وإن حرم على نفسه شيئا، وقال: ما أحل الله علي حرام، فهي يمين. سواء أطلق ذلك، أو علقه على شرط، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله تعلى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} يعني: التكفير.
وأخرج النسائي عنه: " أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما فقال: كذبت، ليست عليك حرام، ثم تلا هذه الآية: " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك. تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور
(وإن استباحه) أي: طلب أن يكون مباحا كما كان (كفر) فيه إيماء إلى أنه يمين وكان كذلك لقوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} (التحريم: ٢) بعد قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} (التحريم: ١) قال أنس: (كانت له أمة يطؤها فلم تزل عائشة وحفصة به حتى حرمها على نفسه) رواه النسائي قيل: فيه نظر لأنه - صلى الله عليه وسلم - حلف صريحا فنزلت بأن قال: (والله لا أقربها) ، كما في (الكشاف) .
(شيئًا من الحلال غير زوجته، كقوله: ما أحلَّ الله عليَّ حرام -ولا زوجة له- أو) قوله: (هذا الطعام عليَّ حرام، أو: طعامي عليَّ كالميتة والدم ونحوه) كلحم الخنزير (أو علَّقه) أي: التحريم (بشرط، مثل: إن أكلته) أي: هذا الطعام (فهو عليَّ حرام، أو) قال: (حرام عليَّ إن فعلتُ كذا، ونحوه؛ لم يحرم) لأنه تعالى سَمَّاه يمينًا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .} إلى قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} واليمين على الشيء لا تُحَرِّمه؛
(من طعام أو أمة، أو لباس، أو غيره؛ كقوله: ما أحل الله علي حرام، ولا زوجة له، ونحوه) ؛كقوله: ما يحصل من كسب فهو علي حرام، (أو) قال: (طعامي علي كالميتة والدم) ، أو كلحم الخنزير، (أو علقه) أي: علق التحريم (بشرط؛ كـ) قوله عن طعام: (إن أكلته فهو علي حرام: لم يحرم) في الأصح؛ لأن الله سبحانه وتعالى سمَّاه يميناً بقوله سبحانه وتعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} -إلى قوله سبحانه وتعالى-: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}.
(ومن حرم حلالا سوى زوجته) ؛ لأن تحريمها ظهار كما تقدم، سواء كان الذي حرمه (من أمة، أو طعام، أو لباس، أو غيره) كقوله ما أحل الله علي حرام ولا زوجة له، أو قال: طعامي علي كالميتة (لم يحرم) عليه، لأن الله سماه يمينا بقوله:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} ، واليمين على الشيء لا تحرمه،
الجواب: نعم؛ فيه أنواع ـ ولشيخ الإِسلام ابن تيمية رسالة في أنواع الاستفتاحات ـ منها ما ثَبَتَ في «الصَّحيحين» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:«كان النَّبيُّ ﷺ إذا كبَّرَ للصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيتَ سكوتَك بين التكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال: أقول: «اللَّهُمَّ بَاعدْ بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللَّهُمَّ نقِّني مِن خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنسِ، اللَّهُمَّ اغسلني مِن خَطَايَاي بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ». وهذا أصحُّ من الحديث الذي فيه الاستفتاح بـ «سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِك … »، وكلٌّ مِن النوعين جائزٌ وسُنَّةٌ، وينبغي للإِنسان أن يستفتحَ بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة؛ ليأتي بالسُّنَنِ كلِّها، وليكون ذلك إحياءً للسُّنَّة. ولأنه أحضرُ للقلب؛ لأن الإِنسان إذا التزم شيئاً معيَّناً صار عادةً له، حتى إنه لو كَبَّر تكبيرةَ الإِحرام وغَفَلَ ومِن عادته أن يستفتح بـ «سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِك» يَجِدُ نفسَه قد شَرَعَ فيه بدون قصد.
شرح الاستفتاح الوارد في حديث أبي هريرة:«اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خَطاياي … ».
ثَبَتَ في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان النبيُّ ﷺ إذا كَبَّرَ للصلاة سكت هُنيَّةً» ومِن حِرْصِ أبي هريرة رضي الله عنه على العِلم بشهادةِ النبيِّ ﷺ له حين قال له: يا رسول الله، مَنْ أسعدُ النَّاسِ بشفاعتِكَ يومَ القيامةِ؟ قال: «لقد ظَنَنتُ ـ يا أبا هريرة ـ أن لا يسألَنِي عن هذا الحديث أحدٌ أوَّلُ منك، لِمَا رأيتُ مِن حرصِك على الحديثِ. ثم قال: أسعدُ النَّاسِ بشفاعتِي يومَ القيامةِ: مَنْ قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه» . أنه لما رأى النبيَّ ﷺ يسكتُ بين التكبيرِ والقراءة، عَلِمَ أنه لا بُدَّ أن يقول شيئاً، لأنَّ الصلاة ليس فيها سكوتٌ مطلقٌ فقال:«أرأيتَ سكوتَك بين التكبير والقراءةِ؛ ما تقولُ؟» وكلمة «ما تقول» تدلُّ على أنه يعتقد أنه يقول شيئاً؛ لأنه لم يقل: هل أنت ساكتٌ؟ قال: أقول: «اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خَطَايَاي كما باعدت بين المشرق والمغرب» ومعناه: أنه سأل الله أن يُباعد بينه وبين خطاياه؛ كما باعَدَ بين المشرقِ والمغربِ، والمباعدة بين المشرق والمغرب هو غاية ما يبالغ فيه النَّاسُ، فالنَّاسُ يبالغون في الشيئين المتباعدين إمَّا بما بين السماء والأرض، وإما بما بين المشرقِ والمغربِ، ومعنى «باعِدْ بيني وبين خَطَاياي» أي: باعِدْ بيني وبين فِعلِها بحيث لا أَفْعَلُها، وباعِدْ بيني وبين عقوبِتها.
وقوله:«اللَّهُمَّ نقِّني مِن خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنس»، هذه الجملةُ تدلُّ على أنَّ المرادَ بذلك الخطايا التي وقعت منه، لأنه قال:«نقِّني منها كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنس». أي: كما يُغسل الثوبُ الأبيضُ إذا أصابه الدَّنس فيرجع أبيض، وإنما ذَكَرَ الأبيضَ؛ لأن الأبيض هو أشدُّ ما يؤثِّر فيه الوسخ؛ بخلاف الأسود، ولهذا في أيام الشتاء الثياب السوداء تبقى شهراً أو أكثر، لكن الأبيض لا يبقى أسبوعاً إلا وقد تدنَّسَ، فلهذا قال:«كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ مِن الدَّنَسِ» وهذا ظاهرٌ أنه في الذُّنوب التي فَعَلَهَا يُنقَّى منها، وبعد التنقية قال:«اللَّهُمَّ اغسلْنِي مِن خطاياي بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ».
إذاً؛ فالذي يظهر: أنَّ الجملةَ الأُولى في المباعدة، أي: أن لا أفعلَ الخطايا، ثم إن فَعلتُها فنقِّني منها، ثم أزِلْ آثارَها بزيادة التطهير بالماء والثَّلجِ والبَرَدِ، فالماء لا شَكَّ أنه مطهِّرٌ، لكن الثَّلجُ والبَرَدُ مناسبته هنا أنَّ الذُّنوب آثارها العذابُ بالنَّارِ، والنَّارُ حارَّة، والحرارةُ يناسبها في التنقية منها الشيء البارد، فالماء فيه التنظيف، والثَّلجُ والبَرَدُ فيهما التبريدُ.
هذا هو معنى حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وبقي أن يُقال: هل الخطأ يقع مِن النبيِّ ﷺ؟
الجواب: قال النبيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغسلْنِي مِن خطاياي» فأضاف الخطايا إلى نفسِه، وكان يقول:«اللَّهُمَّ اغفِرْ لي ذنبي كُلَّه، دِقَّهُ وجِلَّهُ، وأوَّلَه وآخره، وعَلانيته وسِرَّه» وقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقال الله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ولكن الشأن كلُّ الشأن هل الذُّنوب هذه تبقى أم لا؟
الجواب: لا، فالنبيُّ ﷺ معصومٌ مِن الإِقرارِ على الذَّنبِ، ومغفورٌ له، بخلاف غيره، فإنه يذنب، وقد يُقَرُّ على ذلك ويستمرُّ في معصيته، وقد لا يُغفر له، أما النَّبيُّ ﷺ فلا بُدَّ أن يُنبَّه عليه مهما كان الأمر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [التحريم]. هذا هو فَصْلُ الخطاب في هذه المسألة التي تنازعَ النَّاسُ فيها، لكن هناك مِن الذنوب ذَنْبٌ لا شَكَّ أنَّ النبيَّ ﷺ معصومٌ منه، وهو الكذبُ والخيانة؛ لأنه لو قيل بجواز ذلك عليه؛ لكان في ذلك قَدْحٌ في رسالته عليه الصلاة والسلام، فلا يمكن أن يقعَ منه. كذلك أيضاً معصوم مما يُخلُّ بأصل العبادة وأصلِ الأخلاق، كالشِّركِ، وكسفاسف الأخلاق مثل الزِّنا وشبهه، لكن الخطايا التي بينه وبين ربِّه هذه قد تقعُ منه ولكنها خطايا صغيرة تُكَفَّر، وقد غَفَرَ اللَّهُ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخَّر.
قلتُ: ذلك؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن كلَّ شيء وَصَفَ النبيُّ ﷺ نفسَه به من الذُّنوبِ فالمراد ذنوبُ أُمَّتِه؛ لا ذنبه هو؛ لأنه هو لا يُذنب، وكلُّ خطيئة أضافها لنفسه فالمراد خطايا أُمَّتِه، ولا شَكَّ أن هذا قول فيه ضعف؛ لأن الله قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن العطف يقتضي المغايرة، وليس في ذلك أيُّ قَدْح في أنَّ الرسول ﷺ يقعُ منه الذُّنوب الصغيرة، ولكنه لا يُقَرُّ عليها، ثم هو مغفورٌ له، وما أكثر ما يكون الإِنسان منَّا بعد المعصية خيراً منه قبلها، وفي كثير من الأحيان يخطئ الإِنسان ويقع في معصية، ثم يَجدُ مِن قلبِه انكساراً بين يدي الله عز وجل وإنابةً إلى الله، وتوبةً إليه حتى إن ذَنْبَه يكون دائماً بين عينيه يندم عليه ويستغفر، وقد يرى الإِنسانُ نفسَه أنه مطيع، وأنه من أهل الطاعة فيصير عنده من العُجب والغرور وعدم الإِنابة إلى الله ما يفسد عليه أمر دينه، فالله عز وجل حكيم قد يبتلي الإِنسان بالذنب ليُصلح حالَه، كما يبتلي الإِنسانَ بالجوع لتستقيم صحَّته. وهل حصل لآدم الاجتباء إلا بعد المعصية والتوبة منها.
كما قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ أي: بعد أن أذنبَ وتابَ؛ اجتباه ربُّه فتاب عليه وهداه، وانظر إلى الذين تخلَّفوا في غزوة تبوك ماذا حصل لهم؟ لا شَكَّ أنه حصل لهم من الإِيمان، ورِفْعَةِ الدرجات، وعلوِّ المنزلة ما لم يكن قبل ذلك، وهل يمكن أن تنزل آيات تُتلى إلى يوم القيامة في شأنهم لولا أنهم حصل منهم ذلك ثم تابوا إلى الله؟
والمُهمُّ أن الإِنسان لا يُعصم مِن الخطأ، ولكن الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ معصومون مما أشرنا إليه، ومعصومون مِن الإِقرار على الصغائر، بل لا بُدَّ أن يتوبوا منها.
مسألة: هل يجمع بين أنواع الاستفتاح؟
الجواب: لا يجمع بينها، لأن النبيَّ ﷺ أجاب أبا هريرة رضي الله عنه حين سأله بأنه يقول:«اللَّهُمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي» … إلخ. ولم يذكر «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِك» فدلَّ على أنه لا يجمع بينها.
فهذان نوعان من الاستفتاحات، وبقيت أنواعٌ أُخرى بعضُها في صلاة الليل خاصَّة، فليُرجع إليها في المطوَّلات.
مسألة: هل يستفتح في صلاة الجنازة؟ فيه خلاف :
قال بعض العلماء: يَستفتح، لأنها صلاة، والنبيُّ ﷺ يَستفتح في الصَّلاةِ. والمشهور من المذهب: أنه لا يَستفتح؛ لأنها مبنيَّة على التَّخفيف، فلا ركوع فيها، ولا سجود، ولا تشهُّد؛ مما يدلُّ على أن الشارع لاحَظَ فيها التخفيفَ؛ وهذا أقربُ.
ثمَّ يَسْتَعِيذُ، ..........
وإذا قال: حرَّمت سيارتي، فهذا يحتمل أن المعنى حرمها أي: حلف ألا يركبها؛ لأن التحريم يمين، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ، فيحتمل أن يقال: حرَّمتها، أي: حرَّمت ركوبها والانتفاع بها، وحينئذٍ يكون ذلك يميناً،
وكذلك أنت علي حرام قصده أن يمتنع من زوجته، فنقول: هذا يمين لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ، فقوله: ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ «ما» اسم موصول يفيد العموم فهو شامل للزوجة، وللأمة، وللطعام، والشراب، واللباس، فحكم هذا حكم اليمين، قال ابن عباس رضي الله عنهما : «إذا قال لزوجته: أنت علي حرام فهي يمين يكفرها» ، وهذه هي الحال الأولى.
لكن قوله:«أنتِ علي حرام»، لا تساوي «أنت علي كظهر أمي»، لأن عندنا نصاً في القرآن، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ، فجعل الله التحريم يميناً، وإخراج الزوجة من هذا العموم يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
فإن الإيلاء يثبت، والدليل على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ ـ ٢]، والأحاديث الواردة في هذا فيها أن الرسول ﷺ آلى من نسائه شهراً ، هذا إذا قلنا: إنه حَرَّم نساءه،
وإذا كان الأصل أنه يمين صار حكمه حكم اليمين، فيكفر كفارة يمين وتحل له، والدليل على هذا قول الله تبارك وتعالى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ، والزوجة مما أحل الله له،
فالصواب: أن عليها كفارة يمين فقط؛ لأنه لا يعدو أن تكون قد حرَّمته ـ أي الزوج ـ فيكون داخلاً في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ،
والدليل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وهذه الآية نزلت لما حرم النبي ﷺ على نفسه العسل في قصة مشهورة ، تنظر في تفسير ابن كثير وغيره.
فإذا قال قائل: النبي ﷺ إنما حرم العسل؟ فالجواب: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالله عز وجل لم يقل للنبي:«يا أيها النبي لِم تحرم العسل؟»، وإنما قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ و (ما) من صيغ العموم فتشمل حتى الزوجة.
فإن قال ما أحل الله حرام علىّ ولا زوجة له أو هذا الطعام علي حرام أو طعامي كالميتة والدم ونحوه أو علقة بشرط كان أكله فهو على حرام (لم يحرم) لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}، {قَدْ فَرَضَ اللَّه لَكُمْ تَحِلَّة أَيْمَانكُمْ}
وقال سعيدٌ : ثَنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ وابنَ مسعودٍ قالوا في الحرامِ: إنَّه يَمِينٌ. وبه قال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ. وعن أحمدَ ما يدُلُّ على ذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال:{لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}. ثم قال:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}.
لا يَلْزَمُها شيءٌ. فإن قال لأمَتِه: أنتِ عليَّ حرامٌ. فعليه كفَّارَةُ يَمِين؛ لقَوْلِ الله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوْلِه: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ}. نزَلَتْ في تَحْريمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لجارِيته في قَوْلِ بعْضِهم. ويُخَرَّجُ على الرِّوايَةِ الأخْرى أن تَلْزَمَه كفَّارَةُ ظِهارٍ؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ ظِهارٌ. والأوَّلُ هو الصحِيحُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
٣٧٢٦ -
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس بيَمِينٍ، ولا شيءَ عليه، لأنَّه قَصَد تَغْيِيرَ المَشْرُوعِ، فَلَغا ما قَصَدَه، كما لو قال: هذه ابْنَتِي. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى:{يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ} إلى قولِه: {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ}. سَمَّى تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللهُ يَمِينًا، وفَرَض له تَحِلَّةً، وهو الكَفَّارَةُ. وقالت عائِشَةُ: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَمْكُثُ عندَ زَينَبَ بنتِ جَحْشٍ، ويَشْرَبُ عندَها عَسَلًا، فتَواطَيتُ أنا وحَفْصَةُ، أنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ فدَخَلَ على إحْدانا، فقالتْ له ذلك، فقال:«لَا، بَل شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينَبَ بنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أَعُودَ».
أما كون من حرم ما ذكر لا يحرم على المذهب؛ فلأن الله تعالى سمى ذلك يميناً فقال:{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ... -إلى قوله-: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}.
وإن نوى الطلاق أو الظهار انصرف إلى ذلك لعموم قَوْله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: ١] الآية إلى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ٢] وهذا قد حرم ما أحل الله له، فدخل في الآية. ٢٧٥٤ -
وفي لفظ أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي على حراما. فقال: كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: ١] أغلظ الكفارة عتق رقبة؛ رواه النسائي (المسألة الرابعة) إذا حرم عضوا من أعضائها، كأن قال: يدك علي حرام. أو يدك علي كيد أمي. أو كظهرها، ونحو ذلك، فالمذهب المنصوص المشهور أنه يكون مظاهرا، لأن التحريم إذا ثبت في العضو سرى في الجميع، لامتناع تحريم البعض وحل البعض، وصار ذلك كما لو طلق يدها ونحو ذلك.
نص عليه أحمد، مستدلا بحديث العسل، وهو الذي نزل فيه على الصحيح قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: ١] {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: ٢] فسمى سبحانه تحريم ما أحله يمينا، وفرض له تحلة وهي الكفارة، وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية.
٣٦٨٧ - «فعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة رض الله عنهما حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: ١] » . رواه النسائي،