وقال الآخران: نشهد بالله لا أسلفه إجازة الشهادة مع اليمين: خلاف ما في كتاب ابن شعبان من أنه لا تقبل شهادة من شهد وحلف، والصواب أن لا تبطل بذلك شهادته لأن الله تبارك وتعالى قد أمر نبيه باليمين فيما أمره به من الشهادة، فقال: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} ، {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} . اهـ. محل الحاجة منه. ففي إغفال المص ومن تكلم عليه هذا ما لا يخفى.
والثاني قولُه:{قُلْ بَلَى وَربي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}. والثالثُ:{قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}. ورَوَى محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أنَّ عمرَ قال على المِنبَرِ، وفى يَدِه عَصًا: يا أيُّها الناسُ، لا تَمْنعَنَّكم اليمينُ من حُقُوقِكُم، فوَالذِي نفْسِي بِيَدِه، إنَّ في يَدِي لَعَصًا. ورَوَى الشَّعْبِيُّ، أنَّ عمرَ وأُبَيًّا احْتَكَمَا إلى زيدٍ في نَخْلٍ ادَّعاه أُبَيٌّ، فتَوَجَّهَتِ اليمينُ على عمرَ، فقال زيدٌ: أَعفِ أميرَ المؤمِنين. فقال عمرُ: ولِمَ يُعْفِي أميرَ المؤمنين؟ إن عَرَفْتُ شيئًا اسْتَحْقَقْتُه بيَمِينِي، وإلَّا تَرَكْتُه، والله الذِى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلِي، وما لأُبَيٍّ فيه حَقٌّ فلمَّا خرَجا وَهَب النَّخْلَ لأُبَيٍّ، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، هلَّا كان هذا قبلَ اليَمِينِ؟
فصل: ومَن تَوَجَّهتْ عليه يَمِين وهو فيها صادِقٌ، أو توَجَّهَتْ له، أُبِيحَ له الحَلِفُ، ولا شئَ عليه مِن إثْمٍ ولا غيرِه؛ لأَنَّ اللَّه تعالى شرَعَ اليَمِينَ، ولا يَشْرَعُ مُحَرَّمًا، وقد أمرَ اللَّهُ سبحانه نَبِيَّه، عليه الصلاة والسلامُ، أَنْ يُقْسِمَ على الحقِّ، في ثلاثةِ مَواضِعَ مِن كتابِه، منها قولُه تعالى:{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}. وحلَفَ عمرُ لأُبَىٍّ على نَخْلٍ، ثم وَهبَه إيَّاه،
كتاب الأيمان والنذور]
ش: الأيمان جمع يمين، وهي في أصل اللغة الحلف بمعظم في نفسه أو عند الحالف، على أمر من الأمور، بصيغ مخصوصة، كقوله: والله لأفعلن. وحياتك لأركبن، والأصل في مشروعيتها الإجماع، وقد شهد لذلك أمر الله تعالى نبيه بها، قال سبحانه: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: ٥٣] وقال تعالى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: ٧] {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: ٣] وقال سبحانه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: ٢٢٥] الآية.