يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٢٦
التفسير
يا بني آدم قد جعلنا لكم لباسًا يستر عوراتكم، وهو لباس الضرورة، ولباسًا للزينة والتجمل، وهو من الكمال والتنعم. ولباسُ تقوى الله تعالى بفعل الأوامر واجتناب النواهي هو خير لباس للمؤمن. ذلك الذي مَنَّ الله به عليكم من الدلائل على ربوبية الله تعالى ووحدانيته وفضله ورحمته بعباده; لكي تتذكروا هذه النعم، فتشكروا لله عليها. وفي ذلك امتنان من الله تعالى على خَلْقه بهذه النعم.
يمتن تبارك وتعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والرياش فاللباس المذكور هاهنا لستر العورات -وهي السوآت والرياش والريش: هو ما يتجمل به ظاهرًا، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات. ابن كثير ٤/ ٣٩٩ابن كثير ٤/ ٣٩٩
قال ابن جرير: "الرياش" في كلام العرب: الأثاث، وما ظهر من الثياب.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -وحكاه البخاري - عنه: الرياش: المال. وكذا قال مجاهد، وعُرْوَة بن الزبير، والسُّدِّي والضحاك
وقال العَوْفي، عن ابن عباس: "الرياش" اللباس، والعيش، والنعيم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "الرياش" : الجمال.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أصْبَغُ، عن أبي العلاء الشامي قال: لبس أبو أمامة ثوبًا جديدًا، فلما بلغ تَرْقُوَتَه قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي. ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "من استجد ثوبًا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي ثم عمد إلى الثوب الذي خَلُقَ أو: ألقى فتصدق به، كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله حيا وميتا، [حيا وميتا، حيا وميتا] " .
ورواه الترمذي، وابن ماجه، من رواية يزيد بن هارون، عن أصبغ -هو ابن زيد الجهني -وقد وثقه يحيى بن مَعِين وغيره، وشيخه "أبو العلاء الشامي" لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولكن لم يخرجه أحد، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا مختار بن نافع التمار، عن أبي مطر؛ أنه رأى عليا، رضي الله عنه ، أتى غلامًا حدثًا، فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول ولبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبي الله ﷺ ؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقول عند الكسوة: "الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي "
وقوله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) قرأ بعضهم: "ولباسَ التقوى" ، بالنصب. وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء، (ذَلِكَ خَيْرٌ) خبره.
واختلف المفسرون في معناه، فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة. رواه ابن أبي حاتم. ابن كثير ٤/ ٤٠٠ابن كثير ٤/ ٤٠٠
وقال زيد بن علي، والسُّدِّي، وقتادة، وابن جُريْج: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) الإيمان.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس [ رضي الله عنه : (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) ] العمل الصالح.
وقال زياد بن عمرو، عن ابن عباس: هو السمت الحسن في الوجه.
وعن عُرْوَة بن الزبير: (لِبَاسُ التَّقْوَى) خشية الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (لِبَاسُ التَّقْوَى) يتقي الله، فيواري عورته، فذاك لباس التقوى.
وكل هذه متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال:
حدثني المثنى، حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان، رضي الله عنه ، على منبر رسول الله ﷺ عليه قميص قُوهي محلول الزرّ، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام. ثم قال: يا أيها الناس، اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفس محمد بيده، ما عمل أحد قط سرا إلا ألبسه الله رداء علانية، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر" . ثم تلا هذه الآية: "ورياشًا" ولم يقرأ: وريشًا - (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) قال: "السمت الحسن" .
هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم وفيه ضعف. وقد روى الأئمة: الشافعي، وأحمد، والبخاري في كتاب "الأدب" من طرق صحيحة، عن الحسن البصري؛ أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام، يوم الجمعة على المنبر.
وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهدًا من وجه آخر، حيث قال: حدثنا .... ابن كثير ٤/ ٤٠١ابن كثير ٤/ ٤٠١
لا كتاب مختار.