَ .
وقال الضحاك: هو النجم من نجوم القرآن، إذا نزل وكان ينزل نجومًا آية، وآيتان، وثلاث آيات، وأربع، وعشر، وسورة، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة ورواه الأعمش عن مجاهد وحيَّان عن الكلبي نظيره {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } والعرب تسمي التفريق متنجمًا والمفرق نجومًا، ومنه نجوم الدين ونجوم الكتابة .
[٢٨٨٤] وأخبرني ابن فنجويه ، قال: حدثنا محمد بن خلف ، قال: حدثنا إسحاق بن محمد ، قال: حدثنا أبي ، قال: حدثنا إبراهيم بن عيسى ، قال: حدثنا علي بن علي ، قال: حدثني أبو حمزة الثمالي ، {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى } قال: يقال: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة . وقيل: {وَالنَّجْمِ} هو هو النبت. الثعلبي ٢٥/ ٧٠الثعلبي ٢٥/ ٧٠
{إذا هوى} إذا خرَّ ساجدًا لله تعالى وقال الأخفش: هو النبت ومنه قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } .
وقيل: هوية سقوطه على الأرض؛ لأنه مما ليس له ساق. الثعلبي ٢٥/ ٧١الثعلبي ٢٥/ ٧١
وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين - رضي الله عنهم -: {وَالنَّجْمُ}
يعني: محمدًا - صلى الله عليه وسلم - {إِذَا هَوَى} إذا نزل من السماء ليلة المعراج .
والهُويُّ النزول والسقوط، يقال: هوى يهوي هويًا، مثل مضى يمضي مضيًا، قال زهير:
فشجَّ بِها الأماعِزَ وهي تهوي ... هوِيَّ الدَّلوِ أسْلَمَها الرِّشاءُ
وقال آخر :
بينما نَحْنُ بالبلاكِثِ فالقاعِ ... سِراعًا والعِيس يهوي هُوِيَّا
خَطَرتْ خَطْرَةٌ على القلب مِن ... ذِكراك وَهْنًا فما استطعتُ مُضيا وروى عروة بن الزبير عن رجال من أهل بيته قالوا: كانت رُقية بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - عند عتبة بن أبي لهب -لعنهما الله-، فأراد الخروج إلى الشام، فقال: لآتين محمدًا ولأوذينَّه في ربه. فأتاه فقال: يا محمد، أنا كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلي. ثم تفل في وجهه، ورد عليه ابنته وطلقها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهمَّ سلِّط عليه كلبًا من كلابك" . قال: وكان أبو طالب حاضرًا، فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذِه الدعوة. فرجع عتبة -لعنه الله- إلى أبيه فأخبره بذلك، ثم خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلًا فأشرف عليهم راهب من الدير، فقال لهم: هذِه أرض سبعة. فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا يا معشر قريش هذِه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعتبة في أعلاها، وناموا حوله، فجاء الأسد فجعل يتشمَّم في وجوههم ثم ثنى ذنبه ووثب فضرب عتبة بيده ضربة واحدة فخدشه، فقال: قتلني. ومات مكانه ، فقال حسان بن ثابت - رضي الله عنه - في ذلك: الثعلبي ٢٥/ ٧٢الثعلبي ٢٥/ ٧٢
سائلْ بني الأشعر إن جئتهم ... ما كان أنباءُ بني وَاسعِ
لا وسع الله له قَبْره ... بل ضيَّق الله على القاطع
رمى رسول الله من بينهم ... دون قريش رمية القارع
فاستوجب الدعوة منه بما ... بيَّن للناظر والسامع
أن سلط الله به كلبه ... يمشي الهُوينا مشية الخادع حتى أتاه وسط أصحابه ... وقد علتهم سِنة الهاجع الثعلبي ٢٥/ ٧٤الثعلبي ٢٥/ ٧٤
فالتقم الرأسَ بيافوخه ... والنحر منه فغره الجامع
ثم علا بعدُ بأنيابه ... مُنْعقرًا وسْط دمٍ ناقِعِ
قد كان هذا لكم عبرة ... للسيد المتبوع والتابع
من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع الثعلبي ٢٥/ ٧٥الثعلبي ٢٥/ ٧٥
قال الشعبي وغيره: الخالق يُقسِم بما شاء من خَلْقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق. رواه ابن أبي حاتم.
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) فقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: يعني بالنجم: الثُّريَّا إذا سقطت مع الفجر. وكذا رُوي عن ابن عباس، وسفيان الثوري. واختاره ابن جرير. وزعم السدي أنها الزهرة.
وقال الضحاك: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) إذا رُمي به الشياطين. وهذا القول له اتجاه.
وروى الأعمش، عن مجاهد في قوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) يعني: القرآن إذا نزل. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠] .
وقوله: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه بار راشد تابع للحق، ليس بضال، وهو: الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله [ سبحانه وتعالى ] رسوله وشَرْعَه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو صلوات الله وسلامه عليه، وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) أي: ما يقول قولا عن هوى وغرض، (إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) أي: إنما يقول ما أمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان، كما رواه الإمام أحمد. ابن كثير ٨/ ٤٤٢ابن كثير ٨/ ٤٤٢
حدثنا يزيد، حدثنا حَرِيز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن مَيْسَرَة، عن أبي أمامة؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحيين - أو: مثل أحد الحيين-: رَبِيعة ومُضَر" . فقال رجل: يا رسول الله، أو ما ربيعة من مضر؟ قال: "إنما أقول ما أقول" .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عُبَيد الله بن الأخنس، أخبرنا الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن مَاهَك، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله ﷺ بشر، يتكلم في الغضب. فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق" .
ورواه أبو داود عن مُسَدَّد وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد القَطَّان، به .
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن ابن عَجْلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ قال: "ما أخبرتكم أنه الذي من عند الله، فهو الذي لا شَكّ فيه" . ثم قال: لا نعلمه يُروَى إلا بهذا الإسناد .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن محمد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أقول إلا حقا" . قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: "إني لا أقول إلا حقا" . ابن كثير ٨/ ٤٤٣ابن كثير ٨/ ٤٤٣
لا كتاب مختار.