القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ١

سورة النبإ، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةالدر المنثور في التفسير بالمأثورالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

عن أيِّ شيء يسأل بعض كفار قريش بعضاً؟ يتساءلون عن الخبر العظيم الشأن، وهو القرآن العظيم الذي ينبئ عن البعث الذي شك فيه كفار قريش وكذَّبوا به.

الدر المنثور في التفسير بالمأثورالسيوطي، ت ٩١١هـ

أخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْحسن قَالَ: لما بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعلُوا يتساءلون بَينهم فَنزلت {عَم يتساءلون عَن النبإ الْعَظِيم}

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {يتساءلون عَن النبإ الْعَظِيم} قَالَ: الْقُرْآن

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {عَم يتساءلون عَن النبإ الْعَظِيم} قَالَ: الْقُرْآن

وَفِي قَوْله: {الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلفُونَ} قَالَ: مُصدق بِهِ ومكذب

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة {عَم يتساءلون عَن النبإ الْعَظِيم الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلفُونَ} قَالَ: هُوَ الْبَعْث بعد الْمَوْت صَار النَّاس فِيهِ رجلَيْنِ مُصدق ومكذب فَأَما الْمَوْت فاقروا بِهِ كلهم لمعاينتهم إِيَّاه وَاخْتلفُوا فِي الْبَعْث بعد الْمَوْت

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن فِي قَوْله: {كلا سيعلمون ثمَّ كلا سيعلمون} قَالَ: وَعِيد بعد وَعِيد

وَأخرج ابْن جرير عَن الضَّحَّاك {كلا سيعلمون} الْكفَّار {ثمَّ كلا سيعلمون} الْمُؤْمِنُونَ وَكَذَلِكَ كَانَ يقْرؤهَا

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {ألم نجْعَل الأَرْض مهاداً} قَالَ: فرشت لكم {وَالْجِبَال أوتاداً} قَالَ: أوتدت بهَا لكم

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {ألم نجْعَل الأَرْض مهاداً} إِلَى قَوْله: {معاشاً} قَالَ: نعم من الله يعددها عَلَيْك يَا ابْن آدم لتعمل لأَدَاء شكرها

وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما أَرَادَ الله أَن يخلق الْخلق أرسل الرّيح فنسفت المَاء حَتَّى أبدت عَن حَشَفَة وَهِي الَّتِي تَحت الْكَعْبَة ثمَّ مد الأَرْض حَتَّى بلغت مَا شَاءَ الله من الطول وَالْعرض وَكَانَت هَكَذَا تميد وَقَالَ بِيَدِهِ وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَجعل الله الْجبَال رواسي أوتاداً فَكَانَ أَبُو قبيس من أول جبل وضع فِي الأَرْض

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن قَالَ: إِن الأَرْض أول مَا خلقت خلقت من عِنْد بَيت الْمُقَدّس وضعت طِينَة فَقيل لَهَا: اذهبي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وخلقت على صَخْرَة والصخرة على حوت والحوت على المَاء فَأَصْبَحت وَهِي تميع السيوطي ٨/ ٣٩٠السيوطي ٨/ ٣٩٠

فَقَالَت الْمَلَائِكَة: يَا رب من يسكن هَذِه فَأَصْبَحت الْجبَال فِيهَا أوتاداً فَقَالَت الْمَلَائِكَة: يَا رب أخلقت خلقا هُوَ أَشد من هَذِه قَالَ: الْحَدِيد

قَالُوا: فخلقت خلقا هُوَ أَشد من الْحَدِيد قَالَ: النَّار

قَالُوا: فخلقت خلقا هُوَ أَشد من النَّار قَالَ: المَاء

قَالُوا: فخلقت خلقا هُوَ أَشد من المَاء قَالَ الرّيح

قَالُوا: فخلقت خلقا هُوَ أَشد من الرّيح قَالَ: الْبناء

قَالُوا: فخلقت خلقا هُوَ أَشد من الْبناء قَالَ: آدم

وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {وخلقناكم أَزْوَاجًا} قَالَ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَفِي قَوْله: {وَجَعَلنَا النَّهَار معاشاً} قَالَ: يَبْتَغُونَ من فضل الله وَفِي قَوْله: {وَجَعَلنَا سِرَاجًا وهاجاً} قَالَ: يتلألأ {وأنزلنا من المعصرات} قَالَ: الرّيح {مَاء ثجاجاً} قَالَ: منصباً ينصب

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر والخرائطي فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق عَن قَتَادَة {وَجَعَلنَا سِرَاجًا وهاجاً} قَالَ: الْوَهَّاج الْمُنِير {وأنزلنا من المعصرات} قَالَ: من السَّمَاء وَبَعْضهمْ يَقُول من الرّيح {مَاء ثجاجاً} قَالَ: الثجاج المنصب

وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {وَجَعَلنَا سِرَاجًا وهاجاً} قَالَ: مضيئاً {وأنزلنا من المعصرات} قَالَ: السَّحَاب {مَاء ثجاجاً} قَالَ: منصباً

وَأخرج أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {سِرَاجًا وهاجاً} قَالَ: يتلألأ

وَأخرج الطستي عَن ابْن عَبَّاس إِن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن قَوْله: {وأنزلنا من المعصرات} قَالَ: السَّحَاب يعصر بَعْضهَا بَعْضًا فَيخرج المَاء من بَين السحابتين

قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم أما سَمِعت قَوْله: النَّابِغَة: تجْرِي بهَا الْأَرْوَاح من بَين شمال وَبَين صباها المعصرات الدوامس قَالَ: أَخْبرنِي عَن قَوْله: {ثجاجاً} قَالَ: الثجاج الْكثير الَّذِي ينْبت مِنْهُ الزَّرْع قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم أما سَمِعت أَبَا ذُؤَيْب يَقُول: السيوطي ٨/ ٣٩١السيوطي ٨/ ٣٩١

سقى أم عمر وكل آخر لَيْلَة غمائم سود ماؤهن ثجيج وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم والخرائطي من طرق عَن ابْن عَبَّاس {وأنزلنا من المعصرات} قَالَ: الرِّيَاح {مَاء ثجاجاً} قَالَ: منصباً

وَأخرج الشَّافِعِي وَسَعِيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه والخرائطي وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن مَسْعُود فِي قَوْله: {وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجاً} قَالَ: يبْعَث الله سحاباً فَتحمل المَاء من السَّمَاء فتمر بِهِ السَّحَاب فتدر كَمَا تدر اللقحة والثجاج ينزل من السَّمَاء أَمْثَال العزالي فتصرفه الرِّيَاح فَينزل مُتَفَرقًا

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن عِكْرِمَة {وأنزلنا من المعصرات} قَالَ: السَّحَاب {مَاء ثجاجاً} قَالَ: صبا أَو قَالَ كثيرا

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن الرّبيع بن أنس {وأنزلنا من المعصرات} قَالَ: من السَّمَاء {مَاء ثجاجاً} قَالَ: منصباً

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي مصحف الْفضل بن عَبَّاس {وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجاً}

وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَصَاحِف عَن قَتَادَة قَالَ فِي قِرَاءَة ابْن عَبَّاس {وأنزلنا من المعصرات} بالرياح

وَأخرج الخرائطي فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق عَن مُجَاهِد {وأنزلنا من المعصرات} الرّيح وَلذَلِك كَانَ يقْرؤهَا: بالمعصرات مَاء ثجاجاً منصبا

وَأخرج ابْن جرير ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {وجنات ألفافاً} قَالَ: مجتمعة

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {وجنات ألفافاً} قَالَ: ملتفة

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة {وجنات ألفافاً} قَالَ: ملتفة بَعْضهَا إِلَى بعض

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة {وجنات ألفافاً} قَالَ: الزَّرْع إِذا كَانَ بعضه إِلَى بعض جنَّات وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس {وجنات ألفافاً} يَقُول: جنَّات الْتفت بَعْضهَا بِبَعْض السيوطي ٨/ ٣٩٢السيوطي ٨/ ٣٩٢

أخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة {إِن يَوْم الْفَصْل كَانَ ميقاتاً} قَالَ: هُوَ يَوْم عَظمَة الله وَهُوَ يَوْم يفصل فِيهِ بَين الْأَوَّلين والآخرين

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {يَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} قَالَ: زمراً زمراً

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن الْبَراء بن عَازِب: أَن معَاذًا بن جبل قَالَ: يَا رَسُول الله مَا قَول الله {يَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} فَقَالَ: يَا معَاذ سَأَلت عَن أَمر عَظِيم ثمَّ أرسل عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ: عشرَة أَصْنَاف قد ميزهم الله من جمَاعَة الْمُسلمين وَبدل صورهم فبعضهم على صُورَة القردة وَبَعْضهمْ على صُورَة الْخَنَازِير وَبَعْضهمْ منكبين أَرجُلهم فَوق وُجُوههم أَسْفَل يسْحَبُونَ عَلَيْهَا وَبَعْضهمْ عمي يَتَرَدَّدُونَ وَبَعْضهمْ صم بكم لَا يعْقلُونَ وَبَعْضهمْ يَمْضُغُونَ ألسنتهم وَهِي مدلاة على صُدُورهمْ يسيل الْقَيْح من أَفْوَاههم لعاباً يقذرهم أهل الْجمع وَبَعْضهمْ مقطعَة أَيْديهم وأرجلهم وَبَعْضهمْ مصلبون على جُذُوع من نَار وَبَعْضهمْ أَشد نَتنًا من الْجِيَف وَبَعْضهمْ يلبسُونَ جِبَابًا سابغات من قطران لَازِقَة بِجُلُودِهِمْ

فَأَما الَّذين على صُورَة القردة فَالْقَتَّات من النَّاس وَأما الَّذين على صُورَة الْخَنَازِير فَأَكلَة السُّحت والمنكسون على وُجُوههم فَأَكلَة الرِّبَا والعمي من يجور فِي الحكم والصم الْبكم المعجبون بأعمالهم وَالَّذين يَمْضُغُونَ ألسنتهم فَالْعُلَمَاء والقضاة من الَّذين يُخَالف قَوْلهم أَعْمَالهم والمقطعة أَيْديهم وأرجلهم الَّذين يُؤْذونَ الْجِيرَان والمصلبون على جُذُوع من نَار فَالسُّعَاة بِالنَّاسِ إِلَى السُّلْطَان وَالَّذين هم أَشد نَتنًا من الْجِيَف الَّذين يتمتعون بالشهوات وَاللَّذَّات وَيمْنَعُونَ حق الله وَحقّ الْفُقَرَاء من أَمْوَالهم وَالَّذين يلبسُونَ الْجبَاب فَأهل الْكبر وَالْخُيَلَاء وَالْفَخْر السيوطي ٨/ ٣٩٣السيوطي ٨/ ٣٩٣

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًاعلى الآيات ١ إلى ١٦ابن كثير ٩/ ٣٠٢ابن كثير ٩/ ٣٠٢

يقول تعالى منكرًا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارًا لوقوعها: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) أي: عن أي شيء يتساءلون؟ من أمر القيامة، وهو النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر.

قال قتادة، وابن زيد: النبأ العظيم: البعث بعد الموت. وقال مجاهد: هو القرآن. والأظهر الأول لقوله: (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) يعني: الناس فيه على قولين: مؤمن به وكافر.

ثم قال تعالى متوعدًا لمنكري القيامة: (كَلا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ) وهذا تهديدٌ شديد ووعيد أكيد.

ثم شرع تعالى يُبَيّن قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة، الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره، فقال: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا) ؟ أي: ممهدة للخلائق ذَلُولا لهم، قارّةً ساكنة ثابتة، (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) أي: جعلها لها أوتادًا أرساها بها وثبتها وقرّرها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها.

ثم قال: (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) يعني: ذكرًا وأنثى، يستمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .

وقوله: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) أي: قطعا للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار. وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة "الفرقان" . ابن كثير ٩/ ٣٠٢ابن كثير ٩/ ٣٠٢

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) أي: يغشى الناس ظلامه وسواده، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤] وقال الشاعر :

فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أو حِينَ نَصَّبتْ … له مِن خَذا آذانِها وَهْوَ جَانِحُ

وقال قتادة في قوله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) أي: سكنًا.

وقوله: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) أي: جعلناه مشرقا مُنيرًا مضيئًا، ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات، وغير ذلك.

وقوله: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) يعني: السموات السبع، في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها، وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات؛ ولهذا قال: (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم.

وقوله: (وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا) قال العوفي، عن ابن عباس: (الْمُعْصِرَاتِ) الريح.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو داود الحَفَري عن سفيان، عن الأعمش، عن المِنْهَال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) قال: الرياح. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، وزيد بن أسلم: وابنه عبد الرحمن: إنها الرياح. ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) أي: من السحاب. وكذا قال عكرمة أيضا، وأبو العالية، والضحاك، والحسن، والربيع بن أنس، والثوري. واختاره ابن جرير.

وقال الفراء: هي السحاب التي تَتَحَلَّب بالمطر ولم تُمطر بعدُ، كما يقال امرأة معصر، إذا دنا حيضها ولم تحض.

وعن الحسن، وقتادة: (مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) يعني: السموات. وهذا قول غريب.

الأظهر أن المراد بالمعصرات: السحاب، كما قال [الله] تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم: ٤٨] أي: من بينه.

وقوله: (مَاءً ثَجَّاجًا) قال مجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس: (ثَجَّاجًا) منصبا. وقال الثوري: متتابعًا. وقال ابن زيد: كثيرا. ابن كثير ٩/ ٣٠٣ابن كثير ٩/ ٣٠٣

قال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج، وإنما الثج: الصب المتتابع. ومنه قول النبي ﷺ : "أفضلُ الحجّ العجّ والثجّ" . يعني: صَبّ دماء البُدْن . هكذا قال. قلت: وفي حديث المستحاضة حين قال لها رسول الله ﷺ : "أنعت لك الكُرسُفَ" - يعني: أن تحتشي بالقطن-: قالت : يا رسول الله، هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا . وهذا فيه دَلالة على استعمال الثَّج في الصبّ المتتابع الكثير، والله أعلم.

وقوله: (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) أي: لنخرجَ بهذا الماء الكثير الطيب النافع المُبَارَك (حَبًّا) يدخر للأناسي والأنعام، (وَنَبَاتًا) أي: خضرًا يؤكل رطبا، (وَجَنَّاتٍ) أي: بساتين وحدائقَ من ثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذهلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعًا؛ ولهذا قال: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال ابن عباس، وغيره: (أَلْفَافًا) مجتمعة. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ الآية [الرعد: ٤] . ابن كثير ٩/ ٣٠٤ابن كثير ٩/ ٣٠٤