أو غير حل له؛ يعني أن الكتابي أي اليهودي إذا ذبح ما لم يستحله لا تؤكل ذبيحته أي يحرم، أكلها لكن بشرط أشار له بقوله: إن ثبت بشرعنا؛ يعني أن محل حرمة ذبيحة الكتابي حيث ذبح ما لم يستحله في دينه إنما هو إن ثبت تحريم ذلك عليه بشرعنا، والذي ثبت تحريمه بشرعنا كل ذي ظفر، قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} ، وهو الإبل وحمر الوحش والنعام والإوز ونحوها من الحيوان، وهو ما كان غير منفرج الأصابع وله ظفر، وقوله: "أو غير حل له إن ثبت بشرعنا "، حكى ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال،
(ولا يحل لمسلم) ولا لغيره (أن يُطْعِمَهم) أي: اليهود (شحمًا من ذبحنا؛ نصًّا (٣) ؛ لبقاء تحريمه عليهم) في مِلَّتِهم؛ لقوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. . .} الآية ، وشرعُنا وإن كان نسخ شرعهم كما تقدم لكن نعاملهم بأحكام مِلَّتِهم ما داموا عليها؛ لقوله تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ. . .} الآية ، وتحل ذبيحتنا لهم مع اعتقادهم تحريمها.
(و) لو حلف: (لا يأكل شحمًا، فأكل شحم الجوف من الكُلى أو غيره، أو) أكل (من شحم الظهر، أو) من (سمينه ونحوه، أو) من (السَّنام أو الألْيَة، حَنِثَ) لأن كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان يُسَمَّى شحمًا، وقد سمى الله تعالى ما على الظهر من ذلك شحمًا بقوله:{وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَو الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} فاستثناه من الشحم، ولولا دخوله في مفهوم الشحم، لم يصح استثناؤه.
(و) من حلف: (لا يأكل شَحْمًا فأكل شحم الظهر أو الجنب، أو سمينَها، أو الأَلية أو السَّناَمَ: حنث)؛ لأن كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان يسمى شحمًا. وقد سمى الله سبحانه وتعالى ما على الظهر من ذلك شحمًا بقوله سبحانه وتعالى: (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) . فاستثناه من الشحم، ولولا دخوله في مفهوم الشحم لم يصح استثناؤه.
ولهذا قال المؤلف:
«فإن حلف لا يأكل اللحم فأكل شحماً، أو مخاً، أو كبداً أو نحوه لم يحنث» قال: والله لا آكل لحماً أبداً، فجاءوا إليه بسنام بعير فأكل حتى شبع، لم يحنث؛ لأن هذا في اللغة العربية ليس بلحم بل شحم، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ ، وهذا يقتضي أن الشحوم غير اللحوم، وإنما هي بعض من الحيوان، كذلك لو قال: والله لا آكل لحماً فأكل مخاً، فإنه لا يحنث؛
ولو اشْتَراه الوَكِيلُ في شِراءِ الشَّحْمِ، لم يَلْزَمْه. ولَنا، قولُ الله تعالى:{وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَو الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ}. ولأنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ في صِفتِه وذَوْبه، ويُسَمَّى دُهْنًا، فكان شَحْمًا كالذي في البَطْنِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا أنَّه يُسَمَّى بمُفْرَدِه لَحْمًا، وإنَّما يُسَمَّى اللَّحْمُ الذي هو عليه لَحْمًا سَمِينًا, ولا يُسَمَّى بائِعُه شَحَّامًا؛ لأنَّه لا يُباعُ بمُفْرَدِه، وإنَّما يُباعُ تَبَعًا للَّحْمِ، وهو تابعٌ له في الوُجُودِ والبَيعِ، فلذلك سُمِّيَ بائِعُه لَحَّامًا، ولم يُسَمَّ شَحَّامًا؛
ولأن الله تعالى استثناه من الشحم حيث قال: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} [الأنعام: ١٤٦] الآية؛ على قولين،
وأما الاستثناء فقال البغوي وغيره: {إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} [الأنعام: ١٤٦] أي ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما؛ اهـ. فالمستثنى شحم حقيقة وعرفا، إلا أن الله تعالى أرخص لهم فيه دفعا للحرج عنهم، والله أعلم.