لنا: قوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) وإن كانت محبوسة لحقه فلم ينفق عليها فقد أضر بها وضيق عليها إذا منعها النفقة.
{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ولأن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز عقد البيع على الأعيان، وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع، وينعقد بلفظ الإجارة والكري؛ لأنه لفظ موضوع لها، وفي لفظ البيع وجهان: أحدهما: ينعقد به؛ لأنها صنف منه.
ومن وجبت لها النفقة للحمل، وجب دفعها إليها يومًا بيوم، لقول الله تعالى: {فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . ولأن الحمل يتحقق حكمًا في منع النكاح، والأخذ في الزكاة، ووجوب الدفع في الدية، والرد بالعيب، فكذلك في وجوب النفقة لها.
بخلاف ما إذا كانت حاملا لأنا عرفناه بالنص وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: من الآية ٦] الآية ولنا أن النفقة جزاءاحتباس على ما ذكرنا والاحتباس قائم في حق حكم مقصود بالنكاح وهو الولد إذ العدة واجبة لصيانة الولد فتجب النفقة ولهذا كان لها السكنى بالإجماع وصار كما إذا كانت حاملا وحديث فاطمة بنت قيس رده عمر رضي الله عنه فإنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت حفظت أم نسبت سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: "للمطلقة الثلاث النفقة والسكنى ما دامت في العدة" ورده أيضا زيد بن ثابت رضي الله عنه وأسامة بن زيد وجابر وعائشة رضي الله عنهم .
لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولأن التعامل به كان جاريا على عهد رسول الله ﷺ وقبله وأقرهم عليه. ثم قيل: إن العقد يقع على المنافع وهي خدمتها للصبي والقيام به واللبن يستحق على طريق التبع بمنزلة الصبغ في الثوب.
وأن تكون قبله نحو قوله صلى الله عليه وسلم لعامله (وإياك وكرائم أموال الناس (٣) ) مفهومه غير الكرائم تؤخذ ونحو (في سائمة الغنم الزكاة (١) ) مفهومه لا زكاة في معلوفتها، وأصل التركيب في الغنم السائمة الزكاة وكلا التركيبين يُروَى حديثا ومعتمدة ثابت في حديث البخاري فتقديم الصفة وتأخيرها سواء، والثالثة أن يحذف الموصوف نحو {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} مفهومه قبول خبر الواحد العدل كما استدل الأئمة على ذلك بهذه الآية ونحو قوله صلى الله عليه وسلم (الثيب أحق بنفسها من وليها (٢) ) مفهومه البكر ليست كذلك بل وليها أحق منها بها فيجبرها إن لم تكن يتيمة، ونحو {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} مفهومه أن الفاسق لا يقبل في الشهادة، ويندرج في الصفة الحال نحو {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} مفهومه عدم النهي في غير السكر، وقوله واشترط أشار به إلى مفهوم الشرط، والمراد بالشرط هنا مقابل الجزاء عند النحويين لأنهم يطلقونه على مدخول الأداة، ويطلقونه أيضا على الربط بين الجملتين وهو تعلق حصول مضمون الجملة الثانية على حصول مضمون أخرى مثال الشرط قوله تعالى {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} الآية مفهومه أن البائن غير الحامل لا نفقة لها {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} الآية مفهومه عدم جواز نكاح الإماء لمن وجد الطول، ولا فرق بين كون الأداة حرفية ولا اسمية، ولا بين الجازمة وغيرها، ولا بين ذكر الجواب وحذفه.
واحتج ابن زرب على ما قال بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} . ابن سهل: في قوله نظر؛ لأن هذا إنما هو في النفقات الواجبة كنفقة الزوجة والأبوة والبنوة وعامل القراض، لا في المتطوع بها إذا قال المتطوع: لم أرد إلا المطعم، بدليل قوله في الرواحل: لا بأس أن يستأجر العبد على أن على الذي استأجره نفقته،
لأن الرضاع سبب آخر والبائن لا رضاع عليها لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فالضمير في: كانت، للبائن الحامل، وحق هذا أن يقدمه عند قوله: ولها نفقة الحمل، وقوله: فلها نفقة الرضاع. أبو الحسن: وتكون أجرة الرضاع نقدا لا طعاما. انتهى.
ولا دليل لأبي حنيفة والشافعي في قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ؛ لأنه في المطلقات كما لا دليل فيه لأهل المذهب ولا لأبي ثور،
والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} وقوله، حكاية عن شعيب مع موسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ فذكر تأجيل الإجارة وسمى عوضها،
والحجة إجماع العلماء على وجوب الكسوة مع النفقة في الحوامل في قوله عز وجل: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ، وخالفه ابن سهل:
قال: (ولحضانة وإرضاع معاً) وهذه لا خلاف فيه، ويدل له قوله تعالى:{فإن أرضعن لكم فئاتهن أجورهن}، ولأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، ولا يخفى أن ذلك في غير اللبأ فإنه واجب على الأم كما تقرر.
احتج من أوجبهما بقوله تعالى:{أسكنوهن من حيث سكنتم}، وبأنها محبوسة عليه، وبقول عمر في حديث فاطمة بنت قيس:(لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة جهلت أو علمت).
قال: (وتجبان لحامل) ؛ لقوله تعالى:{وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}، والمعنى فيه أنها مشغولة بمائة فهو مستمتع برحمها، فصار كالاستمتاع في حال الزوجية؛ إذ النسل مقصود بالنكاح كما أن الوطء مقصود به، قاله القاضي حسين، ولذلك قال: يجب لها الإدام أيضاً،
قال: (وإن وجدتا .. لم تجبر الأم) سواء كانت في نكاح الأب أم لا, وسواء كانت ممن ترضع مثلها الولد أم لا؛ لقوله تعالى:{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} ,
(إلا في الظِّئر) أي: آدمية؛ لقوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} والفرق بينها وبين البهائم: أنه يحصل منها عمل من وضع الثدي في فم المرتضع ونحوه، بخلاف البهيمة؛ وللضرورة.
وأما قوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ورجلٌ استأجرَ أجيرًا، فاستوفى منهُ ولم يُوفِّهِ أجرهُ"، فيحتمل أنه أراد الإيتاء عند الشروع في الرضاع، أو تسليم نفسها،
(ويعطيها - أيضًا - أجرة رَضاعها إن طالبت بها) وإن كانت في حِباله؛ لقوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. والناشز: العاصية لزوجها
(من يتبرَّع) له (برضاعه، فهي) أي: الأم (أحقُّ، سواء كانت في حِبال الزوج أو مطلَّقة) لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ. . .} الآية . وهو خبر يُراد به الأمر، وهو عام في كلِّ والدة؛ ولقوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}؛ ولأنها أشفق وأحق بالحضانة، ولبنها أمرَأ.
(فإن طلبت أكثرَ من أُجرةِ مثلِها ولو بيسيرٍ، لم تكن أحقَّ به) مع من يتبرَّع به، أو يُرْضِع بأجرة المثل؛ لقوله تعالى:{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} (إلا ألا يوجدَ من يُرْضِعُه إلا بمثل تلك الزيادة) فتكون الأم أحق من الأجنبية؛ لشفقتها.
(وإن امتنعت الأم) الحرة (من رَضاع ولدها؛ لم تُجبر) ولو كانت في حِبال الزوج؛ لقوله تعالى:{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} وإذا اختلفا، فقد تَعَاسرا، وقوله تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} محمولٌ على حال الإنفاق، وعدم التعاسر (إلا أن يضطَر) الصغير (إليها، أو يُخشى عليه) بألا توجد مرضعةٌ سواها، أو لا يَقبل الصغيرُ الارتضاع من غيرها، فيجب عليها إرضاعه؛ لأنه حالُ ضرورة وحفظ النفس، كما لو لم يكن له أحدٌ غيرَها
قال ابن عبدالبر: من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح واحج، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نصا صريحا، فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ الذي هو المبين عن الله سبحانه وتعالى مراده، ولا شيء يدفع ذلك. ومعلوم: أنه أعلم بتأويل قول الله سبحانه وتعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ}.
وقد علم مما تقدم أن الأم إذا طلبت أكثر من أجر مثلها ووجمد الأب من يرضعه بأجرة مثله أو متبرعة، كان للأب انتزاعه منها؛ لأنها أسقطت حقها بطلب ما ليس لها، فدخلت في قوله سبحانه وتعالى:{وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: ٦ [.
(و) يجب (على الأب أن يسترضع لولده) إذا عدمت أمه أو امتنعت؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} أي: فاسترضعوا له أخرى (ويؤدي الأجرة) لذلك؛ لأنها في الحقيقة نفقة لتولد اللبن من غذائها
(ولا يلزمها) أي: لا يلزم الزوجة إرضاع ولدها، دنيئة كانت أو شريفة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} (إلا لضرورة كخوف تلفه) أي: تلف الرضيع بأن لم يقبل ثدي غيرها ونحوه؛ لأنه إنقاذ من هلكة.
(ولها) أي: للمرضعة (طلب أجرة المثل) لرضاع ولدها (ولو أرضعه غيرها مجانا) لأنها أشفق من غيرها ولبنها أمرأ (بائنا كانت) أم الرضيع في الأحوال المذكورة (أو تحته) أي: زوجة لأبيه؛ لعموم قَوْله تَعَالَى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}
وأما الاستئمار فإنها تشاور؛ لأنه من الائتمار لقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ فهي تُشاور؛ وذلك لأنها عرفت النكاح، وزال عنها الحياء، فكان لا بد من استئمارها.
قال الله عز وجل : ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ، فأوجب الله عز وجل على الزوج الإنفاق إذا كانت حاملاً، فليس لازماً أن المختلعة تبذل دراهم، فمثلاً لو خالعت بنفقة عدتها يصح، كامرأة حامل طلبت من زوجها أن يخالعها، فقال: أعطيني عوضاً، قالت: العوض أني أسقط عنك نفقة الحمل، فيصح؛ لأنها خالعته بعوض في الواقع، إذ إنه لو لم تخالعه لوجب عليه أن ينفق، مع أن النفقة في هذه الحال واجبة، لكن هل هي للمرأة، أو للحمل من أجل المرأة؟
أما من قال: إن لها النفقة والسكنى بكل حال، فاستدل بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، و «النساء» عام إلى أن قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
ثم ذكر عدة الحوامل وعدة الآيسات فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق] وهذا في البائن، فلها السكنى بكل حال، والنفقةُ إن كانت حاملاً، ولا يدخل فيه الرجعيات هنا؛ لأن الرجعيات ما قال الله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، بل قال الله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ بل يبقين في بيوتهن،
فإن النهي عن الشيء أمر بضده، فتكون دلالة وجوب السكنى للرجعية من قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أوضح من قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ فإن قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ قد يكون لمن ليست في البيت، فيقال لها: تعالي واسكني،
وقالوا: إنما أمر الله بإسكانها في البيت تحصيناً لِمَائِه، ولم يجعل عليه نفقة؛ لأنها بائن منه، فيكون الأمر بالإسكان لا لأنه حق لها، ولكن من أجل تحصين مائه، ولهذا قال العلماء في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾: «مِنْ» للتبعيض، و «حيث»: ظرف للمكان، يعني أسكنوهن بعض ما سكنتم، أي: عندكم في البيت، ولا تُكَلَّفُونَ أكثر من ذلك، بل من وُسعكم.
الذين قالوا: إن النفقة للحامل من أجل الحمل قالوا: إن الله يقول: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ، ولم يقل: أنفقوا على الحمل وعلى هذا فتكون النفقة للحامل من أجل الحمل.
والذين قالوا: إنها للحمل، قالوا: إن ما كان علة للحكم يكون هو محل الحكم، وعلة الحكم ليست كونها مُطَلَّقة أو مفسوخةً، بل علة الحكم أن فيها حملاً، فيكون الحكم تابعاً لعلته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ مع أنهن بعد الولادة مباشرة قد يَكُنَّ محبوسات على الحمل للتعب والوجع والإرضاع، ومع ذلك فإذا وضعت الحمل فلا نفقة، فدل هذا على أن النفقة للحمل، لا لها من أجله. ويدل على ذلك أيضاً أنها إذا لم تكن حاملاً فليس لها شيء، فالحمل الذي هو سبب الوجوب تكون النفقة له، وهذا القول أرجح، لكنه لما كان لا طريق لنا إلى إيصال النفقة إلى الحمل إلاّ عن طريق تغذيته بالأم، صار الواجب الإنفاق على هذه الأم من أجل الحمل، والقاعدة في ذلك أن كل إنسان ينسب إليه حمل امرأة يجب عليه الإنفاق عليها، سواء كانت زوجة أم غير زوجة، وبناء على ذلك لو وطئ امرأة بشبهة وحملت منه وجب عليه الإنفاق،
ربما يستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ولم يقل: ما طلبنه، فما جرت العادة بأنه أجرها فتعطى إياه، وما كان زائداً فليس لها الحق في طلبه،
وعلى هذا يتنزَّل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ فإن طلبت دون أجرة المثل وأبى هو إلاّ أجرة المثل، فلا يلزم الزوج قبول التنازل؛ لأنه سيكون فيه مِنَّة عليه ولو في المستقبل، فربما في يوم من الأيام تقول: نعم هذا جزائي، الناس يرضعون بمائة ريال وأنا أرضعت بثمانين ريالاً. «ولو أرضعه غيرها مجاناً» أي: أن أم الطفل، سواء قلنا: إنها في حباله على المذهب، أو إنها مطلقة على القول الراجح، إذا وجدنا من يرضعه مجاناً وأبت هي إلا بأجرة المثل، فهنا يجبر الزوج بأن ترضعه أمه ويدفع لها الأجرة؛
كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وقوله: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} ولقوله - صلى الله عليه وسلم - ن لفاطمة بنت قيس «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا» ، ولأن الحمل ولد المبين فلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها، فوجب، كأجرة الرضاع، والكسوة داخلة في عموم النفقة.
ولقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ولأن الولد إنما يتغذى بما يتولد في المرضعة من اللبن، فوجبت النفقة لها، لأنها في الحقيقة له.
شريفة لقوله تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} فدلت الآية، على أن الأم إذا امتنعت من إرضاع ولدها لم تجبر، فإنهما إذا اختلفا فقد تعاسرا، وقوله: {يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} محمول على حال الإتفاق وعدم التعاسر.
* قوله: (ولا سكنى) ولا يرد عليه قوله -تعالى-: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}؛ لأن حديث فاطمة بنت قيس الذي رواه الإمام أحمد والأثرم والحميدي قد خصصه بالرجعية .
قال الشارح: والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هو المبين عن اللَّه -تعالى- مراده، ولا شيء يدفع ذلك، ومعلوم أنه أعلم بتاويل قوله -تعالى-: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} فراجع الشرحَين . فصل *
فصل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الظِّئْرِ بطَعامِها وكُسْوَتِها، وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه. وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على اسْتِئْجارِ الظِّئْرِ، وهي المُرْضعَةُ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. واسْتَرْضَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لوَلَدِه إبراهيمَ . ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه أكْثَرَ مِن الحاجَةِ إلى غيرِه،
ولو خَدَمَتْه ولم تُرْضِعْه، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، ولأنَّ اللهَ تعالى قال:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. فجَعَلَ الأجْرَ مُرَتَّبًا على الإِرْضاعِ، فيَدُلُّ على أنَّه المَعْقُودُ عليه. ولأنَّ العَقْدَ لو كان على الخِدْمةِ، لَما لَزِمها سَقْيُه لَبَنَها، وإنَّما جازَ العَقْدُ عليه مع كَوْنِه عَينًا رُخْصَةً؛ لأنَّ غيرَه لا يَقُومُ مَقَامَه، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى اسْتِيفائِه. وإنَّما جازَ في الآدَمِيِّينَ دُونَ سائِرِ الحَيَوانِ؛ للضَّرُورَةِ إلى حِفْظِ الآدَمِيِّ، والحاجةِ إلى إبْقائِه.
وقال أبو حنيفةَ، [ومالكٌ]: لا يملِكُها ولا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ بها إلَّا يَومًا بِيَوْم، إلَّا أن يَشْتَرِطَ تَعجِيلَها. قال أبو حنيفةَ: إلَّا أن تكونَ مُعَيَّنة، كالثَّوْبِ، والدّارِ، والعَبْدِ؛ لأنَّ الله تعالى قال:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. أمَرَ بإيتائِهِنَّ بعدَ الرَّضاعِ.
وأمَّا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. فقد قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: نحنُ نَعْلَمُ أنَّ عمرَ لا يَقُولُ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. إلَّا لِما هو مَوْجودٌ في كِتابِ اللَّهِ تعالى، والذي في الكِتابِ أنَّ لها النَّفَقَةَ إذا كانت حامِلًا، بقَوْلِه سبحانه:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَلْزَمُه دَفْعُها إليها حتى تَضَعَ؛ لأَنَّ الحَمْلَ غيرُ مُتَحَقِّقٍ، ولهذا أوْقَفْنا المِيراثَ. وهذا خِلافُ قولِ اللَّهِ تعالى:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. ولأنَّها مَحْكُومٌ لها بالنَّفَقةِ، فوَجَبَ دَفْعُها إليها، كالرَّجْعِيَّةِ. وما ذكَرَه لا يَصِحُّ؛
وإن كانت حامِلًا، فلها النَّفقةُ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. نَصَّ على هذا أحمدُ. وبه قال إسْحاقُ. وقد ذكَرْنا في نَفَقَةِ الحامِلِ، هل هى للحَمْلِ أو للحامِلِ؟ على رِوايتَيْن عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ؛ إحْداهُما، أنَّها للحَمْلِ. فعلى هذا، لا تَجِبُ للمَمْلُوكَةِ الحامِلِ البائِنِ؛ لأَنَّ الحَمْلَ مَمْلُوكٌ لسَيِّدِها، فنفَقَتُه عليه. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، تَجِبُ. وللشافعىِّ في هذا قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: إن طَلَبَتِ الأُجْرَةَ، لم يَلْزَمِ الأبَ بَذْلُها، ولا يَسْقُطُ حَقُّها مِن الحَضانَةِ، وتأْتِى المُرْضِعَةُ تُرْضِعُه عندَها، لأنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بينَ الحَقَّيْن، فلم يَجُزِ الإِخْلالُ بأحَدِهما. ولَنا، قولُه سُبْحانه:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}. فقَدَّمَهُنَّ على غيرِهنَّ، وهذا خبرٌ يُرادُ به الأمْرُ، وهو عامٌّ في حَقِّ كُلِّ والدةٍ. وقولُه:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. ولَنا، على جوازِ الاسْتِئْجارِ، أنَّه عَقْدُ إجارَةٍ يَجُوزُ مع غيرِ الزَّوْجِ إذا أذِنَ فيه، فجازَ مع الزَّوْجِ، كإجارَةِ نَفْسِها للخِياطَةِ.
وقيل: العَقْدُ وقَع على اللبَنِ. قال القاضي: وهو الأشْبَهُ. قال ابنُ رَزِين، في «شَرْحِه»: وهو الأصحُّ؛ لقَوْلِه تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. انتهى.
باب الإجارة] الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}، وقوله تعالى:{قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}، وقوله:{إني أريد أن أُنْكِحَكَ إحدى ابنتي هاتين على أن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج}.
وأما كون استئجار امرأته لرضاع ولده يجوز؛ فلأن الله تعالى قال:{فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا ترضع لكم الحمقاء» فدل بمفهومه على جواز استرضاع غيرها.
٢٠٦٩ - وفي المسند «عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: توفي صاحب لنا، فأتينا به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليصلي عليه، فخطا خطوة ثم قال: «أعليه دين» ؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة فقال: الديناران علي، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما؟» قال: نعم. فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: «ما فعل الديناران» ؟ قال: إنما مات أمس. قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الآن بردت جلدته» فأخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه حينئذ أي حين القضاء بردت جلدته.
وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى أن المضمون عنه إذا كان ميتا برئ بمجرد الضمان عنه، استدلالا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث جابر: «وبرئ الميت منهما» ويجاب عنه بأن هذا ليس إخبارا منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ببراءته، وإنما هو استفهام من أبي قتادة، في أنه هل ضمن متبرعا لا ليرجع، ولهذا أجابه بنعم.
(تنبيه) : حكى أبو الخطاب وأبو محمد وغيرهما هذه الرواية في الميت مطلقا، وخصها أبو البركات بالميت المفلس والله أعلم. قال: فمتى أدى رجع به عليه، سواء قال له: اضمن عني أو لم يقل. ش: إذا أدى الضامن الدين لم يخل من أحوال، (الأول) ضمن بإذنه وأدى بإذنه، (والثاني) ضمن بإذنه وأدى بغير إذنه (الثالث) بالعكس، ولا خلاف عندنا أنه يرجع في هذه الصور الثلاث، (الرابع) ضمن وقضى بغير إذنه، لكن نوى الرجوع فعنه لا يرجع، لأن أبا قتادة لو استحق الرجوع لصار له دين على الميت، وإذا لم يصل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه، لعدم فائدة الضمان إذا، إذ ذمة الميت لم تزل مشغولة بدين، (وعنه) وهي اختيار الخرقي، والقاضي، وأبي الخطابي، والشريف، وابن عقيل، والشيرازي وابن البنا، وغيرهم - يرجع، لأنه قضاء مبرئ من واجب عليه، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، وقَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ٦] وهو شامل لما إذا أرضعت بأمره أو بلا أمره، وأما حديث أبي قتادة فإنما قضى متبرعا، لعلمه أنه لا وفاء له، وقصده أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي عليه، بل قد يقال: في حديث أبي قتادة دليل على أن غير المتبرع يرجع، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له: «وجب حق الغريم» أي عليك «وبرئ الميت منهما» (الحال الخامس) إذا ذهل عن قصد الرجوع وعدمه، وظاهر كلام الخرقي - وتبعه صاحب الوجيز - أنه يرجع، وإذا المقتضي للرجوع هو تأدية الواجب عن الغير والمسقط له هو قصد التبرع وقد عرفت من هذا (حالا سادسا) وهو إذا نوى التبرع، فلا يرجع بلا ريب، وهذه الصور تستثنى من عموم كلام الخرقي، والله أعلم.
[الكفالة بالنفس]
٢٨٦٨ - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: «امرأتك ممن تعول، تقول: أطعمني وإلا فارقني. جاريتك تقول: أطعمني واستعملني. ولدك يقول: إلى من تتركني» رواه أحمد والدارقطني. قال أبو البركات: بإسناد صحيح. ٢٨٦٩ - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيضا، عن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: «يفرق بينهما» رواه الدارقطني. ٢٨٧٠ - وروى سعيد عن سفيان، عن أبي الزناد، قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على زوجته أيفرق بينهما؟ قال: نعم. قلت: سنة؟ قال: سنة. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ونقل عنه) ابن منصور ما يدل على أنها لا تملك الفسخ بالإعسار، ما لم يوجد منه غرور، فقال: إذا تزوج امرأة وهو مفلس، ولم تعلم المرأة لا يفرق بينهما، إلا أن يكون قال لها: عندي من العروض والأموال؛ وغرها من نفسها، إلا أن القاضي حمل هذا على الإفلاس بالصداق، وبالجملة قد قيل في وجه ذلك: إنه حق لها عليه، فلم يفسخ النكاح لعجزه عنه كالدين، وعلى هذه الرواية ترفع يده عنها لتكتسب ما تقتات به.
[نفقة الوالدين والأولاد] قال: ويجبر الرجل على نفقة والديه، وولده الذكور والإناث، إذا كانوا فقراء، وكان له ما ينفق عليهم. ش: أما كون الرجل يجبر على نفقة والديه، وولده الذكور والإناث، فليأت بالواجب، وبيان الوجوب أما في حق الوالدين فلقول الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: ٣٦] ومن الإحسان لهما الإنفاق عليهما عند حاجتهما إلى ذلك.
٢٨٧١ - وعن كليب بن منفعة «عن جده - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أنه أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: «أمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب، ورحم موصولة» رواه أبو داود، وأما في حق الأولاد فلقول الله سبحانه: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ٦] وقال: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٣] «وحديث هند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» مع أن هذا إجماع في المسألتين في الجملة، حكاه ابن المنذر فقال: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال، واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال، الذين لا مال لهم.
ويدخل في كلام الخرقي في الوالدين الأجداد والجدات وإن علوا، وفي الولد ولد الولد وإن سفل، وهو كذلك، بدليل قوله سبحانه: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: ١١] دخل فيه ولد البنين، وقال سبحانه: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: ١١] يدخل فيه الأجداد، وقال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: ٧٨] واشترط الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لوجوب النفقة على من تقدم شرطين (أحدهما) أن يكون المنفق عليهم فقراء أي لا مال لهم، ولا كسب يقوم بكفايتهم، إذ النفقة تجب على سبيل المواساة، والغني مستغن عن المواساة، (الثاني) أن يكون للمنفق ما ينفق عليهم، إما من مال أو صناعة ونحو ذلك، فاضلا عن نفقة نفسه وزوجته.
٢٨٧٢ - لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لرجل: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، وإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
٢٨٧٣ - وعن «طارق المحاربي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قدمت المدينة وإذا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قائم على المنبر يخطب، وهو يقول: «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» رواه النسائي.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط غير ذلك، إلا أنه يذكر بعد أن السيد تلزمه نفقة رقيقه، ولا يلزم ابنه نفقته، وإن كان حرا، وهو كذلك بلا ريب، فإذًا الشروط ثلاثة (ثالثها) أن لا يكون أحدهما رقيقا، ولا بد (من شرط رابع) وهو أن يتحد دينهما، فإن اختلف فلا نفقة لأحدهما على صاحبه، لأن النفقة مواساة على سبيل البر والصلة، ولا صلة مع اختلاف الدين، ولأنهما غير متوارثين، فلم تجب لأحدهما نفقة على الآخر، كما لو كان أحدهما رقيقا، ولا نزاع في اشتراط هذا الشرط في غير عمودي النسب، وفي عمودي النسب روايتان، نص عليهما في الأب الكافر، هل تجب عليه نفقة ولده المسلم، وخرجهما القاضي في العكس، وأبو محمد ينصر عدم الوجوب مطلقا، عكس ظاهر كلام الخرقي، فإن ظاهره الوجوب في عمودي النسب، لأنه لم يشترط ذلك، وعدم الوجود في غيرهم، كما هو متفق عليه، لقوله بعد: أجبر وارثه. فاشترط الإرث، فدل ذلك على اشتراط الاتفاق في الدين، واختلف في (شرط خامس) وهو أن المنفق عليه هل من شرطه أن يكون زمنا ونحو ذلك، أو لا يشترط ذلك؟ لا نزاع فيما علمت أن الوالدين لا يشترط فيهما ذلك، وهو مقتضى كلام الخرقي، واختلف فيمن عداهما، وعن أحمد ما يدل على روايتين، ومختار القاضي وأبي محمد عدم الاشتراط مطلقا، كما هو ظاهر كلام الخرقي، إناطة بالحاجة، وتمسكا بقول «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك» وهو واقعة عين.
[نفقة الصبي أو الصبية إذا لم يكن له أب وكان فقيرا]
لقول الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ٦] وقال: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: ٢٣٣] «وقال – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فجعل النفقة على أبيهم دونها، وحيث أوجبنا النفقة على الوارث فإنها على قدر ميراثه من المنفق عليه، لأنه لو ورث الجميع لوجب عليه الجميع، فإذا ورث البعض وجب عليه بقدره، إذ السبب هو الإرث.
وفرع الخرقي على ذلك فقال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فإن كان للصبي أم وجد، فإن على الأم ثلث النفقة، وعلى الجد الثلثين، وإن كانت جدة وأخا فعلى الجدة السدس، والباقي على الأخ، وعلى هذا المعنى حساب النفقات.
ش: لا ريب أن الأم والجد يرثان المال أثلاثا، فتكون النفقة عليهما أثلاثا، ولا ريب أن الجدة ترث السدس، فيكون عليها من النفقة بقدر ذلك، والأخ يرث الباقي، فيكون عليه باقي النفقة، وعلى هذا أبدا، فلو كان له أم أم وأم أب، فالنفقة عليهما نصفين، لتساويهما في الإرث، وظاهر كلام الخرقي أنها تجب بالقسط، وإن كان بعضهم موسرا والآخر معسرا، وهذا إحدى الروايتين (والرواية الأخرى) : تجب على الموسر والحال هذه كل النفقة، ففي الجدة والأخ إذا كان الأخ موسرا، والجدة معسرة، هل على الأخ خمسة أسداس النفقة حصة إرثه، أو كلها، لأن من معه كالمعدوم؟ على الروايتين.
[نفقة الرقيق]
[نفقة المعتق إذا كان فقيرا] قال: وعلى المعتق نفقة معتقه إذا كان فقيرا، لأنه وارثه. ش: هذا مبني على ما تقدم من أن الوارث تجب عليه نفقة موروثه، وحديث كليب - وقد تقدم - صريح في ذلك، ويشترط في وجوب الإنفاق الشروط المذكورة، إذ هذا فرع مما تقدم.
{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٦] ولأن الحمل ولده، ولا يمكنه الإنفاق عليه إلا بالإنفاق عليها، فوجب نظرا إلى أن ما يتوقف عليه الواجب واجب،
٢٨٧٦ - وعن الشعبي عن فاطمة أيضا «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المطلقة ثلاثا قال: «ليس لها سكنى ولا نفقة» رواه أحمد ومسلم، وفي رواية عنها قالت: «طلقني زوجي ثلاثا، فلم يجعل لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سكنى ولا نفقة» ، رواه الجماعة إلا البخاري، وأيضا قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٦] مفهومه أنهن إذا لم يكن أولات حمل لا نفقة لهن.
وقد اعترض على خبر فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بأن من شرط قبول خبر الواحد أن لا ينكره السلف، وهذا الخبر قد أنكر.
٢٨٧٧ - فعن الشعبي أنه حدث بحديث فاطمة بنت قيس «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود بن يزيد كفا من حصباء فحصبه به، وقال: ويلك تحدث بمثل هذا، قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا، لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» ، رواه مسلم وغيره.
٢٨٧٨ - وعن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لقد عابت ذلك عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أشد العيب، يعني حديث فاطمة بنت قيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه أبو داود وابن ماجه، وأخرجه البخاري تعليقا.
٢٨٧٩ - وعن سليمان بن يسار في خروج فاطمة قال: إنما كان ذلك من سوء الخلق، رواه أبو داود مرسلا.
٢٨٨٠ - وعن ميمون بن مهران قال: قدمت المدينة فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: فاطمة بنت قيس طلقت فخرجت من بيتها، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، إنما كانت لسنة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم (وقد أجيب) بأن هذا ليس بشرط عندنا، إنما الشرط صحة الخبر، ولا ريب في صحة خبرها، وقد قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، -وسئل عن الأمور المختلفة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد رد أحد الأمرين بعض الخلفاء، مثل حديث فاطمة بنت قيس: هل لنا العمل بما يرد الخليفة فقال -: كان ذلك منه على احتياط، وقد كان عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقبل من غير واحد قوله وحده، ولا يكون ذلك دفعا للآخر، ثم إنكار عمر قد طعن في صحته الإمام أحمد، قال أبو داود: وسمعت أحمد وذكر له حديث عمر: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا، يصح هذا عن عمر؟ قال: لا. وقال الفضل بن زياد: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن المطلقة ثلاثا هل لها سكنى أو نفقة، وكيف حديث فاطمة؟ فأتاني الجواب: أما الذي نذهب إليه فعلى حديث فاطمة، وأما ما يروى عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة. فإنا نرى أن ذلك وهم ممن روى عن عمر، لأن الكتاب يطلق لعدتها، قال: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١] وقال: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٦] فإن قيل: حديث عمر قد رواه مسلم وأبو داود، والترمذي وغيرهم، قيل: لقد أنكره شيخهم، ومن هو أعلم بالآثار منهم، ثم يدل على ضعفه اختلاف ألفاظه، ففي السنن ما تقدم، وقال أحمد وقد ذكر له هذا فقال: أما هذا فلا، ولكن قال: لا نقبل في ديننا قول امرأة. وقال الدارقطني: قوله: وسنة نبينا، غير محفوظ، لم يذكرها جماعة من الثقات، ثم لو صح ذلك لم يكن فيه حجة، إذ لا حجة لأحد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم إن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - استند في إنكاره إلى كتاب الله وسنة الرسول، ولا يعرف في سنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يخالف خبر فاطمة، وكذلك ليس في الكتاب ما يخالفه كما تقدم عن أحمد، فإن الآية الكريمة إنما تدل على الطلاق الرجعي، والإنفاق على الحامل نفقة والد على ولده، لا نفقة زوج على زوجته، وقد قال محمد بن العباس النسائي: سألت أبا عبد الله: ما تقول في حديث عمر: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها؟ فقال: لا نعرف في كتاب الله ذكرا، ولا في سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وقال إسماعيل بن إسحاق: نحن نعلم أن عمر لا يقول لا ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في كتاب الله تعالى، والذي في الكتاب أن لها النفقة إن كانت حاملا، لقوله سبحانه: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٦] أما غير ذات الحمل فلا يدل الكتاب إلا على أنهن لا نفقة لهن، لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق. ٢٨٨١ - ورضي الله عن فاطمة، فعن «عبيد الله - وهو ابن عبد الله بن عتبة - قال: أرسل مروان إلى فاطمة فسألها، فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص، وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر علي بن أبي طالب على بعض اليمن، فخرج معه زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وأمر عياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا: والله ما لها نفقة إلا أن تكون حاملا، فأتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا» فاستأذنته في الانتقال، فأذن لها، فقالت: أين أنتقل يا رسول الله؟ فقال: «عند ابن أم مكتوم» وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يبصرها، فلم تزل هناك حتى مضت عدتها، فأنكحها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسامة، فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره بذلك، فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها ذلك: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] . . . {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١] قالت: فأي أمر يحدث بعد الثلاث» . رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وزعم أبو مسعود الدمشقي أنه مرسل، فقد بينت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن الكتاب إنما دل على ما قالت، وأما قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: إن نقلتها إنما كان لكونها كانت في مكان وحش، فليس في حديثها ما يدل على ذلك، ولو كان فيه لما جاز لها تركه، بل قد تقدم عنها في مسلم «أنها قالت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المطلقة ثلاثا، قال: «ليس لها سكنى ولا نفقة» وهذا يشملها وغيرها، وقد تقدم أيضا في السنن أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نفقة لك إلا أن تكون حاملا» فعلل استحقاقها النفقة بالحمل، ولو كان استحقاقها النفقة بالطلاق لكان ذكر الحمل عديم التأثير، وما ذكر عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار فالجواب عنه كذلك، ثم قد خالف عمر وعائشة ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
٢٨٨٢ - قال أحمد: روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: لا نفقة لها ولا سكنى. إذا طلقت ثلاثا. ٢٨٨٣ - ويروى ذلك عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وإذا وقع التنازع بين الصحابة وجب الرجوع إلى الله وإلى الرسول. انتهى. وفي السكنى لها روايتان (إحداهما) لا سكنى لها، وهي اختيار الخرقي، والقاضي وغيرهما، اعتمادا على حديث فاطمة المتقدم، (والثانية) لها السكنى، اعتمادا على قَوْله تَعَالَى: {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: ٦] الآية، وقد يجاب عنه بأنه في الرجعية كما تقدم، هذا كله إذا كان الطلاق بائنا كما تقدم، أما إن كان رجعيا فلها السكنى والنفقة بلا نزاع، للآية الكريمة.
٢٨٨٤ - وفي «خبر فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة لها ولا سكنى» رواه أحمد. ولأنها في حكم الزوجات في الإرث والطلاق، وغير ذلك، فكذلك في النفقة، والله أعلم. [نفقة المختلعة]
وقوله سبحانه: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: ٦] ومتى اختلفا فقد تعاسرا (المسألة الثانية) أن الأم إذا شاءت أن ترضعه بأجرة مثلها كان لها ذلك، وقدمت على غيرها إذا كانت مفارقة من الزوج بلا نزاع،
فتدخل في قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: ٦] نعم لو طلبت أكثر من أجرة المثل، ولم يوجد من ترضعه إلا بمثل تلك الأجرة، فقال أبو محمد: الأم أحق، لتساويهما في الأجرة، وميزة الأم، وقوله: فتكون أحق به. مقتضاه وإن وجد متبرعة برضاعه، وهو كذلك، اعتمادا على إطلاق الآية الكريمة، والله سبحانه أعلم. [