القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًۭا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًۭا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌۭ ٢

سورة المجادلة، الآية ٢مدنية
في سورتها

التفسير

المختارةأحكام القرآنالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

الذين يُظاهرون منكم من نسائهم، فيقول الرجل منهم لزوجته: «أنت عليَّ كظهر أمي» -أي في حرمة النكاح- قد عصوا الله وخالفوا الشرع، ونساؤهم لَسْنَ في الحقيقة أمهاتهم، إنما هن زوجاتهم، ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. وإن هؤلاء المظاهِرين ليقولون قولا كاذبًا فظيعًا لا تُعرف صحته. وإن الله لعفو غفور عمَّن صدر منه بعض المخالفات، فتداركها بالتوبة النصوح.

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌعلى الآيات ٢ إلى ٤ابن كثير ٩/ ٣٥ابن كثير ٩/ ٣٥

قال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب قالا حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني مَعْمَر بن عبد الله بن حنظلة، عن ابن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت ثعلبة قالت: فيَّ-والله-وفي أوس بن الصامت أنزل الله صَدْرَ سورة "المجادلة" ، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه، قالت: فدخل عليَّ يومًا فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني عن نفسي. قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة بيده، لا تخلص إليَّ وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه. قالت: فواثبني وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجتُ إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثيابًا، ثم خرجتُ حتى جئت رسول الله ﷺ ، فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "يا خويلة ابنُ عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه" . قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيَّ القرآن، فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يتغشاه، ثم سُرِّيَ عنه، فقال لي: "يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك" . ثم قرأ عليَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قالت: فقال لي رسول الله ﷺ : "مُريه فليعتق رقبة" . قالت: فقلت يا رسول الله، ما عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متتابعين" . قالت: فقلت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تَمر" . قالت: فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر" . قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر، قال: "فقد أصبت وأحسَنْت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا" . قالت: ففعلت. ابن كثير ٩/ ٣٥ابن كثير ٩/ ٣٥

ورواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين، عن محمد بن إسحاق بن يسار، به وعنده: خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة. وقد تصغر فيقال: خُوَيلة. ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب. والله أعلم.

هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سَلَمة بن صَخْر فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام، أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سُلَيمان بن يَسَار، عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنتُ امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظهَّرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقًا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينا هي تخدمني من الليل إذ تكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحتُ غدوتُ على قومي فأخبرتهم خبري وقلت: انطلقوا معي إلى النبي ﷺ -فأخبره بأمري. فقالوا: لا والله لا نفعل؛ نتخوف أن ينزل فينا -أو يقول فينا رسول الله ﷺ -مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجتُ حتى أتيتُ النبي ﷺ ، فأخبرته خبري. فقال لي: "أنت بذاك" . فقلت: أنا بذاك. فقال "أنت بذاك" . فقلت: أنا بذاك. قال "أنت بذاك" . قلت: نعم، ها أناذا فأمض فيّ حكم الله تعالى فإني صابر له. قال: "أعتق رقبة" . قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: "فصم شهرين" . قلت: يا رسول الله، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: "فتصدق" . فقلت: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا ليلتنا هذه وَحْشَى ما لنا عشاء. قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زُريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقًا من تمر ستين مسكينًا، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك" . قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيقَ وسوءَ الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السَّعَة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إليَّ. فدفعوها إليَّ. ابن كثير ٩/ ٣٦ابن كثير ٩/ ٣٦

وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجة، واختصره الترمذي وحَسَّنه

وظاهر السياق: أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن الصامت وزوجته خُويَلة بنت ثعلبة، كما دلّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل.

قال خَصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت، وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، فلما ظاهر منها خَشِيت أن يكون ذلك طلاقًا، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أوسًا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نَثَرتُ بطني منه، وقَدمتْ صُحْبَتَهُ. وهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء. فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فدعاه رسول الله ﷺ فقال: "أتقدر على رقبة تعتقها؟ " . قال: لا والله يا رسول الله ما أقدر عليها؟ قال: فجمع له رسول الله ﷺ ، حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله رواه بن جرير

ولهذا ذهب ابنُ عباس والأكثرون إلى ما قلناه، والله أعلم.

فقوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ) أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت عليَّ كَظَهْرِ أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد من السلف.

قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليَّ كظهر أمي، حُرِّمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، وكان تحته ابنة عم له يقال لها: "خويلة بنت ثعلبة . فظاهر منها، فأسقط في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حَرُمت علي. وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله ﷺ . فأتت رسول الله فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فقال: " يا خويلة، ما أمرنا في أمرك بشيء فأنزل الله على رسوله ﷺ ، فقال: " يا خويلة، أبشري" قالت: خيرًا. قال فقرأ عليها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ إلى قوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) ابن كثير ٩/ ٣٧ابن كثير ٩/ ٣٧

قالت: وأي رقبة لنا؟ والله ما يجد رقبة غيري. قال: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره! قال: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلي مثلها! قال: فدعا بشطر وَسْق-ثلاثين صاعا، والوسق: ستون صاعا- فقال: "ليطعم ستين مسكينا وليراجعك" وهذا إسناد جيد قوي، وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا، فقال ابن أبي حاتم:

حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دُلَيج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيرًا سيئ الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، قال: "أنت عليَّ كظهر أمي" . وكان لها منه عيل أو عيلان، فنازعته يوما في شيء فقال: "أنت عليَّ كظهر أمي" . فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي ﷺ . وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شق رأسه، فقدمت عليه ومعها عَيّلها، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ضرير البصر، فقير لا شيء له سيئ الخُلُق، وإني نازعته في شيء فغضب، فقال: "أنت عليَّ كظهر أمي" ، ولم يرد به الطلاق، ولي منه عيل أو عيلان، فقال: "ما أعلمك إلا قد حَرُمت عليه" فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وأبا صبييّ. قال: ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر، فدارت معها، فقالت: يا رسول الله، زوجي ضرير البصر، فقير سيئ الخلق، وإن لي منه عَيِّلا أو عيلين، وإني نازعته في شيء فغضب، وقال: "أنت عليَّ كظهر أمي" ، ولم يرد به الطلاق! قالت: فرفع إلي رأسه وقال: "ما أعلمك إلا قد حرمت عليه" . فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وأبا صبيي؟ قال: ورأت عائشة وجه النبي ﷺ تَغَيَّر، فقالت لها: "وراءك وراءك؟ " فتنحت، فمكث رسول الله ﷺ في غشيانه ذلك ما شاء الله، فلما انقطع الوحي قال: "يا عائشة، أين المرأة" فدعتها، فقال لها رسول الله ﷺ : "اذهبي فأتني بزوجك" . فانطلقت تسعى فجاءت به. فإذا هو- [كما قالت] -ضرير البصر، فقير سيئ الخلق. فقال النبي ﷺ : "أستعيذ بالله السميع العليم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ] ﴾ إلى قوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] ) قال النبي ﷺ : " أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها؟ ". قال: لا. قال: " أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ". قال: والذي بعثك بالحق، إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد أن يعشو بصري. قال: " أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ ". قال: لا إلا [أن] تعينني. قال: فأعانه رسول الله ﷺ فقال: " أطعم ستين مسكينا". قال: ابن كثير ٩/ ٣٨ابن كثير ٩/ ٣٨

وحَوّل الله الطلاق، فجعله ظهارًا.

ورواه ابن جرير، عن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود، سمعت أبا العالية، فذكر نحوه، بأخصر من هذا السياق

وقال سعيد بن جبير: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة. رواه ابن أبي حاتم، بنحوه.

وقد استدل الإمام مالك على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله: (مِنْكُمْ) فالخطاب للمؤمنين، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، واستدل الجمهور عليه بقوله: (مِنْ نِسَائِهِمْ) على أن الأمة لا ظهار منها، ولا تدخل في هذا الخطاب.

وقوله: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ) أي: لا تصير المرأة بقول الرجل: "أنت عليَّ كأمي" أو "مثل أمي" أو "كظهر أمي" وما أشبه ذلك، لا تصير أمه بذلك، إنما أمه التي ولدته؛ ولهذا قال: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) أي: كلامًا فاحشًا باطلا (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) أي: عما كان منكم في حال الجاهلية. وهكذا أيضًا عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم، كما رواه أبو داود: أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول لامرأته: يا أختي. فقال: أختك هي؟ "، فهذا إنكار ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك؛ لأنه لم يقصده، ولو قصده لحرمت عليه؛ لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك.

وقوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم وقول داود، وحكاه أبو عمر بن عبد البر عن بُكَيْر ابن الأشج والفراء، وفرقة من أهل الكلام.

وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق.

وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة. وقد حكي عن مالك: أنه العزم على الجماع أو الإمساك وعنه أنه الجماع.

وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى تظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفارة. وإليه ذهب أصحابه، والليث بن سعد. ابن كثير ٩/ ٣٩ابن كثير ٩/ ٣٩

وقال ابن لَهِيعة: حدثني عطاء، عن سعيد بن جبير: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) يعني: يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم.

وقال الحسن البصري: يعني الغشيان في الفرج. وكان لا يرى بأسا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) والمس: النكاح. وكذا قال عطاء، والزهري، وقتادة، ومقاتل بن حيان.

وقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يكفر.

وقد روي أهل السنن من حديث عكرمة، عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: "ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " . قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله، عز وجل "

وقال الترمذي: حسن غريب صحيح ورواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة مرسلا. قال النسائي: وهو أولى بالصواب

وقوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي: فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فها هنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فحمل الشافعي، رحمه الله ، ما أطلق ها هنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب، وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه عن مالك بسنده، عن معاوية بن الحكم السلمي، في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله ﷺ قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" . وقد رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: إني تظاهرت من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر. فقال رسول الله ﷺ : "ألم يقل الله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) قال: أعجبتني؟ قال: " أمسك حتى تكفر"

ثم قال البزار: لا يروي عن ابن عباس بأحسن من هذا، وإسماعيل بن مسلم تكلم فيه، وروي عنه جماعة كثيرة من أهل العلم، وفيه من الفقه أنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة. ابن كثير ٩/ ٤٠ابن كثير ٩/ ٤٠

وقوله: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) أي: تزجرون به (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي: خبير بما يصلحكم، عليم بأحوالكم.

وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) وقد تقدمت الأحاديث الواردة بهذا على الترتيب، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان.

(ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: شرعنا هذا لهذا.

وقوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: محارمه فلا تنتهكوها.

وقوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء، كلا ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي: في الدنيا والآخرة. ابن كثير ٩/ ٤١ابن كثير ٩/ ٤١

أحكام القرآنابن الفرس، ت ٥٩٧هـ

[ - وقوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} ]

حقيقة الظهار الذي ذكره الله تعالى هو أن يشبه الرجل امرأته بأمه في التحريم. وكانت العرب تكني عن ذلك بالظهر، فيقول: امرأته عليه كظهر أمه، ولذلك سمي الظهار لأنه مأخوذ من الظهر. وإنما خص الظهر دون البطن والفرج ونحو ذلك من الأعضاء لأنه موضع الركوب في الحيوان، والمرأة عند الغشيان مركوبة. فإذا قال أحد لامرأته ذلك باللفظ فإنما أراد أن ركوبها للغشيان عليه محرم كركوب أمه فكنى بالركوب عن النكاح، وهو استعارة بديعة. وكان الظهار في الجاهلية طلاقًا مؤبدًا وكذلك في أول الإسلام إلى أن نزلت هذه الآية. ولهذا جعلها بعضهم ناسخة، أي ناسخة لما تقرر في أول الإسلام، ولا معنى لقول من يقول إنها ناسخة لما كان في الجاهلية لأن ذلك ليس بنسخ لأنه لم يكن شرعًا، وهو مذكور عن ابن عباس، ذكره عنه مكي.

قوله تعالى: {ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} :

رد الله تعالى بهذا على من كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة، وأخبر أن تصيير الزوجة أمًا باطل وأن الأم هي الوالدة، وأما الزوجة فلا تكون أمًا ولا يكون حكمها حكمها. ابن الفرس ٣/ ٥٢٣ابن الفرس ٣/ ٥٢٣

قوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا} :

أخبر تعالى أن لفظ الظهار الذي كانوا يطلقونه منكرًا وزورًا. والمنكر من القول هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور الكذب. وسماه كذبًا لأنهم صيروا نساءهم كأمهاتهم وهن لا يصرن كذلك أبدًا. والظهار حرام لا يحل إيقاعه أبدًا ودل على تحريمه ثلاثة أشياء:

أحدها: تكذيب الله تعالى لمن فعل ذلك. والثاني: أنه سماه منكرًا وزورًا -والزور الكذب- وهو محرم بإجماع. والثالث: إخباره تعالى أنه معفو عنه ويغفر، ولا يعفي ويغفر إلا على المذنبين لأنه وقع لزم لكن على غير الحكم الذي كان في الجاهلية وفي أول الإسلام على تأبيد التحريم لأنه تعالى أخرجه من ذلك الحكم إلى باب الكفارة، ثم أعلمنا كيف يكون الحكم فيه إذا وقع فقال: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} الآية. ولا خلاف أن من ظاهر امرأته بأمه لزمه الظهار لأنه خص الآية.

واختلف في سائر ذوات المحارم من النسب، فروي عن الشافعي أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها, وروي عنه أنه لا يكون إلا بالأمهات والجدات. وروي عنه أنه يكون بجميع ذوات المحارم من النسب، وهو قول مالك وسائر أصحابه. فمن اقتصر على الأم وحدها راعى لفظ الآية ولم يقس. ومن زاد على ذلك قاس على ما جاء في الآية، وهو أظهر. واختلف أيضًا في الظهار بالأجنبية، فذهب ابن الماجشون إلى أنه لا يكون مظاهرًا سمى الظهر أو لم يسمه، أراد به الظهار أو لم يرده وتكون امرأته طالقًا إلا أن تكون له نية. وقال أشهب في رواية أبي زيد عنه إنه يكون مظاهرًا سمى أو لم يسم. وقال ابن القاسم: إنه إن سمى الظهر فهو مظاهر إلا أن يريد الطلاق، وإن لم يسمه فهو طلاق ولا يصدق. وقول أشهب أصح في القياس على ظاهر الآية. والقولان الآخران أغرق في القياس وأبعد مذهبًا. واختلف أيضًا في الظهار بالرجال لمن ظاهر امرأته بظهر أبيه أو ابنه أو غلامه هل يلزم أم لا؟ على قولين: ابن الفرس ٣/ ٥٢٤ابن الفرس ٣/ ٥٢٤

أحدهما: أنه يلزم، وهو قول ابن القاسم. والآخر أنه لا يلزم ولا حكم له، وهو قول مطرف. والأظهر منهما أنه لا يلزم على ظاهر الآية لأنها إنما جاءت في النساء، وإلحاق الرجل بها بعيد. وهذا إذا سمى الظهر، فإن لم يسم الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضًا فيمن ظاهر بغير الظهر فهو طلاق على وجه التحريم. واختلف أيضًا فيمن ظاهر بغير شخص معين، فقيل هو ظهار، وقيل هو طلاق على التحريم، والأول أظهر على لفظ الآية. واختلف هل الظهار بسائر الأعضاء كالظهار بالظهر أم لا؟ ففي المذهب أنه سواء مع الطلاق في ذلك، وذهب الشافعي أنه لا يلزم إلا بالظهر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزم في كل عضو محرم بالنظر خاصة، وذهب أبو حنيفة إلى أن يلزم في كل عضو محرم النظر إليه. فالشافعي يراعي لفظ الآية واقتصر على ما جاءت فيه من الظهر ولم يقس. وغيره قاس على ما جاء في الآية. واختلف فيمن شبه امرأته بأمه فقال: أنت علي كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر. ففي المذهب أنه ظهار، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس بظهار إلا أن ينويه. فمالك ومن تابعه راعى مفهوم الآية وأن المراد من التسمية بالظهر إنما هو في التحريم. ومن أسقط فكذلك ذكر الظهر أو لم يذكره. وأبو حنيفة والشافعي راعيا الظهر للاقتصار عليه في الآية ولم يراعيا المعنى المقصود من ذلك. واختلف في الظهار هل يلزم في ملك اليمين أم لا؟ ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي إنه لا يلزم. فحل مالك قوله تعالى: {من نسائهم} على الزوجات والإماء، وحمله غيره على الزوجات خاصة. وقول مالك أظهر لأن لفظ النساء يعم الحرائر والإماء. واختلف في ظهار الزوجة من زوجها، ففي المذهب وغيره أنه لا حكم له. وقال الحسن والنخعي أنه ظهار. والدليل قول الجمهور ظاهر الآية لأنه تعالى إنما ذكر أن الظهار إنما هو في الرجل وفيه جعل الحكم ولم يجعل للمرأة ظهارًا فكيف يكون له حكم. ابن الفرس ٣/ ٥٢٥ابن الفرس ٣/ ٥٢٥

واختلف في الظهار قبل النكاح كالذي يقول: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي. ففي المذهب أنه يلزم. وقال أبو حنيفة والشافعي أنه لا يلزم. ودليل ما في المذهب عموم الآية ولم يخصص قبل النكاح أو بعده. واختلف إذا كرر الظهار من زوجته. فقال أبو حنيفة عليه لكل ظهار كفارة. وقال الشافعي في أحد قوليه ليس عليه إلا كفارة واحدة. وفرق مالك رحمه الله تعالى فقال: إن نوى بكل كلمة استئناف ظهار كان عليه لكل كلمة كفارة، وإن لم ينو فكفارة واحدة. وحجة مالك على الشافعي قوله تعالى: {يظاهرون من نسائهم} . والظهار هو القول المقصود به المظاهرة، فإذا وجد تعلق عليه الحكم. واختلف أيضًا إذا تظاهر من أربع نسوة في كلمة، ففي المذهب أنها كفارة واحدة تلزمه. وقال الشافعي في أحد قوليه: لكل واحدة كفارة. ودليل ما في المذهب قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ... } الآية فعم كل نظاهر بنسائه بأن عليه رقبة واحدة. واختلف في ظهار العبيد هل يصح كظهار الحر أم لا؟ ففي المذهب وغيره أنه يصح، وعند بعضهم أنه لا يصح، والحجة عليهم ظاهر الآية لأنه تعالى قال: {والذين يظاهرون من نسائهم} فعم الأحرار والعبيد. واختلف في ظهار الكافر، ففي المذهب أنه لا يصح، وقال الشافعي أنه يصح ظهاره فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل وجبت عليه الكفارة، فإن كان واجدًا للعتق أعتق وإن لم يقدر عليه لم يمكنه أن يصوم ولكن يطعم ستين مسكينًا. والدليل عليه قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} ، ولا معنى لهذه الإضافة إلا أن تكون تخصيصًا للمسلمين. وقد اختلف في هذه الآية هل هي على نظمها أم فيها تقديم وتأخير؟ فالمشهور أنه لا تقديم فيها ولا تأخير، وهو الصحيح. وذهب بعضهم إلى أن فيها تقديمًا وتأخيرًا، وذكر عن الأخفش قالوا وترتيبها: والذين يظاهرون ن نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. ثم يعودون لما قالوا. وهذا قول ضعيف يفسد به نظم الآية. والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جمهور العلماء. وذهب مجاهد إلى أن الكفارة واجبة على المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك بصحيح لقوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} فيشرط مع الظهار إرادة العودة. والذي يأتي على قول مجاهد في الآية قولان: ابن الفرس ٣/ ٥٢٦ابن الفرس ٣/ ٥٢٦

أحدهما: قول الأخفش المتقدم، يأتي في الآية تقديمًا وتأخيرًا. والثاني: قول ابن قتيبة إنه لا تقديم في الآية ولا تأخير ولكن المعنى بقوله تعالى: {ثم يعودن لما قالوا} أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدون طلاقًا. وحكي أيضًا عن ابن بكير بن الأشج. وهذان القولان أضعف ما قيل في الآية مع أنهما قد يمكن أن يتأول على مذهب الجمهور في اشتراط العودة مع الظهار. وأما على قول الجمهور من اشتراط العودة مع الظهار على لفظ الآية فاختلف في العودة ما المراد بها على خمسة أقوال: أحدها: أنه العزم على الوطء. والثاني: أنه العزم على الوطء واستدامة العصمة. والثالث: ابن الفرس ٣/ ٥٢٧ابن الفرس ٣/ ٥٢٧

أنه الوطء نفسه، وهذه الأقوال الثلاثة مذكورة عن مالك في الموطأ. والقول الثاني منها أصحها وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} . والرابع: قول الشافعي ومن تابعه أن العودة استدامة العصمة خاصة وأنه متى ظاهر من زوجته ثم لم يطلقها طلاقًا متصلًا بالظهار فقد وجبت عليه الكفارة. وهو قول يفسده ظاهر القرآن لأن الله تعالى قال: {ثم يعودون} . و {ثم} توجب التراخي، والعصمة لم تتصل بالظهار فكيف يصح أن يقال ثم يكون كذا لما لم يزل كائنًا؟ هذا محال. وأيضًا فإنه إنما أوجب الكفارة بترك الطلاق فيكون معنى قوله تعالى على مذهبه: {ثم يعودون} بمعنى لم يطلقوا. قوله تعالى: {ثم يعودون} إيجاب، ولم يطلقوا نفي، ولو صح هذا لكان الإيجاب نفيًا والنفي إيجابًا، وهذا فاسد أيضًا. فإن قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} يوجب أن يحدث منه شيء لم يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق بعد الظهار فهو كما كان قبل لم يحدث منه شيء بعد فيستحيل معنى قوله: {ثم يعودون} لأنه إنما يعود الإنسان لشيء قد كان فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار وإنما فارق به المسيس فهو المعنى المقصود بالعودة. واحتج بعض الشافعية ي أن العودة: بقاؤها لقوله تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} [السجدة: ٢٠] فسمى الله تعالى بقاءهم في النار إعادة.

فيحتمل أن يكون هؤلاء تحاملوا للخروج فردوا إلى الحالة الأولى. ولو صح أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة لأن الله تعالى إنما أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعًا منه بالظهار وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعًا منها بالظهار ولا منفصلًا عنها. الخامس أن العودة أن يعودوا فيتكلم بالظهار ثانية، وهو مذهب أهل الظاهر، وروي نحوه عن ابن بكير بن الأشج، وهو أضعف الأقاويل لأنهم لا يرون الظهار يوجب من أول مرة حكمًا وإنما يرونه موجبًا حكمًا على تأويلهم في مرة أخرى. وهذا فاسد لأنه إذا لم يوجبه أولًا فلم يوجبه ثانيًا، وأي فرق بين الأولى والثانية. وأيضًا فإن سبب الآية لم يأت فيمن ظاهر مرة ثانية ولا ذكر أحد من الرواة، وإنما معنى قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} أي في تحريم ما حرموا على أنفسهم وهو الوطء فيفعلونه أو يعزمون على فعله. واختلف في معنى اللام في قوله: {لما قالوا} فيحتمل أن يكون بمعنى: في أي فيما قالوا. وقيل المعنى: من أجل ما قالوا. وقال الفراء معناه: عن ما قالوا. قال: والمعنى ثم يرجعون عن ما قالوا ويريدون الوطء. وقيل هي على بابها والمعنى: ثم يعودون لقولهم. والقول بمعنى المقول، فالمعنى ثم يعودون لوطء للمقول فيها الظهار. ابن الفرس ٣/ ٥٢٨ابن الفرس ٣/ ٥٢٨