الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٤/ ٢٥٤
النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطنابوَمِنْ وُقُوعِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ جُمْلَةٍ {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} فَقَوْلُهُ {نِسَاؤُكُمْ} مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: {فَأْتُوهُنَّ} لِأَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ لِلْحَثِّ عَلَى الطَّهَارَةِ وَتَجَنُّبِ الأدبار وقوله: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَقِيلَ بُعْداً} فِيهِ اعْتِرَاضٌ بِثَلَاثِ جُمَلٍ وَهِيَ: {وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} قَالَ فِي الْأَقْصَى الْقَرِيبِ وَنُكْتَتُهُ إِفَادَةُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ وَاقِعٌ بَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ أَتَى بِهِ آخِرًا لَكَانَ الظَّاهِرُ تَأَخُّرَهُ فَبِتَوَسُّطِهِ ظَهَرَ كَوْنُهُ غَيْرَ مُتَأَخِّرٍ ثُمَّ فِيهِ اعتراض في اعْتِرَاضٌ فَإِنَّ "وَقُضِيَ الْأَمْرُ" مُعْتَرِضٌ بَيْنَ "وَغِيضَ" وَ "وَاسْتَوَتْ" لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ يَحْصُلُ عَقِبَ الْغَيْضِ وَقَوْلُهُ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} إِلَى قَوْلِهِ: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ} فِيهِ اعْتِرَاضٌ بِسَبْعِ جُمَلٍ إِذَا أُعْرِبَ حَالًا مِنْهُ
الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٤/ ٣١٢
النوع الثامن والخمسون: في بدائع القرآنوَمِنْهَا تَجْنِيسُ الْإِطْلَاقِ: بِأَنْ يَجْتَمِعَا فِي الْمُشَابَهَةِ فَقَطْ كَقَوْلِهِ: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي} {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ} {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ
أَرَضِيتُمْ} {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الأِنْسَانِ أَعْرَضَ} إِلَى قَوْلِهِ: {فذودعاء عريض}
الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٥/ ٢٥
النوع الرابع والستون: في إعجاز القرآنثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا وهو إنا نَعْلَمُ أَنَّ السَّحَرَةَ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ لِسَانٍ فَنَذْهَبُ بِهِمْ هَذَا الْمَذْهَبَ مِنْ صَنْعَةِ الْكَلَامِ وَأَجَابَ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ حِكَايَةً عَنْ غَيْرِ أَهْلِ اللِّسَانِ مِنَ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ إِنَّمَا هُوَ مُعْرِبٌ عَنْ مَعَانِيهِمْ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةِ أَلْفَاظِهِمْ وَلِهَذَا لَا يُشَكُّ فِي أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} أَنَّ هَذِهِ الْفَصَاحَةَ لَمْ تَجْرِ عَلَى لُغَةِ الْعَجَمِ. الثَّامِنُ: قَالَ الْبَارِزِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ أَنْوَارُ التَّحْصِيلِ فِي أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ قَدْ يُخْبَرُ عَنْهُ بِأَلْفَاظٍ بَعْضُهَا أَحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ وَكَذَلِكَ كَلُّ وَاحِدٍ مِنْ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَفْصَحِ مَا يُلَائِمُ الْجُزْءَ الْآخَرَ وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِحْضَارِ مَعَانِي الْجُمَلِ أَوِ اسْتِحْضَارِ جَمِيعِ مَا يُلَائِمُهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ ثُمَّ اسْتِعْمَالِ أَنْسَبِهَا وَأَفْصَحِهَا وَاسْتِحْضَارُ هَذَا مُتَعَذِّرٌ عَلَى الْبَشَرِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَذَلِكَ عَتِيدٌ حَاصِلٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ كَانَ الْقُرْآنُ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ وَأَفْصَحَهُ وَإِنْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْفَصِيحِ وَالْأَفْصَحِ وَالْمَلِيحِ وَالْأَمْلَحِ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} لَوْ قَالَ مَكَانَهُ: "وَثَمَرُ الْجَنَّتَيْنِ قَرِيبٌ" ؛ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ مِنْ جِهَةِ الْجِنَاسِ بَيْنَ الْجَنَى وَالْجَنَّتَيْنِ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الثَّمَرَ لَا يُشْعِرُ بِمَصِيرِهِ إِلَى حَالٍ يُجْنَى فِيهَا وَمِنْ جِهَةِ مُؤَاخَاةِ الْفَوَاصِلِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} أَحْسَنُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِ "تَقْرَأُ" لِثِقْلِهِ بِالْهَمْزَةِ وَمِنْهَا {لَا رَيْبَ فِيهِ} أحسن من "لاشك فِيهِ"